مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
2026.07.16
عماد بلان
..بات الفهد موظفاً رسمياً في إذاعة دمشق، وانضم إلى جوقة الكورَس الذين يرددون خلف مطربي تلك الفترة ومنهم: نجيب السراج، رفيق شكري، سلامة الأغواني، وغيرهم..
..من مهمات الكورَس آنذاك – وما زالت - أداء الأناشيد الوطنية والموشحات والأغاني الشعبية الجماعية، وهذا يستوجب خضوع جميع أفراد الجوقة من شباب وشابات إلى تدريبات فنية وغنائية عالية ودقيقة، واختبارات دورية قاسية،.. تلك الفترة الوجيزة كانت مهمة جداً في حياة فهد بلان الفنية، إذ كانت بمثابة أول "أكاديمية" يتلقى فيها الفهد أصول الغناء على يد أساتذة كبار ومخضرمين من عتاولة الموسيقا في سورية أمثال: علي الدرويش، ونديم الدرويش، ومنهم الراحل الكبير الفنان عبد الفتاح سكر الذي كان رئيساً لجوقة الكورس آنذاك، فضلاً عن كونه عازف كونترباص بارع، ومن كبار الملحنين الذين لا يشق لهم غبار.
وأخيراً حان للفهد أن يبتسم له القدر ويستجيب الله تعالى لدعواته، فكانت الحكاية التالية التي سأسردها عليكم عن أول ظهور للفهد ووقوفه كمطرب منفرد على مسرح جماهيري، وإن كان برفقة صوت آخر، إنها حكاية رحلته الفنية إلى مدينة حلب.. فتفضلوا بمتابعتي:
..من دمشق، انطلقت الحافلات تعج بأفراد الفرقة الموسيقية وفرقة الكورس، بينما كان بعض نجوم الغناء السوري واللبناني قد سبقوهم بسيارات خاصة قاصدين جميعهم مدينة حلب العريقة لإحياء عدة حفلات هناك..
..وصل الموسيقيون وفرقة الكورس إلى مبنى مدرسة كان القائمون على الحفلات هناك قد جهزوا حجراتها كمكان لمبيت أعضاء ذلك الحشد الفني لكثرة عددهم وربما لتوفير تكاليف الإقامة في الفنادق..
..عند المساء، وبعد استراحة الوفد الفني وتناولهم العشاء، توزعوا في أنحاء حديقة المدرسة وبعضهم شكلوا حلقات يفترشون العشب الأخضر.. يدخنون السجائر يحتسون الشاي.. ويتبادلون الأحاديث والمواويل والأغنيات..
.. و مع نسائم الليل.. تنامى إلى مسامع الفنان الراحل / شاكر بريخان/ صوت واحد من عناصر الكورس يغني لزملائه أهزوجة جبلية تركت وقعاً مؤثراً لدى شاكر بريخان بالذات، كان الصوت جهورياً عريضاً ذو مساحة واسعة بين القرار والجواب ينطوي على إحساس عميق متميز.. اقترب شاكر بريخان من الشباب بهدوء كي لا يعكر عليهم صفو سهرتهم وهم ينصتون بشغف إلى صوت زميلهم في كورس الإذاعة السورية.. وسأل أحدهم: لمين هادا الصوت يللي سامعه..؟ أجابه: هادا فهد بلان.. زميلنا وصديقنا من السويداء..
..وبالمناسبة: الفنان شاكر بريخان - رحمه الله - وهو من حلب الشهباء - كان شاعراً و ملحناً لا يستهان به، وكانت له كلمته المسموعة في آذان مسؤولي إدارات كل من إذاعة دمشق وحلب أيضاً.. فطلب على الفور من فهد أن يجتمع به في إحدى حجرات المدرسة لتنفيذ ما كان يدور في رأسه.. لبى فهد الدعوة و انتقل إلى حجرة جمعته بقائد الفرقة الموسيقية المرحوم أمين خياط و بعض العازفين، عندئذ سأله شاكر بريخان:
..يا فهد.. سمعتك تغني لوناً جبلياً وبدوياً بإتقان وحرفنة.. وانا لدي أغنية بدوية من كلماتي وألحاني.. لكنها "دويتو".. يعني حوارية ثنائية الأداء؛ و قد اخترت المطربة / سحر / لتشاركك الغناء.. فما رأيك..؟
..ابتهج الفهد للعرض المفاجئ والفرصة الطيبة التي حظي بها للتو.. فالمطربة سحر - رحمها الله - و اسمها الحقيقي: فضيلة مقلة - وهي من حلب ايضاً - كان لها جمهورها العريض في سوريا.. وصاحبة صوت قادر ورائع.. فقبل العرض بلا أدنى تردد.. لم يكن شاكر بريخان يعزف على أي آلة موسيقية رغم احترافه التلحين - وهذه مفارقة - فطلب من أمين خياط أن يرافقه على آلة القانون، وأن يبدأ بتدوين النوتة الموسيقية للأغنية الجديدة التي أمضى الثنائي فهد وسحر ساعات الليل يتدربان على حفظها لأدائها معاً في أول عرض خلال حفلة الليلة المقبلة مع كامل الفرقة الموسيقية.
..وفي الموعد المحدد، وقف عريف الحفل الفنان الراحل / عبد اللطيف فتحي - أبو كلبشة / ليقدم مفاجأة الحفل ويقول:
..سيداتي سادتي.. الليلة رح تسمعوا أغنية جديدة.. أغنية ولدت ليلة أمس.. ينشدها لكم عاشقان.. حمادة وصبحة، بدوي وبدوية.. فـرَّق الأهل بينهما، إذ يصر أبوها على حرمانها من محبوبها لتزويجها من ابن عمها أو ابن خالها..! فيجتمع الحبيب بمحبوبته ليبث كل منهما لواعج حبه ومعاناته للآخر.. فلنستمع بصحبتكم إلى الثنائي.. سحر.. وفهد بلان.. وأغنية: آه يا قليبي.. من كلمات وألحان الأستاذ شاكر بريخان.
( في الفيديو أدناه تستمعون للأغنية وقت تسجيلها عام 1963).
..وكان.. ان استعاد الجمهور الأغنية مرتين وسط التصفيق الحاد.. نجحت الأغنية نجاحاً باهراً منقطع النظير.. فكانت الانطلاقة الأولى للصاروخ الغنائي العابر الذي امتطاه الفهد بعدئذ ليجول على متنه سماء عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه.. بصوته القادر الهادر والنادر.. وأدائه المتميز وحضوره الأخاذ.. وحرفنته الغنائية العالية ..فأسس تلك المدرسة المستقلة في دنيا الأغنية السورية والعربية.. مدرسة عريقة وخالدة تنهل منها الأجيال بعد الأجيال..
..بعد اختتام تلك الحفلات في مدينة حلب، عاد الوفد من موسيقيين وكورَس ومطربين ومطربات أدراجهم إلى دمشق.. خلال رحلة إلعودة تلك، وبينما كان الفهد يجلس وحيداً على مقعده في الباص "سكانيا" فوجىء بشخص مهم من ضمن أفراد الوفد الفني، وكانت تجمعه به علاقة إدارية وظيفية لا أكثر، جلس بجانبه، وبعد السلام والتحية، قال الجليس للفهد: فهد.. أنا سبق وسمعتك في الغناء الجماعي مع فرقة الكورس، ولكني سمعتك في الغناء المنفرد خلال حفلة الأمس، وتابعت أداءك، وتأملت شخصيتك.. وتحققت يا فهد بانك مؤهل لاحتلال ركن مهم و مميز على الساحة الغنائية، ليس في سوريا فقط، بل على مستوى العالم العربي كله..! أنا أرى أننا لو نتعاون معاً في تأسيس لون غنائي جديد.. لون لا.. ولن يكون إلا لون فهد بلان.. ولا أحد سواه.. فما رأيك..؟!
..لعلَّ الفهد كان وقتها لا يزال تحت نشوة النجاح غير المتوقع الذي حققه ليلة أمس على مسرح مدينة حلب، لذلك لم يعطِ الاهتمام المطلوب للعرض الذي طرحه ذلك الشخص الذي اقتحم عليه خلوته ورحلته مع أحلامه الوردية.. واكتفى بكلمة قالها له: إن شاء الله.. خليها على الله يا سيدنا..!
..ولكن.. من كان ذلك الشخص العابر ..؟
..هو ذاته الرجل الذي أصبح لاحقاً التوأم الروحي والفني للفهد خلال سنوات طويلة من رحلة نجاح عظيمة حقق خلالها الرجلان اكتساحاً غير مسبوق في سماء الأغنية العربية من المحيط للخليج.. كان هو ما غيره: الموسيقار الكبير/ عبد الفتاح سكر / رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
..وخلال حلقات مقبلة، أرجو أن تتابعوا صفحات من تلك المسيرة الفنية التي جمعت فهد بلان وعبد الفتاح سكر، فكانت: يا بنات المكلا.. جس الطبيب.. يا سالمة.. واشرح لها.. لركب حدك يا الموتور.. مرحب هلا.. يا ساحر العينين.. صح يا رجال.. وغيرها من مئات الأغنيات التي أضاءت فضاء الفن العربي..
وهنا أتوقف لأسدل الستار عن حكاية مضت.
https://www.facebook.com/madblan.344343/videos/1660529461690333/?idorvanity=501893156882967