كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كلمة افتتاح ندوة الطاولة المستديرة "حول السياسة بديلا عن العنف"

مروان حبش

(أيها الحضور الكريم،
لا يمكن النظر إلى الحالة السورية بوصفها أزمة حكم فحسب، بل هي أزمة تأسيس سياسي لم تُحسم بعد، وأزمة تتصل بتعريف الدولة والشرعية والعلاقة بين الدولة والمجتمع في آن واحد.
تدخل سوريا اليوم مرحلة بالغة الحساسية، تتجاوز مجرد السعي إلى وقف العنف أو تثبيت ترتيبات انتقالية مؤقتة. فالتحدي الأساسي لم يعد إنهاء الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فقط، بل منع إعادة إنتاج الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إليها. وفي ظل الانقسامات العميقة، وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع، وصعود الهويات الفرعية، واستمرار الضغوط الاقتصادية والإقليمية، يبقى خطر العودة إلى العنف أو الوقوع في استقرار هش وقسري احتمالًا قائمًا.
لقد كشفت سنوات الصراع الطويلة محدودية القوة والعنف في إدارة المجال السياسي وتنظيم التعدد الاجتماعي. فالعنف، مهما فرض من وقائع مؤقتة، لا يستطيع أن يؤسس لشرعية مستقرة أو لعقد اجتماعي قابل للاستمرار. ومن هنا تواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات سؤالًا جوهريًا يتجاوز إعادة الإعمار المادي: كيف يمكن إعادة بناء المجال العام الذي يسمح للناس بالعيش معًا والاختلاف فيما بينهم دون أن يتحول الاختلاف إلى مصدر خوف أو تهديد وجودي؟
إن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط عبر اتفاقات سياسية عابرة أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل بقدرة السوريين على بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، ويضمن مشاركة جميع المواطنين في الحياة العامة على أساس المساواة والحقوق المتكافئة.
ولهذا، فإن السياسة ليست مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الاستقرار، بل هي الشرط الضروري لتحقيقه. والسياسة المقصودة هنا ليست مجرد تنافس على السلطة، وإنما منظومة لإدارة الاختلاف بصورة سلمية، وضمان المشاركة، وحماية الحقوق، وتحويل التنوع الاجتماعي والثقافي إلى مصدر قوة وإثراء بدلاً من أن يكون سببًا للصراع والانقسام.
إن إعادة بناء النسيج السوري والعقد الاجتماعي تتطلب الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة، ومن إدارة المجتمع بالقوة إلى إدارته بالقانون والمؤسسات. وعندها فقط يمكن لسوريا أن تؤسس لسلام مستدام، قائم على المواطنة المتساوية، والمؤسسات الشرعية، ومجال عام يتسع لجميع السوريين بمختلف انتماءاتهم ورؤاهم ومصالحهم.
وتشير أدبيات بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع إلى أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة السياسية؛ فقد تستعيد السلطة سيطرتها، لكن الشرعية تبقى موضع تساؤل. وفي الحالة السورية تبدو أزمة الشرعية أكثر تعقيدًا، لأنها ترتبط بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة التوافق على طبيعة الدولة ووظائفها ومصدر مشروعيتها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة إنتاج السلطة بقدر ما يكمن في إعادة إنتاج الشرعية نفسها، أي في بناء توافق وطني جديد حول قواعد الحياة السياسية ومؤسساتها وآليات تداول السلطة فيها.
في هذا السياق تكتسب الورقة البحثية التي أعدها الأستاذ أحمد بكورة، بعنوان: «السياسة بديلًا عن العنف: إعادة بناء النسيج السوري والعقد الاجتماعي في سوريا عبر تحويل الصراع»، أهمية خاصة لما تطرحه من أسئلة ورؤى تتصل بمستقبل الدولة والمجتمع في سوريا.

فليتفضل مشكورا.)