كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفنان التشكيلي أحمد الشيخ علي الزير

كنت أمر بذاك الشارع القريب من منزلي، فتشدني في واجهة محل قرب جامع القدامسة في سلمية تلك التشكيلات المعدنية المشغولة بعناية، وأغلبها من طيور كبيرة تذكرني بتلك الطيور المهاجرة التي تعبر سلمية في الفصول الإنتقالية، وأرى في عمق المحل رجلاً أشيب بشعر طويل، أتأمل طويلا تلك التشكيلات، وتظل ترتسم في ذاكرتي تساؤلات جلها، في كيف يغيب هذا الرجل عن المشهد التشكيلي في سورية؟
فجأة غاب الرجل وبقي المكان مشرعاً يتأمله فضولي عابر أو مهتم، ولكن ذلك لم يطل كثيراً وعرفت أن أحمد الزير قد رحل بصمت.
ولد أحمد الشيخ علي الزير في سلمية عام 1944
تعلم النحت بالفطرة، إذ لم ينتسب لمدرسة أو أكاديمية، ومارسه باجتهاد كبير متخصصاً بالتشكيل بالمعدن. مدخلاً إلى مهنة الحدادة الإفرنجية لمسة فنية. ووظف خبرته بالحدادة في الإبداع الفني النحتي وكانت انطلاقته من بيروت وكل من جاء بعده تأثر بمنحوتاته ولم يتمكنوا من إنجاز أعمال ضخمة كما فعل.
اكتفى أحمد الزير بالالتفات إلى ماحوله ليقاربه بتشكيلات معدنية جديدة، أهمها أشكال تمثل الطيور المهاجرة والأسماك والنخيل والنباتات الشوكية ودوار الشمس والعرائش ونباتات الزينة.
يقول في حوار أجراه معه الصحافي هشام عدرة: (كانت بداياتي في أواسط ستينيات القرن المنصرم حيث عملت في تصميم المفروشات الحديدية وكانت انطلاقتي الفنية من العاصمة اللبنانية بيروت في عام 1967 إذ كنت أقيم هناك وأعمل في ورشة أثاث منزلي لدى شركة معروفة، وكنت المصمم المنفذ فيها وأضع لمسات جمالية ومنحوتات لأشكال مختلفة من الحديد على زوايا الأثاث الحديدي كالسرير والديوان والكرسي، ما استرعى انتباه البعض من المهتمين فطلبوا مني إقامة معرض في بيروت لتلك المنحوتات التي كنت أزين بها المفروشات، وبالفعل أقمت أول معرض لي سنة 1967 في بيروت حيث ضم 15 منحوتة حديدية وهكذا كانت انطلاقتي الفنية لأعود بعدها إلى سورية، فأقمت العديد من المعارض الفنية التي شدت انتباه الناس والزوار، ولاسيما أنني كنت قد بدأت بنحت أعمال ضخمة تحتاج لصبر وطول بال وجهد وتعب وإرهاق وقوة بدنية عالية مع معرفة واسعة بمدارس الفن وأساليب النحت).
ويتابع قائلاً: (وفي السنوات الأخيرة نحتُّ أشكالاً جديدة ومنها أسماك يبلغ طول الواحدة متراً و35 سم وبارتفاع مترين واعتمدت فيها الأسلوب التجريدي في الفن، وهذا ماجعل إنجازها يستغرق وقتاً طويلاً (حوالي 7 أشهر)، كذلك نحت أيضاً (الدونكيشوت) الفارس الإسباني وقد جاء كما هو في الأدب والتراث الإسباني، وقد احتاج إنجازه في مشغلي تفرغاً له لمدة عام كامل وجاء بطول متر وارتفاع متر وربع مع حصانه وسيفه).
أقام الفنان أحمد الزير معرضاً له في دمشق - مركز ثقافي أبو رمانة في ك2 1984 ومن هذا المعرض اقتنى متحف دمشق الوطني مجموعة من تشكيلاته، وهي معروضة فيه منذ ذلك التاريخ. وكان آخر معارضه في المركز الثقافي الفرنسي بمقره في دمشق في عام 1998.
رحل الفنان التشكيلي أحمد الزير بصمت عام 2013 تاركاً 4000 عمل نحتي من الحديد بعد معاناة من مرض سببه الحديد الذي كان يشتغل به.
وكان قد توقف قبل عشرة أعوام عن إقامة المعارض بسبب عارض صحي ألم به والسبب (الحديد)، فالفنان الحداد الذي قهر الحديد ولينه وطوعه وشكلّه كما شاء تمكن أنبوب صغير في ورشته من كسر رجله حين داس عليه ومن دون قصد ليقع على أرض ورشة الحدادة وتصاب رجله بعرج دائم جعلت حركته محدودة وبطيئة.
إعداد: محمد عزوز

من كتابه (راحلون، في الذاكرة) برسم الطبع