كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مقال مجهول وسرديات الفناء (طارق الأحمد يوضّح ويرد على منتقدي والده)

طارق الأحمد

  في لقاء طويل على قناة الجزيرة مع زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، جاء ذكر لوالدي الراحل عبدالله الأحمد في حديثه، وتناولت الوساطة التي كانت جارية بين الراحلين كمال جنبلاط والده والرئيس الراحل حافظ الأسد عن طريق والدي عبدالله الأحمد، وأضيف هنا ما لم يذكره الأستاذ رياض رعد القيادي السابق مع كمال جنبلاط، وقد جاء اغتيال الراحل كمال جنبلاط في ذروة مسعى الوساطة الجارية عام ١٩٧٧، وكلف حينها عبدالله الأحمد بتأدية واجب العزاء لابنه وليد جنبلاط كما جاء في شهادته.
ما لم يذكره الأستاذ وليد وقد ذكره الأستاذ رياض رعد في لقائه مع الدكتور سامي كليب على قناة الجديد في برنامج الرئيس منذ سنتين هو أخطر ما حوته الوساطة عبر الراحل عبدالله الأحمد وهو نقل رسائل رئيس الوزراء السويدي زعيم حزب العمل الاجتماعي الراحل أوليف بالميه من كمال جنبلاط إلى حافظ الأسد وتحوي تحذيرا للأسد من مخططات الغرب لتأسيس دويلة مارونية برئاسة سعد حداد لتطوق سورية، وأوليف بالميه هو ذاته الذي سلّم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مخططات الحلف الأطلسي للمنطقة والتي تفاعل معها بشدة وأدت بعد ذلك لاغتيال عبد الناصر نفسه، كما تم اغتيال أوليف بالميه نفسه في السويد عام ١٩٨٦.
لن أدخل ههنا في موضوع الاتهام في الاغتيال وهو ملك شاهد ملك وحي هو الأستاذ رياض رعد أطال الله بعمره ويتحدث في شهادته عن علاقة ياسر عرفات بالأمر بمقابل مساعي الراحل حافظ الأسد لاجل أمن وتوطيد العلاقة مع كمال جنبلاط.
الآن يمكنني أن أذكر للقراء ما قاله والدي الراحل عبدالله الأحمد حين سأله أحد ضيوفه عن مستقبل الطائفة العلوية فأجابه بكل وضوح و حزم، أن أخطر مشروع سيواجهه العلويون هو مشروع [مورنة الطائفة العلوية].
طبعآ كان يعني أن يتحول همهم الوطني والقومي الى هم حماية الطائفة وهو ما يحدث تمامآ الآن بعد سقوط نظام بشار الأسد.
شخصياً ومع فخري بأنني تربيت في مدرسة والدي الفكرية، القيادي البعثي الذي قام بأكبر جهود لرفع الحيف التاريخي عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، بإجراءات ملموسة من قبيل إدخال رئيس الحزب الراحل الأمين عصام المحايري أواسط السبعينيات بسيارته من الأردن إلى دمشق، ثم إدخاله إلى مكتبه في القيادة، حيث أحدث ضجة وغضبا لم يحمه بوجهها سوى وقوف الراحل حافظ الأسد إلى جانبه واقتناعه بذلك، فإن ما يعنيني هنا هو ليس تأسيس بيت سياسي كما ادعى كاتب مجهول يستحي الإقرار باسمه الصريح مع الادعاء بأنه يريد مواجهة أكبر طغيان لتشويه المفكرة الذهنية للسوريين منذ حادثة الجمل او العهد العثماني او ما قبله. بل أن تصبح كل بيوت السوريين بيوتا للفكر الحر كما كان يقول لنا والدي، حيث يختار الشاب أو الشابة الحزب الذي يريد الاقتناع به أو اللباس الذي يرتديه أو الآلة الموسيقية التي يعزف عليها، وللعلم فهذه كانت سمة كل بيوتات السوريين قبل مرحلة تفحيم العقول وتجهيزها لعصر الدبلوماسيين مدخنو النراجيل الذي نعيشه اليوم.
من النظام الهرمي إلى نظام المسبحة:
كثيرا سئلت في المجالس والمحاضرات، لماذا انهار نظام بشار الأسد بهذه الشكل؟
بصراحة لم أجد أبلغ من التشبيه بأن أنظمة حكم الدول عادة ما تكون هرمية، بحيث أن مقتل أو فناء القائد الأول أو كل الصف القيادي، لا يؤدي إلى انهيار الدولة وهذا ما شاهدنا أعلى سماته لدى القيادة في إيران، لكن الدولة التي تحولت من الشكل الهرمي وأصبحت في السنوات الأخيرة تشبه المسبحة ذات الحبات المثقوبة والمرتبطة جميعها بخيط واحد، فقد أدى قطع هذا الخيط في الثامن من كانون الأول عام ٢٠٢٤، ليس لانهيار النظام فحسب، بل لإفراغ آخر مخفر شرطة في آخر قرية ولتكن قرية السمرا حيث صور مسلسل ضيعة ضايعة للراحل نضال سيجري و باسم ياخور، حيث نفخ على شواربه ليذروها في الهواء وينظر إلى الشعب السوري ويرحل…
نعم لقد استشرف والدي الراحل عبدالله الأحمد الخطر حين تفكر الطوائف بأنها تستطيع أن تبني أوطانا بذاتها، ونبهنا بأن العمل جار لمورنة الطائفة العلوية كما كان يقول، من خلال علاقة البعض مع المال والفساد الكبير وتحميل آخر طفل يسير في برد الشتاء ليدرس ويصبح طبيبا وفنانا وعالما، وزر من فسد وحكم وتجبر، ولتصبح الأحادية النمطية في التفكير وتدجين الناس في حزب السلطة لا حزب البعث، هي القاعدة، وليغدو الطبل والزمر للحاكم هو الأعياد الوطنية، كل ذلك، لنعبر إلى دولة الدبلوماسيين النراجيل والوزراء الشيوخ الثقافيين إلى يوم القيامة، حيث تصبح الفزعات هي المقابل لفزع الناس حين تحركهم فقط غرائزهم الطائفية.
يلومني البعض فيما أكتب ويطلبون تخفيف الخطاب، فأجيبهم بأنني لم أصل إلى درجة مما قاله نزار قباني منذ عقود في قصيدته: في حارتنا ديك، يذهب ديك ويأتي ديك والطغيان هو الطغيان يذهب حكم لينيني يأتي حكم أمريكي والمسحوق هو الإنسان..
أخيرا ومع كل ذلك الويل الذي يعيشه شعبنا، لا يسعني إلا أن أقول بأنني قد آليت على نفسي ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق ومن قلب دمشق، أن خرجت بعشرات المقابلات الصحفية على جميع القنوات العالمية التي تواجدت بكثافة هائلة في الأيام الأولى لتغطي التغيير الكبير ثم انسحبت بشكل مريب ولم تحاول حتى تغطية المجازر في الساحل او السويداء لتظهر الحقائق كما هي دون تحيز، وقد قلت في هذا المجال رأيي كما هو وكما كان، وبقي التحدي قائماً بأنني أفتخر بكل المواقف السابقة بما أمثل مع رفقائي في الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث أعتبر هذا الفكر ترياقاَ حقيقيا قابلا لتخليص جسد الأمة من الأمراض والعلل القائمة، وكانت القاعدة دوما هي: ولو كنت وحيداً فكن الأول وستصنع الفرق.