كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

منى واصف..

تمّام علي بركات- فينكس

الحديث عنها يشبه من جهة علاقته بالذاكرة الشخصية والعامة –نوعا ما-الحديث عن أحد المعالم الهامة في البلاد، ذاك أنها مرتبطة بذاكرة الجمهور وبمختلف شرائحه، ارتباطا وجدانيا عاليا، ألهمت الكثيرات وفي مختلف المجالات، فما من شخصية –تقريبا-قدمتها، إلا وكان لها بليغ الأثر في الجمهور، ليس من جهة التأثر بالحالة الفنية أيضا، بل بتأثره بما روجت إليه من قيم أخلاقية وإنسانية من خلال الشخصيات التي قدمتها ولها هذا التوجه، أو في كونها المثال الذي يردع لما يقع فيه، في حال قدمت شخصيات لها توجهها المخالف.
في "الهيبة"، كانت الثقل الحقيقي والجاذب الخفي، الظاهر ببلاغة ودون نفور، أو إفراط في الظهور- كحال نجم العمل- وجودها في المشهد يعطيه زخماً انفعاليا، وبُعداً مركبا له علاقة بتاريخها الفني الطويل، وبالألفة التي
يشيعها حضورها، حتى وهي تظهر بملامح الشخصية الغاضبة؛ العمل وإن كان ينتمي شكلا لما يسمى بـ "دراما عربية مشتركة" إلا أن الثقل "السوري" راجح في مختلف مفاصله، -التمثيل/العمليات الفنية- و قد حققت النجمة السورية منى واصف-1942- أهمه على مستوى الأداء، على مدار الأجزاء الأربعة من المسلسل.
في "ليالي الصالحية" 2004" لعبت وبكل براعة، دور الشخصية الأهم في العمل، الشخصية المحركة للصراع بين كل من المُثل "الطوباوية" التي يمثلها "المعلم عمر" عباس النوري، وما يقابلها من شرور، جاءت شخصية "المخرز" -بسام كوسا- كرمز لها، وقدمت أداء من العيار الثقيل أذهل الجمهور الذي راح يشاهد ممثلته الأولى، تقدم دورا شريرا، خصوصا وأنها كانت تقدم شخصية "الأم" المقربة دائما من عاطفة المشاهد، والتي تكاد تكون أشهر وأهم من قدمها محليا وعربيا، إن كان بتنوع مناخات الشخصية وظروفها، أو بتنوع مساراتها وتطورها الدرامي، إلا أن "واصف" جعلت الجمهور يشاهد بأم عينه، كيف يمكن للشر أن يرتدي حتى الوجوه المألوفة ويليق بها، لقد قدمت دورا بارعا، يخطف الأنفاس.
بما أنه يُعرض هذه الأيام على إحدى القنوات الفضائية العربية، فلا بد من الإتيان على ذكر دورها الخطير وأداءها المبهر في "العّراب" في جزئيه –نادي الشرق 2015- الضرب تحت الحزام 2016- لقد استطاع المخرج الراحل حاتم علي، أن يستخرج من منى واصف، مالم يقدر العديد من المخرجين على جعلها تُخرجه، وذلك من أمكانيات مكنونة في قدرتها الهائلة على التويع في الأداء، ففي المشهد الذي تقابل فيه ابنها "نورس" –حاتم علي- بعد خروجه من السجن وعودته للمنزل، وفي مدة زمنية لا تتعدى الدقائق الثلاث، قدمت منى واصف واحدا من أهم المشاهد على مستوى الأداء، ليس محليا أو عربيا فقط، بل عالميا أيضا، وإن كان مشهد تفجعها المهول على موت زوجها، وصراخها الذي تستعيد فيه صوتها بعد "الخرس" الذي أصابها، والذي قدمته في "أسعد الوراق" 1975-صدقي إسماعيل-علاء الدين كوكش-يعتبر المشهد "الأيقونة" في مسيرتها الفنية، فإن ما قدمته في المشهد المذكور من "العّراب" سيكون أيضا بدوره مشهدا "أيقونيا" بمرور الأيام.
على غرار نجمات السينما العالميات، بدأت منى واصف طريقها الفني في تقديم عروض الأزياء؛ الشابة الجميلة، الواثقة، سرعان ما لفتت أنظار أهل الفن، لتبدأ تلك المسيرة الفنية الحافلة وكما ينبغي لها، من على خشبة المسرح، المكان الذي ربت فيه إحساسها، وصقلت أدواتها، واختبرت ضربة جناحها في فضائه للمرة الأولى، شاركت في مسرحية "العطر الأخضر"، ثم تابعت نشاطها المسرحي وقدمت عدة مسرحيات أخرى مثل "افتحوا النوافذ للشمس" عام 1961، "دكتور رغم أنفها"، و"غروب القمر"، وانضمت بعدها إلى "جماعة الأدب الدرامي، وفي مطلع التسعينيات اعتزلت المسرح، بعد أن وجدت أنها لم تعد مرتاحة في تقديم ما يهم الجمهور، لأسباب مختلفة، منها، ما ذكرته حول أسباب اعتزالها المسرح بقولها: "في آخر عرض واجهت الكثير من الصعوبات، كإعتذار عدد من الممثلين وما شابه، ربما لأنهم أحسوا بأن هذه المسرحية لمنى واصف وحدها، الأمر الذي دفعني لاعتزال المسرح بعد أن تبادلت معه الألق والشباب، وقررت التفرغ للسينما والتلفزيون، وهذا القرار الوحيد الذي لم أتراجع عنه في حياتي، ولكن يمكن أن أعود للمسرح في حالةٍ واحدة؛ إذا أعيد إنتاج عرض الأم شجاعة لـ"بريشت"، لأنني أذكر تماماً الحفاوة التي قوبلت بها في ألمانيا الشرقية عام 1973، حينما كنت في دورة إطلاعية على مسرحه، وقُدِّمتُ كأصغر ممثلة سنّاً لعبت هذا الدور. مازلت اذكر ذلك الاستقبال الحار، واعتقد أن ذلك الدور يناسب عصرنا الحالي الذي أوصلتنا فيه الحروب لأن نتاجر بكل شيء"، القول الذي يمكن من خلاله استشفاف الأخلاق الشخصية والمهنية العالية عند بطلة فيلم "اليازلي"-حنّا مينا-قيس الزبيدي-1974، فالإخلاص للشغف عند الممثل، يدفعه لأن يكون حيث يجد أنه يتبنى ما يقدم، والإخلاص للجمهور، يتطلب منه أن لا يقدم إلا ما يجد أنه يمسه ويعنيه ويمتعه، وهذا من الأخلاق الشخصية أولا، قبل أن يكون من الاخلاق المهنية، ثم أنهما يرتبطان بما ينعكس من الشخصي على العام، وهذا بالضبط ما يُكسب الفنان احترامه عند من صنعوا مجده، ذاك أنه يبادلهم وبكل مسؤولية، ثقتهم ومحبتهم، بمزيد من الصفات الإنسانية والفنية الراقية التي تحترمه، وتؤكد على دوره المستمر والدائم في صناعة النجم، الأمر الذي يفوت اليوم الكثير من "الستارزات"، ويعتقدون أن وسائل التواصل بما يظهر عليها من أخبار وعلى مدار الساعة عنهم، هي الأهم.
منى واصف قامة فنية وإنسانية كبيرة في الفن المحلي، صنعت مجدها بيدها، وحافظت على رونق هذا المجد وأبّهته منذ أكثر من نصف قرن، دون أن تتنازل لحظة واحدة عن كونها نجمة دائمة الخضرة.