كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لماذا لم يأمر الله ﷻ بالمعروف في القرآن الكريم؟

أحمد الرمح
عندما تتدبر القرآن تجد أن الله ﷻ لما أراد بيان الحرام؛ أمر به ووضحه بطريقة يفهمها الراعي والفيلسوف سواسيةً؛ فقال: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. فتلاها علينا(14) محرمًا؛ وما سواها مباح.
أما موضوع الأمرَ المعروف والنهىَ عن المنكر؛ فقد طالبنا الله ﷻ أن نأمر به، ولكنه لم يأمر هو به؟! إنما نحن الذين نأمر الآخرين بالمعروف وننهى عن المنكر. وهذه مسألة دقيقة يجب الانتباه لها!
ما هو المعروف لنفهم لماذا لم يأمر به الله؟ وأمرنا أنْ نأمر به؟
المعروف هو القوانين المتبدلة والعادات والتقاليد الحسنة ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي، وهي أمور اجتماعية أمنية أخلاقية تنظيمية؛ توافق عليها أهلُ بلد ما؛ لتصبح قانوناً اجتماعياً يلتزم به الجميع. فلا يخرقون معروفاً؛ ولا يعملون منكراً؛ ومن يفعل منكراً؛ أو يخترق معروفاً؛ يعاقب قانونياً.
ولكون المعروف والمنكر متغيرة من مجتمع لآخر؛ ومتبدلة من عصر لآخر. الله عزوجل لم يأمر بها! إنما أمرنا أن نؤمر بها؟ لذلك نجد أنّ تحديدَ عقوبةِ مرتكبها؛ يسنها القانون؛ ولا يوجد عليها نص إلهي.
وانتبه! بتغير المكان والزمان؛ أحياناً يصبح المباح منكراً؛ والعكس صحيح! فمثلاً عورة الرجل من الصرة إلى الركبة، ولكن لو نزل رجل ما إلى الشارع بمجتمعاتنا؛ أو ذهب إلى عمله؛ يرتدي سروالاً من الصرة إلى الركبة يكون من خالف عُرف المجتمع؛ وارتكب منكراً يرفضه المجتمع. فهو لم يرتكب حراماً؛ إنما خالف عرفاً.
مثال آخر: منذ عقود كان من العار على الرجل أن يخرج حاسر الرأس؛ اليوم العرف تبدل. فالرجل يخرج حاسر الرأس دون إنكار من المجتمع. أيضاً كان من المعيب أن يحلق الرجل لحيته أو شواربه؛ اليوم لا مشكلة اجتماعية في ذلك، وكان من المنكر أن تخرج المرأة وحدها بلا محرم، اليوم العرف تبدل. ولا مشاحة بخروجها. بل سابقاً كان عيباً ومرذولاً أن يأكل الرجل بالشارع؛ وكانت تسمى "خوارم المروءة"؛ العرف اليوم تبدل.
كما كان من المنكر أنْ يقول الزوج: هذه زوجتي فلانة! إنما يقول حرمتي؛ أو أهلي؛ أو أم الأولاد. اليوم يقول اسمها فلانة زوجتي بلا حرج.
إذن؛ الله ﷻ لم يأمر بالمعروف لأنه متغير ومتبدل من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر. فقوانين السير والأسرة والتعليم وحقوق الإنسان؛ تمثل اليوم الأمر بالمعروف؛ ومخالفتها منكر. وشرطي المرور عندما ينظم السير في الشارع؛ فهذا أمر بمعروف ونهي عن المنكر، ومراقبة الأسعار لحماية المواطن نوع من الأمر بالمعروف والنهي المنكر....إلخ والأمثلة كثيرة جداً.
وبالتالي حينما نرى شيخاً أو متديناً يأمر ويقهر النسوة أو الشباب؛ فهو يظن أن المعروف دين؛ وليس عرفاً اجتماعياً مقونناً، لأنه لم يفرق بين الأحكام الثابتة والمتغيرة؛ ولا الواجب؛ ولا المندوب؛ ولا الثابت والمتحول.
وبالتالي ما كان عليه نمط الحياة أيام النبي والصحابة ومن بعدهم ليس ديناً؛ ولا سُنة! إنما هو عرف اجتماعي؛ يتبدل ويتغير بتبدل الزمكانية. وكل أمة لها معروفها ومنكرها.
عش عصرك؛ وافهم دينك؛ ودعك ممن ماتوا واستراحوا.