كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فنان وفنانة من شمال وجنوب سورية أبدعا الألحان واخترعا عدداً من آلاتها واجتمعا على حب الوطن

جمانة طه- فينكس

ذات سنة كنت في جمعية الشبان السريانية لأستمع إلى الفنان إدوار يعقوب شمعون في حديثه عن الموسيقا السريانية. في تلك الأمسية الباذخة بالثقافة موسيقياً وإنسانياً تعرفت إلى محاضر وفنان عرض باقتدار في ساعة من الزمن معارف عن موسيقا عريقة لم أكن أعرف عنها. بعد مدة زارني الأستاذ إدوار شمعون في مقر عملي ووضع بين يدي صورة عن مقالة في جريدة عن "قيثارة دمشق" الأستاذة وجيهة عبد الحق، وطلب مني الكتابة عنها. وعدته بذلك، لكن ظروفي لم تسعفني وقتذاك.
وها أنا اليوم أؤدي الأمانة وأذكّر بالفنان إدوار يعقوب شمعون، وبالفنانة وجيهة إبراهيم عبد الحق.وجيهة عبد الحق قيثارة دمشق فنانة وعازفة
الفنان إدوار يعقوب شمعون 1939-2014 باحث كاتب مؤلف وملحن موسيقي سرياني يلقب ب "كنارة أور"، ولد في مدينة ديريك المالكية قضاء الحسكة. عضو في نقابة الفنانين السوريين، يحمل إجازة من كلية الآداب في الجامعة السورية قسم الفلسفة. شارك في العديد من المؤتمرات الموسيقية العربية التي أقيمت في مصر والعراق، بكونه باحثاً وملحناً ومخترعاً مرموقاً. من يطلع على سيرة الفنان إدوار يلحظ فخاره واعتداده بهويته وانتمائه إلى سورية وتغنيه بتاريخها وعراقة حضارتها، وهو القائل: "سورية أم النور، مليكة الدنيا، الطالعة منذ الأزل شمساً على ممالكها الجالسة حكمة وحسناً على عرش عروشها، وإن كل كاتب وشاعر وفنان مدين لها".
قدم المخترع إدوار شمعون للمكتبة الموسيقية السريانية -السورية والعربية أعمالًا عديدة، منها: اثنتي عشرة آلة موسيقية عربية وترية، منها آلة سماها " العروبة: عود وربابة" يعزف عليها بالريشة والقوس. و"الكمان السوري: شآم"، و"كمان أم كلثوم"، و"كمان فيروز" و "كمان هيروشيما" الذي يقيم في متحف هيروشيما في اليابان، ومما كتب عليه: "إن حضر من يفتش علينا في سوريتنا فسوف يرى إشعاع الحضارة والعلم وإِشعاع الأدب والشعر". كما اخترع قيثارة باسم "غزل"، وهي بحجم العود العادي أوتارها غير فولاذية، نسق سلمها الموسيقي بطريقة عصرية إلى جانب الاحتفاظ بأصالة تجعل من حضورها في الأوركسترا لحناً فريداً. وقد نقش على ربابته مقتطفات من تشريع حمورابي ومن مقولات آرامية تمجد أرض النور، وغنى على أنغامها بالآرامية مأساة هيروشيما و ناغازاكي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اليابانيين قدّروا عملين ل إدوار شمعون، هما: كمان هيروشيما، واحتفظوا به في المتحف. والربابة، وضعوها في الحفرة التي خلفتها القنبلة الذرية ونقش عليها مقولة الإله بعل: "حطم سيفك، تناول فأسك واتبعني. ازرع السلام والمحبة في كبد الأرض". وأيضاً صنع أعواداً عديدة بأسماء: عبد الوهاب وفريد واسمهان ووديع الصافي.
حاز الفنان إدوار شمعون على عدد من براءات الاختراع وعلى عدة جوائز: *ميدالية ذهبية مع شهادة أحسن اختراع من الأمم لمتحدة "الوايبو الدولية" في العام 2001.
*كرمته نقابة الفنانين السوريين بميدالية ذهبية في العام 2003 *كرمته دار الأوبرا المصرية ب ميدالية ذهبية وشهادة تقدير. *كرمه الاتحاد العام للكتاب العرب في بغداد ب ميدالية ذهبية وشهادة تقدير.
.......
كتب الباحث إدوار شمعون في جريدة تشرين بتاريخ 5/7/1994مقالة يرثي فيها قيثارة دمشق وجيهة عبد الحق، ويقول: ذهبت إلى دارها في المزة بعد غياب ربع قرن من الزمن، استقبلني شقيقها مفتش الموسيقا بدمشق الأستاذ منير عبد الحق بقبلة مشتاقة ودمعة، وأنا غير مصدق أن وجيهة ماتت. أبحث عن ابتسامتها البريئة، فأجد أمامي قيثارة دمشق، والبيانو العربي الذي ابتدعته لينطق بالمقام العربي ويسمعه العالم. خيّل لي أني أسمع فيروز في أغنيتها:
دقيتْ طَلّ الورد عالشباك/ وينها؟ تلبّكْ وما عاد يحكي ماتت! لشو تَخبّر/ أنا وياك وحدنا يا ورد راح نبكي أسأل الأستاذ منير: كيف ماتت، هل تعذبت؟ يجيب متلعثمًا: فقدت بصرها في أواخر عمرها القصير من داء السكري الذي سرى بجسدها بسرعة، وجعلها تتوارى عن مجدها وأضواء العالم.
........
الدكتورة وجيهة "إبراهيم عبد الحق باحثة فنانة ومخترعة موسيقية، ولها العديد من الأبحاث في هذا المجال. ولدت بدمشق في العام 1929 في حي الورد بسوق ساروجة، وغادرت الحياة بدمشق في العام 1994. درست المرحلة الابتدائية بدمشق وتابعت ما بعدها في القاهرة، بحكم تعيين والدها بوظيفة ملحق في السفارة السورية. منذ طفولتها بدت عليها عذوبة الصوت، وحبها للموسيقا. في العام 1951 تحصلت على الشهادة الثانوية الموسيقية بالمرتبة الأولى من معهد فؤاد الأول للموسيقا، وحققت هدفها الموسيقي في التخرج بتفوق بالمعهد العالي عام 1963. وبعد أن حصلت وجيهة على ليسانس العلوم الموسيقية، انتقلت إلى أكاديمية سانتا ثيثيليا في روما وتابعت دراستها في فرع " علم موسيقا الأجناس والشعوب" الذي يعد من أصعب الفروع، لأنه يشمل دراسة الموسيقا من الجوانب الثقافية والاجتماعية والمادية والإدراكية والبيولوجية وغيرها من أبعاد السلوك الموسيقي، وتخرجت بدرجتي الدبلوم والماجستير. وعندما كانت تستعد لإعداد أطروحة الدكتوراه اقترح عليها أستاذها المشرف أكثر من موضوع موسيقي غربي، لكنها اعتذرت عن الاختيار وفضلت أن تكون أطروحتها عن الغناء في الوطن العربي، لأنها لحظت غياب الموسيقا العربية على أهميتها وعراقتها عن المشهد الموسيقي العالمي. بدأت وجيهة ب مراسلة سفارات الدول العربية في روما، تسأل الملحقين الثقافيين مساعدتها بتأمين ما يلزم لها من مراجع ومعلومات بخصوص البحث. فجاءت النتيجة باستضافتها للبحث عن أصول هذا العلم الموسيقي في أربعة عشر بلدًا عربيًا في المشرق والمغرب. زارت المدن والبوادي والأرياف والجبال والسواحل والمراكز والمؤسسات والمتاحف والمعارض الفنية، تجمع مختلف ألوان الغناء من منابعه وتوثيق أصوله ومناسباته وأسماء المطربين والمطربات. تمكنت من تسجيل ثلاثة آلاف وثيقة علمية للألحان والأغاني، إضافة إلى مجموعة من الحلي والأزياء التراثية والآلات الموسيقية. وقد جمعت هذه الثروة في أربعمائة شريط مدتها مائتا ساعة صوتية مختارة، إلى جانب مجموعة من أشرطة سينمائية فوتوغرافية صورتها بنفسها. وتعد هذه الثروة الفنية أساسًا مرئيًا، يتيح للباحث أن يتعرف إلى البيئة التي أحاطت بالموسيقا التقليدية العربية. ومن فطنة وجيهة أنها أودعت هذه الوثائق في أكاديمية روما الموسيقية لدى مدير معهد التقاليد الشعبية في روما العالم الموسيقي "دييغو كريتا"، الذي رأى في هذا التوثيق مادة ثمينة للمقارنة بين الموسيقا الشرقية والموسيقا الغربية. كما جمعت خمسًا وعشرين آلة موسيقية عربية مميزة ونادرة ومجموعة كبيرة من الحلي، وعددًا كبيرًا من المؤلفات التاريخية والفنية العربية تصل إلى سبعين مؤلفًا. وبهذا العمل الميداني الكبير نالت درجة الدكتوراه بتفوق، في العام 1969.
اخترعت وجيهة قيثارة أسمتها "قيثارة دمشق" المسجلة دوليًا تحت اسم البيانو الدولي الذي يحل مشكلة ربع الصوت في الموسيقا العربية، وتم الإعلان عنها وعرضها للمرة الأولى في قصر اليونسكو في باريس في العام 1974 أمام وفود من العالم برعاية مدير المعهد الوطني للموسيقا في لبنان الأب يوسف خوري، وتم تجريب القيثارة بالعزف عليها معزوفات عربية تراثية. قسمت الدكتورة وجيهة عبد الحق "قيثارة دمشق أو البيانو الدولي" إلى مدرجين: الأول أمامي عادي، والثاني خلفي ويُعد امتدادًا للمدرج الأمامي ويعطي ربع الصوت الموسيقي ثلاثة أرباعه. تحتوي القيثارة على 440 وترًا بدلًا من 220 وترًا في البيانو العادي، وقالت: إن هذا الاختراع يمكْن القيثارة من تقديم جميع التراتيل الدينية لمختلف الأديان، ويفسح في المجال لإبداعات جديدة في الموسيقا. ويذكر أن قيثارة دمشق استقطبت اهتمام الرحابنة فزاروا وجيهة في دمشق، وعزف على القيثارة منصور وإلياس، وأفصحوا عن رغبتهم بشراء أول نسخة تصنع من القيثارة. وقد عبر إلياس عن إعجابه بها، قائلًا: إنها حدث مهم من الأحداث الكبيرة في تاريخ الموسيقا العربية، وإذا كان الوتر الذي أضافه زرياب إلى العود جعل الموسيقا العربية تتقدم خطوات سريعة ومهمة في الأندلس، فكيف وقيثارة دمشق التي تملك من إمكانات عشرات أضعاف وتر زرياب؟ قدمت الحكومة السورية في العام 1975 قيثارة دمشق هدية إلى منظمة اليونسكو، فأقامت المنظمة احتفالًا كبيرًا بهذا الحدث الفني الكبير، ودعت إليه عددًا من الموسيقيين العالميين الذين عزفوا بعض أعمالهم على القيثارة بحضور الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كورت فالدهايم. في العام 1977 أقام وفد سورية في الأمم المتحدة حفلًا رسميًا بمناسبة عيد الجلاء، كانت القيثارة وصاحبتها حاضرتين فيه. وبفضل الاهتمام الذي حظيت به القيثارة من قبل الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي في أميركا، استضافت المذيعة "مارلين مانهاتن" في برنامجها بمحطة سي الأميركية المخترعة الفنانة وجيهة عبد الحق وسجلت معها مقابلة باللغة الإنكليزية تَمّ استعادتها في المحطة ثلاث مرات بين 3و 20 ك2 1977.
لم تتوقف وجيهة عند اختراع واحد بل تابعت طموحها الفني بالبحث والعمل، إلى أن اخترعت "أورغ" متطورًا سجلته عالميًا تحت اسم "أورغ اليونسكو العالمي" وأهدته إلى اليونسكو. استقبل المشهد الفني العالمي الأورغ بشهادات براءات اختراع رسمية ممنوحة من عشرين بلدًا، منها: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا. ونظرًا لأهمية هذا الاختراع وما يمكن أن يضيف إلى الموسيقا العربية والعالمية، عرضت عليها بعض هذه الدول تصنيعه واستثماره، لكنها رفضت.
قبل أن أختم حديثي عن الفنانة والمخترعة الكبيرة وجيهة عبد الحق، أقول: مؤسف بل مؤلم حد الأسى أن لا يوجد على النت موقع يوافي مكانة هذه الشخصية الإبداعية الفذة، وأرى أن هذا الوضع يشير إلى تقصير وزارة الثقافة بحق العلماء، وعليها من أجل الأجيال القادمة أن تعهد إلى المعهد الموسيقي القيام بإنشاء موقع خاص بالدكتورة وجيهة، يوثق سيرتها الذاتية ومسيرتها العلمية واختراعاتها وبحوثها، وكل ما جمعته في ترحالها من وثائق وأشرطة غنائية وموسيقية وصور الملابس التراثية العربية التي حصلت عليها من بلدانها.
رحم الله الفنانين الكبيرين قيثارة دمشق وجيهة عبد الحق و كنارة أور إدوار شمعون، وأحسن إليهما بالمغفرة والنعيم والسلام.
المراجع:
*موقع نسور السريان *موقعe syria sy
تجدر الإشارة إلى أن كل ما كتب على النت عن الدكتورة عبد الحق وفي مقالة الفنان شمعون، معلومات مكررة.