كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مفاهيم اقتصادية معاصرة.. بين عدالة الأنظمة وتشوهات الواقع

فراس حمدون

جزء رابع و أخير :“النظرية العالمية الثالثة”
“إن الأجراء مهما تحسنت أجورهم هم نوع من العبيد…
والبديل هو: شركاء لا أجراء.”
العقيد الليبي معمر القذافي
بهذه العبارة الصادمة، افتتح معمر القذافي رؤيته الاقتصادية التي ضمّنها في الجزء الثاني من "الكتاب الأخضر" عام 1978، معلناً رفضه الجذري لأحد أكثر المبادئ رسوخاً في الاقتصاد الحديث: نظام الأجور نفسه.
فبينما كانت أوروبا تطوّر ما عُرف بـ"الرأسمالية الاجتماعية"عبر تحسين ظروف العمال وحمايتهم بالنقابات والتأمينات، رأى القذافي أن المشكلة أعمق من ذلك؛
فالعامل في نظره يبقى تابعاً لصاحب العمل مهما ارتفع أجره، لأن العلاقة نفسها تقوم على بيع جهده مقابل المال.
من هنا انطلقت "النظرية العالمية الثالثة"، التي لم تسعَ إلى التوفيق بين الرأسمالية والاشتراكية الماركسية، بل إلى تجاوزهما وهدمهما معاً لبناء عالم اقتصادي يبدأ من الصفر.
فرفعت شعار "شركاء لا أجراء" لتحويل العمال إلى شركاء يتقاسمون عوائد الإنتاج بدلاً من الرواتب. ولم تتوقف الفكرة عند العمل،
بل امتدت للملكية والتجارة عبر شعارات مثل "البيت لساكنه"، واعتبار الأرض ملكاً للمجتمع، واستبدال الأسواق الخاصة بالجمعيات الاستهلاكية لمنع الربح التجاري الذي رآه استغلالاً.
مفارقة الواقع وتشوهات التطبيق:
كانت الفكرة في جوهرها محاولة لتحرير الإنسان، لكن الواقع كشف مفارقة صادمة؛ فعندما تُرجمت هذه المبادئ إلى سياسات عملية:
تراجعت المبادرة الفردية وماتت الحوافز الاقتصادية.
ظهرت الأسواق الموازية (السوداء).
تحولت الدولة إلى المصدر الرئيسي والوحيد للتمويل والتوزيع، وغرقت في البيروقراطية.
وهنا تتجلى المفارقة التاريخية؛ فبينما تحولت النظرية الليبية إلى "عقيدة سياسية" جامدة مرتبطة كلياً بشخص الحاكم وسلطته (بدلاً من المؤسسات والمدارس الفكرية)،
غاب عنها النقاش الحر والتصحيح المستمر.
ولأن أي نظرية لا تكتسب حياتها من الشعارات بل من قدرتها على الصمود أمام التجربة، فإنها تلاشت تدريجياً من الواقع والأدبيات الاقتصادية بمجرد اختفاء النظام الذي حملها.
المثال المطلق أم التوازن الممكن؟
على النقيض تماماً، لم تُبنَ التجربة الألمانية على هدم ما سبقها، بل على الاستفادة من دروس الرأسمالية والاشتراكية معاً.
وسعى نموذجها (اقتصاد السوق الاجتماعي) إلى إصلاح العالم القائم وتقليل عيوبه عبر إيجاد نقطة توازن مرنة بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، مما جعلها قابلة للتطوير والاستمرار حتى اليوم.
وفي النهاية، بين البحث عن "المثال المطلق" والبحث عن "التوازن الممكن"، أثبت التاريخ أن الأنظمة الأكثر قدرة على البقاء ليست تلك التي تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية،
بل تلك التي تترك الباب مفتوحاً للنقد، والتعديل، والتعلم من التجربة الإنسانية المتراكمة.