كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حديث الذكريات.. بين أمريكا وفرنسا

معن حيدر
الزمان: منتصف الثمانينيات.. كنّا مجموعة من مهندسي التلفزيون السوري في سيارة كبيرنا قاصدين مشفى الشامي لعيادة المدير العام السابق، وبالطبع كان معنا علبة شوكولا (شقة مريض)، قال أحدنا مازحًا:

يا حزركم هلأ شو رح يحط حاشية عليها؟
أجاب واحد منّا: رح يكتب موافق ويوقّع
قال كبيرنا: لأ.. هداك المدير العام اللي قبله بيكتب هيك، هو رح يكتب:
تُحال إلى الدراسة وتُعرض في اجتماع للإقرار.
وبشكل غير مباشر حوّل الحديث إلى طريقة الإدارة عند مديرَيْن عامَّيْن سابقَين لهيئة الإذاعة والتلفزيون، هما فؤاد بلّاط وخضر عمران، كانا من أنجح المديرين الذين مرّوا على الهيئة الأول كان يَعرف ما يُريد، ويوظّف الموافقات للمصلحة العامة.
والثاني كان يملك رؤية حاول أنْ ينفذّها وفق منهجية عملية، إلّا أنّه لم يطل به المقام وأُنهي تكليفه بسبب الاسم كما ذُكر آنذاك، ولذلك قصة طريفة أرويها لاحقًا.
+في أواخر عام 2005، كان أحد المديرين في هيئة الإذاعة والتلفزيون في مكتبي بغرض تدارس بعض أمور إدارته، وبعد الانتهاء تحوّل الحديث إلى أمور عامة ثم إلى رياح التغيير التي بدأتْ تهبّ على الهيئة والإشاعات التي رافقتها كالمعتاد: المدير العام (يعني أنا) طاير وجاية فلان محله و.. و.. و... و.
قال لي بلهجة الواثق: مبارح حكيت مع فلان (وهو قريبه ذو منصب رفيع في الدولة)، وقال لي بالحرف الواحد:
اطّمن أنت والأستاذ معن، أنتو محميّين وحواليكم خندق ع محيط ساحة الأمويين (حيث مبنى الإذاعة والتلفزيون).
قلت له: إن شاء الله
ولم يمض يومان إلّا و(طار) ذلك المدير.
والنهفة الأشد أنّه بعد ذلك بمدّة قصيرة، وفي صباح أحد الأيام مرّت إحدى الزميلات تريد توقيع كتاب لها، وكانت (تقرأ الطالع على الطريقة الصينية)، فقالت تبشّرني:
اليوم طالعك حلو أستاذ معن أنت بقيان هون سنين...
وفي الساعة الثانية ظهرا من نفس اليوم تبلّغت قرار (الإقلاع)..
وخاطركم مع السلامة لم يفلح لا الخندق ولا الصيني.
+ في تشرين ثاني 1987 رافقتُ الوفد الإعلامي السوري المكلّف بتغطية مؤتمر القمّة العربي الذي عُقد في عمّان.
وأثناء إقلاع الطائرة الني أقلّتنا من دمشق زحلتْ بقوّة كرسي المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون آنذاك على السكة التي تثبّتها على أرضية الطائرة إلى الخلف قليلا وثبتت.
صاح مدير التلفزيون، وكان يحلس خلفه، مازحًا وغامزًا: أستاذ أبو قصيّ انتبه انتبه ترى الكرسي ع بتزحل تحتك.
رد عليه، وسط ضحكات الآخرين: أبو سومر خليّك مرتاح وما تفرح كتير.. الكرسي ثابت متل الصخر، وأنا متعوّد على هيك حركات.
-كان بينهما علاقة ودّ (مفقود)، وربّما أكثر، كما كان الحال بين أغلب المدراء العاميّن الذين تعاقبوا على إدارة الهيئة وبين مدراء التلفزيون، وكذلك كان الحال بين أغلب وزراء الإعلام والمدراء العاميّن.
-في عمّان خُصص فندق لإقامة الوفود الإعلامية كلّها، قريب من المركز الإعلامي للمؤتمر.
يوم المغادرة حصلتْ تصرفات (صبيانية) من بعض أعضاء الوفد الإعلامي السوري، تصدّى لها بحزم عميد الخولي، رئيس تحرير صحيفة تشرين آنذاك، ما نمّ عن شخصيّة إداريّة بامتياز.
-وفي عمّان تعرّفتُ على مدير التبادل الأخباري في التلفزيون الأردني، وهو من آل المرتضى من أصول سوريّة دمشقيّة، كان محترمًا وغاية في اللطف، أظهر من خلال تعاونه هو وكادره، مع الوفود الإعلاميّة وجه الشعب الأردني النشامى.
تحوّلت معرفتنا سريعًا إلى صداقة قوية، وسيكون لهذه الصداقة دور هام جدًا في العام التالي 1988 أثناء انعقاد مؤتمر القمّة الإسلامي في الكويت، وكانت سورية حينها شبه مُقاطعة من أغلب الدول العربية بسبب حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.
-وفي عمّان ليل الثلاثاء، كان الجميع يترقّب وصول الرئيس التونسي بورقيبة أو من ينوب عنه، فالقمّة ستُفتتح في اليوم التالي، والوفود المشارِكة وصلت كلّها عدا الوفد التونسي.
وفي صباح اليوم التالي استيقظنا باكرًا لتناول الإفطار والتوّجه إلى المركز الإعلامي.
في المطعم جلستُ على طاولة عليها عدد من الإعلاميين عرفتُ منهم ماجد الشبل مذيع التلفزيون السعودي، وهو سوري كان يعمل في التلفزيون السوري وكان الحديث يدور عن عدم حضور وفد تونس..
جاء أحد الصحفيين مهرولًا وبيده ورقة تليكس وقال: مبارح بالليل صار انقلاب في تونس وتولّى الحكم وزير الداخلية زين العابدين بن علي.
قال فورًا أحد الحاضرين، وأعتقد أنّه سليمان نمر مراسل البي بي سي في السعودية:  
 
إي سيدي.. راحتْ فرنسا وإجتْ أمريكا.