"النار بالنار".. المسلسل الذي أطلق النار على نفسه
2023.04.29
دلبرين موسى:
تابعت "النار بالنار" خارج الازدحام الرمضاني لما لمسته من ثقل درامي ومعرفي في الحلقات الأولى وعدت لمتابعته بكثير من المحبة بعد انتهاء المهرجان الرمضاني.
العمل يُعلن صراحة عن غايته وهدفه وجوهره بانه دراما تدافع عن الحب الذي يسقط في حضرته كل الجنسيات، كل الانتماءات الضيقة، وأُسجّل بكثير من الإعجاب لرامي كوسا التقاطه المدهش لشخصيات تستعرض انكساراتها عبر سلوكيات صغيرة نابعة من طبيعة الشخصية ومن طبيعة الحدث، وأُسجل لمحمد عبد العزيز بأنه جعل المكان بطلاً أولياً في العمل، فتم ربط الشخصيات وحكايتهم المتداخلة بكثير من الحرفية (على الأقل في النصف الأول من العمل) مع المكان، ورسم نسيجاً مُتقناً من الحياة في حي يلم شتات أولئك الذين طحنتهم الحياة، الأحلام، الأطماع، النزاعات، الغرق في الذات، وحتى الفتوات الذين يؤجرون قوتهم ومشاعرهم لمن يدفع أكثر على طريقة بندقية للإيجار، في هذا الجو الذي يجعلنا العمل جزءً من خصوصيته وشاهداً على تحولاته التي تتجلى في إنهيار وتلاشي اليسار العربي وانتعاش اليمين الإسلاموي الدموي، وبين هذا وذاك الكل يبحث عن ذاته، عن أحلامه الصغيرة، عن خلاصه الفردي بعد إفلاس كل نظريات الخلاص الجماعي.
هذا المجتمع الذي يُبنيه بحرفية عالية رامي كوسا تدخله مريم القادمة من الشام، والذي يستقبلها بسرقة كل أوراقها الرسمية، فتُصبح بلا هوية سوى كونها تحمل الإثم السوري، وعبر هذا الخط يكشف العمل بالتدريج ملامح أبطاله ويُعريهم بالكثير من السلاسة المُتجلية في سلوكيات مريم ابنة الحي الشعبي الدمشقي البسيط، تارة بـ (الله يحن عليك) وتارة بـ (انا بفرجيه قيمتو)، لتكون مريم بمثابة مبضع الجراح في كشف الكثير من شخصيات العمل التي تختبئ وراء العنصرية، الكراهية، الحقد، الفشل، لنرى جوهر هاته الشخصيات التي تنبض بالحب و لا شيء سوى الحب.
ولأن هذا العمل كان مُحباً، واستطاع أن يحجز مكاناً أثيراً لدى المُشاهدين الذين دعموه أثناء العرض، لم يجد من يحاربه، فقرر أن يُحارب نفسه عبر تفاصيل صغيرة شكلت شرخاً في مصداقية بعض الشخصيات وبالتالي بعض الأحداث، واستغرب كيف تخضع كل هذه الأناقة في اللعبة الدرامية لهذا الشرخ..؟
مريم التي بنت علاقة عاطفية (واضحة وصريحة) مع عمران، فجأة وبلا مقدمات تنقلب عليه وتصفه بأقذع الصفات وذلك دون أي مبرر درامي، وهي التي كانت في ازهى حالاتها رفقة عمران الذي لمّح العمل إلى تغييرات في سلوكه العنيف بسبب الحب، هذا التغيير المُفاجئ جعلنا نتعاطف إلى حد كبير مع سلسلة انتقام عمران، بدل ان نتعاطف مع مريم، المُدهش أن العمل ودون مقدمات درامية كافية دفع مريم لتُقدم جسدها مقابل المال الذي تحتاجه للسفر، لتكبر الدهشة أكثر عندما يكشف العمل أن الشاري هنا هو مولع بصوفية ابن عربي، لا أعرف ما علاقة هذا بمريم، (وهل كل من سكن حي الشيخ محي الدين له كرامات، أو من أحفاد ابن عربي؟) وكأن العمل يُريد أن يُحمّل الشخصية أكثر بكثير مما تحتمل، وهذا أفقد شخصية مريم الكثير من عفويتها وبساطتها، تبع ذلك تكرار مشاهد جميل وقمر حد الملل، الكلام نفسه، السلوك نفسه، النتيجة نفسها، ليُفاجئنا العمل ببعض الهنّات الغريبة، فمثلاً في الحلقتين (22-23) تقوم نادية بابتزاز بارود وتقول له حرفياً (خاصة بعد ما رجع زياد مع زوجته الجديدة للحي) ثم نُفاجأ في الحلقة (24) بان بارود يأخذ رؤى ليختبئا في منزل زيادة! كيف مر هذا الأمر؟ أعتقد أن ارتجالاً غير مدروس كان وراء هذا الخلط، ثم علاقة بارود بعمران التي كانت سمتها دفاع بارود المستميت عن عمران وإخلاصه له، ثم فجأة ودون أية مقدمات بارود يقف على الطرف النقيض، أين كان ذلك خلال خمس وعشرين حلقة..؟ وكيف لشخص كعمران يتعرض لطعنتي خنجر، وفي لحظة خروجه من المشفى أن يبقى على رجليه طوال الليل أمام منزل عزيز..؟ وبعد مشهدين ودون مرور زمن كاف أو واضح يبدو عمران سليماً تماماً.
الكثير من الإرتجالات غير المبررة طعنت في مصداقية العمل، والأحداث، وخففت كثيراً من ثقل العمل، لولا أن أوركسترا أداء المُمثلين قدمت تنويعات جميلة تمزج بين الحرفية والبساطة، ولتحضر كاريس بشّار في واحدة من أبهى تجلياتها الأدائية المُتقنة.