كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

«تَشَظِّي الرِّفَاق: نِهَايَةُ الحُلْمِ المُشْتَرَكِ لِرِفَاقِ السِّلاح»

فراس حمدون
العتبة الأولى: مِيثَاقُ البِدَايَات ومقصلة الواقع
في البدء، تولد الأحلام بجينات ناصعة البياض؛ خندق واحد يضم الرفاق، وبندقية تُشرع في وجه الطاغوت. بدأت الحكاية بملحمة شبه مستحيلة،
حينما ركب 82 ثائراً متن قارب "غرانما" عام 1956 صوب السواحل الكوبية، ورغم انكسار مواجهتهم الأولى وضياع جلّ عتادهم، صعد من نجا منهم (نحو 12 رجلاً فقط) إلى جبال "سييرا مايسترا" ليوجهوا أولى رصاصاتهم ضد سلطة الديكتاتور "باتيستا" الحاكمة.
دارت الأيام، ونجحت الثورة؛ ولكن، ما إن حطت أقدام الثوار على بر الاستقرار السياسي الخالص، وتلاشت التهديدات الوجودية،
حتى بدأت المعركة الأخلاقية الأقسى؛ لاحت في الأفق بوادر النفوذ، ووُضعت المبادئ على مقصلة القوة ليحدث "تشظي الرفاق".
«سيكولوجيا التشظي : من خندق السلاح إلى دهاليز القصور»
إن التحول من الثورة إلى الدولة ليس مجرد تغيير في المقاعد، بل هو زلزال نفسي واجتماعي يُصيب "رفاق السلاح".
في الخندق، يتساوى الجميع في الجوع والمصير، وتذوب الفروق الفردية في سبيل القضية.
أما في القصر، فتبدأ التراتبية، ويتحول الحليف القديم إلى منافس محتمل على السلطة.
هنا، تولد نظرية "الثورة تأكل أبناءها"، حيث تصبح التصفية السياسية أو الجسدية للرفاق الأنقياء ضرورة حتمية لبقاء النظام الجديد الذي يخشى طهرهم المزعج.
. تشي غيفارا (المحارب والفكرة)
يجسد الطبيب الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا الفكرة النقية في أصفى تجلياتها؛ الرجل الذي طارد الحرية كقيمة مطلقة، وترفع عن أي تسويات براغماتية تشتري المكاسب السريعة على حساب العقيدة الأخلاقية.
بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، وُضع غيفارا في أتون اختبار النفوذ والجاه، تسلم حقيبة وزارة الصناعة ورئاسة البنك الوطني. غير أنه أدرك باكراً أن المكاتب الوثيرة تخنق روح الثورة،
فتنازل عن مناصبه وامتيازاته، وخلع جنسيته الكوبية الفخرية وثوب الاستقرار، ليمضي مطارداً حلم التحرر في أدغال بوليفيا. دفع حياته ثمناً لمبدئه في التاسعة والثلاثين من عمره، فتحول بدمه النازف إلى أيقونة كونية .
فيديل كاسترو (الحاكم والكرسي)
على المقلب النقيض تماماً، يتبدى رفيق السلاح فيديل كاسترو، الذي تملّكته البراغماتية السياسية لتأمين بقائه المطلق في سدة الحكم.
تخلى كاسترو، تدريجياً، عن وعوده الأولى بالحرية والعدالة، اراد النفوذ المطلق والمنفعة الذاتية.
هكذا تحول المقاتل الحافي في جبال "سييرا مايسترا" إلى رجل دولة يقود البلاد بالحديد والنار لنصف قرن.
الثائر الذي حارب الطاغوت استحال طاغية بذاته؛ يقمع المعارضين، ويصادر الحريات، حتى انتهى به المطاف بتوريث الحكم لشقيقه كأية ملكية مستبدة.
عاش طويلاً ليشيّعه التاريخ وفي ذمته كرامة شعبٍ بأكمله جُرِّد من حريته.
العِبْرَةُ فِي النِّهَايَة: حَتْمِيَّةُ التَّارِيخ ومَآلُ الأقْنِعَة.
إن مفارقة "غيفارا وكاسترو" ليست مجرد حالة كولومبية أو كوبية معزولة، بل هي متتالية هندسية تتكرر في جل ثورات التاريخ.
يبقى السؤال الذي يؤرق الوعي الإنساني: هل يمكن للثورة أن تحكم دون أن تفقد عذريتها الأخلاقية؟
أم أن كرسى الحكم يحمل لعنة أزلية تحول كل من يجلس عليه، عاجلاً أم آجلاً، إلى نسخة مشوهة من الطاغية الذي ثار عليه؟