يوم تصالحتُ مع الموت
2026.06.29
هلال عون
عندما كنت في السابعة والعشرين من عمري، مرضت فجأة، ودخلت مشفى المواساة في دمشق.
بقيت هناك ثمانية أيام كاملة، لم يدخل إلى جسدي خلالها طعام أو شراب، سوى ما كانت تحمله السيرومات المعلّقة قرب السرير.
لم يكن أحد من أهلي يعلم بوجودي في المشفى سوى أخي الراحل د. عدنان، الذي كان يرافقني يومياً.
ثمانية أيام متواصلة، لم تنخفض حرارتي عن الأربعين، والغريب أنني، طوال تلك الأيام، نسيت تماماً أنني مدخن. لم تخطر السيجارة ببالي مرة واحدة.
الأطباء أنفسهم بدوا حائرين.
التحاليل كثيرة، ولا نتائج عن سبب المرض، والحرارة لا تهبط.
في أحد الأيام سمعتهم يتحدثون عن احتمال الإصابة بالسحايا.
كانت معلوماتي الطبية بسيطة، لكنها تكفي لأعرف أن المرض قد يكون قاتلاً.
لم أخف من الموت نفسه.
لكنني حزنت عندما تخيلت حزن أبي وأمي وإخوتي عليّ.
وحزنت لأنني لن أبدأ عملي في صحيفة الثورة، رغم صدور قرار تعييني فيها. وحزنت أيضاً لأنني لن أتزوج الصبية التي كنت أحبها.
أما فكرة أن أغادر الحياة نفسها، فلم تكن مخيفة بالنسبة لي.
في عصر اليوم التاسع، وكان يوم خميس، شعرت فجأة بأن جسدي عاد خفيفاً، كأن الحمى خرجت منه دفعة واحدة.
اختفى الألم تماماً، وعادت إليّ طاقة لم أشعر بها منذ أيام.
استدعيتُ الممرضة وطلبتُ منها قياس الحرارة.
نظرت إلى الميزان بدهشة، كانت حرارتي طبيعية تماماً. طلبت إزالة السيرومات وإيقاف الأدوية واستدعاء الطبيب المناوب لأغادر المشفى.
خرجتُ على مسؤوليتي، لأن الطبيب المسؤول عن ملفي لم يكن موجوداً.
وأول شيء فعلته بعد خروجي، أنني اشتريت علبة سجائر.
الآن، وبعد نحو ثلاثين عاماً على تلك الحادثة، ما زلتُ لا أخاف الموت.
لكن الفرق أنني لم أعد أتخيل حزن أبي وأمي كما كنت أفعل يومها.
أبي رحل منذ ثمانية عشر عاماً، وأمي بلغت التسعين، وربما لن يخبرها أحد إذا متُّ، خاصة أنها تعيش في مصياف وأنا في دمشق.
وأعتقد أن حزن أولادي وإخوتي، وأصدقائي القليلين، سيكون أقصر مما كنت أظن في شبابي.
سيحزنون، نعم، ثم ستستأنف الحياة عملها المعتاد.
سيذهب أولادي إلى جامعاتهم، وسيدفعون فواتير الكهرباء والماء والاتصالات بأنفسهم، وسيشترون حاجات البيت اليومية التي كنت أشتريها، ربما دون أن ينتبهوا حتى إلى أنني كنت أفعل ذلك كل يوم.
ربما لا يخيف الإنسانَ الموتُ نفسه، بقدر ما يخيفه أثرُ غيابه في حياة الآخرين. ثم يكتشف، مع السنوات، أن الحياة أكثر مهارةً من أحزاننا، فهي تُرمّم الفراغ بسرعة، وتُكمل سيرها بنا أو من دوننا.
وحده ما منحناه من محبة ودفء، يبقى يقاوم النسيان قليلاً.... عند الأوفياء، أبناء الأصل.