التصفيق
2026.07.13
لؤي أحمد سلمان
في وفاة المرحوم وجيه الأسد أبو أمجد في القرداحة (في منتصف الثمانينات)
ولمن لايعرف سيرة المدرس والمربي وجيه الأسد رحمه الله، هو مدرس عمل في التدريس في مدارس دير الزور وربما في الطبقة بعد الدير. تزوج من دير الزور، وعرف عنه الاستقامة، ودماثة الخلق وابتعاده عن الفساد والافساد واستغلال السلطة بشكل مطلق.
هو شقيق زوجة رفعت الأولى وخال تماضر ومضر وفراس، وعم لوسيم الشهير ولكنه من قماشة أخرى تماما يختلف فيها عن اخوته بديع وأمير سيئا الصيت.
وصلت إلى السرادق المنصوب لأجل مراسم العزاء، وكان الرئيس حافظ الأسد في صدر السرادق وعلى يمينه المرحوم الدكتور علي سليمان الأحمد أخ بدوي الجبل ووالد المهندس سليمان الأحمد، وعلى يساره شقيقه الكريه جميل، وكان حينها يعيش لوثة الإمامة التي مسته حتى وفاته.
وفي زاوية السرادق جلس العماد علي دوبا منزويا في نقطة ميته وغير منظورة ،مرتديا نظاراته الغامقة كعادته، وبالقرب منه اللواء محمد خير عثمان مدير المكتب المالي للرئيس حافظ الأسد ومعه حقيبة فيها مبلغا للتوزيع علي المحتاجين (قام جميل الأسد وجلس قرب المرحوم اللواء محمد خير ووزعها على حاشيته من سائقين ومرافقين، ولم ينل منها شيئاً أي محتاج من القرداحة وحولها).
و تجمع الكثير من أبناء القرداحة للسلام على الرئيس، وكالعادة كان يقف شخصاً هنا وآخر هناك يمدحون الرئيس ويرحبون به شعراً أو خطابةً، وبعد كل مداخلة يصفق من في السرادق تحيةً ومحبةً لابن القرية ورئيس البلاد.
القى أحدهم أبياتاً شعرية جميلة وبليغة (اقتراض الشعر العربي وتذوقه ونقده كان من سمات أبناء الساحل بشكل ملحوظ) وماأن انتهى الرجل من كلامه حتى بدأت الناس بالتصفيق بحرارة.
وإذ بجميل الأسد يقف ويقول بصوت عالٍ: كلنا نحب الرئيس ولكن التصفيق محرم في الإسلام وعليكم أن تقولوا الله أكبر بدلاً من التصفيق المتكرر، ثم أردف قائلاً: وهلق بدنا نقول كلنا الله أكبر بدون مانصفق تحية للرئيس، وهكذا كان.
تلك كانت المرة الأولى التي علمت فيها أن التصفيق حرام. وتذكرت كل هذه الرواية عندما سمعت أن رئيس السلطة منع التصفيق في مجلس ممثليه، وأدركت أن الموضوع ليس تواضعاً وإنما تزمتاً وفقاً لتفاسير بعضاً من الفقهاء وعلماء الدين المسلمين
مستندين إلى الكتاب والحديث، حيث تقول الآية الكريمة:
َمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: 35)
وقد فسر كثير من المفسرين التصدية بأنها التصفيق. لكن الآية تذم عبادة المشركين، ولا تعني بالضرورة أن كل تصفيق في كل سياق محرم.
كما يستدل بعضهم بحديث النبي ﷺ:
«التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» (رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم)
وهذا الحديث يتحدث عن كيفية تنبيه الإمام أثناء الصلاة، وليس عن حكم التصفيق خارج الصلاة.
لذلك يمكن تلخيص آراء الفقهاء على النحو الآتي:
* داخل الصلاة: لا يشرع للرجال التصفيق، وإنما يسبحون، أما النساء فيصفقن إذا أردن تنبيه الإمام، كما ورد في الحديث.
* خارج الصلاة: جمهور العلماء لا يرون أن التصفيق في المناسبات أو للتعبير عن الإعجاب محرم في ذاته، لكن بعض العلماء يكرهونه إذا أصبح عادة تشبه اللهو أو اقترن بمحرمات، بينما يرى آخرون أنه مباح إذا خلا من المحاذير الشرعية.
وعليه فإذا كان المقصود التصفيق في الاحتفالات أو المحاضرات أو لتشجيع شخص، فلا يوجد اتفاق بين العلماء على تحريمه، والجمهور لا يحكمون بتحريمه لذاته، وإنما ينظرون إلى السياق والغاية منه.