قدري! ما بك؟
2026.05.19
محمد صباح الحواصلي
واشنطن 27 شباط 2016
أما «قدري» فهو والدي أحمد قدري الحواصلي، وأما الرجل الذي كان يقف أمام السبورة السوداء في المدرسة السلطانية (مكتب عنبر)، وقد خطّ عليها بالطبشور الأبيض معادلةً رياضية، فهو أستاذ الرياضيات جودة الهاشمي. (1887 – 1955).
ابتسم أبي وهو يستحضر تلك الذكرى البعيدة، الموارية خلف تراكم السنين منذ العقد الثاني من القرن العشرين، ثم أخذ يروي لي تفاصيل الحادثة. قال إن الأستاذ الهاشمي استدعاه يوماً إلى السبورة، وطلب منه أن يحلّ المسألة المكتوبة أمامه. وتابع أبي:
"ما زلت أذكر دهشتي من انعقاد لساني المفاجئ أمام السبورة، من غير سبب مفهوم، مع أنني كنت من المتفوقين في الصف، ومن أكثر التلاميذ اجتهاداً، ولا سيما في الرياضيات. وقفت عاجزاً عن النفاذ إلى المعادلة، كأن مدخلها قد أُغلق في وجهي، ولم أستطع الإمساك بطرف الخيط المؤدي إلى حلها.
ولم يطل ذلك الارتباك المحرج — أمام أستاذي المعروف بوقاره وصرامته، وأمام زملائي الذين عهدوني مجتهداً — سوى لحظات قليلة، حتى سمعت أستاذي جودة الهاشمي يخاطبني بصوت امتزج فيه التعجب بالتشجيع قائلاً: (قدري! ما بك؟).
وما إن وقعت كلمتاه في نفسي حتى انفرجت عقدة لساني، واقتحمني الإلهام دفعة واحدة، فانطلقت في حل المعادلة بثقة وسلاسة، حتى أتممتها كاملة من غير توقف ولا تردد، وفي وقت لم أعهده من نفسي من قبل".
كنت غارقاً في عيني أبي، وفي ملامحه التي لم تفقد يوماً سحرها وقدرتها على التأثير والإقناع، أستمع إلى كلماته التي جاءت بعد صمت وتأمل عميق:
"أكثر ما بقي راسخًا في نفسي من أستاذي القدير جودت الهاشمي ذلك التآلف النادر بين العظمة والعلم والنبل في شخصه."