ابتسم فأنت في شهر رمضان الكريم…!
2023.04.03
نزار أحمد:
منذ طفولتي أسمع برمضان انه شهر كريم، تعبير يتداوله الناس على أنه حكمة من رب العالمين جاءت من كرمه بمناسبة الشهر المقدس، فهو كريم يقارب بين الناس والعائلة والأحبة، وكريم على كل الناس حتى بالتجارة والأسواق الاسلامية، وكريم حتى على منتجي المسلسلات الرمضانية.
مسكين هذا الشهر تحول من شهر العبادة والتأمل الى شهر العمل الاستثماري والاستهلاك على كل المستويات، تحولت المناسبة لكي يضع المالك امواله قبل رمضان للاستثمار بمادة معينة، ثم يجني ما يجنيه من أرباح مشروعة وغير مشروعة حتى عبر الشاشات وأعمال فنية فيها ابتزاز الصائمين، وهم الضحية الاولى لهذا الشهر، حيث ترتفع نفقاتهم الى اكثر من الضعف، ثم تسمع الرابح والخاسر، الصالح والفاجر، التاجر والضحية، كلهم سواء تسمعه يقول بفم ملآن، اللهم إني صائم.
من أفدح الجرائم التي ترتكب بحق المجتمع السوري، وهو المعني بهذا المنشور، غير الغلاء للسلع الضرورية في فترة رمضان، والذي يكتسح الاسواق المسلمة كافة العربية وغير العربية منها، لكنه ايضاً هو شهر الاستثمار الفني وجني الأرباح من مذابح الاعمال الدرامية، حيث يتحول الشهر كمصيدة للناس الذي لديهم فترات فراغ من طبيعة الشهر وعاداته، والتي المفترض استغلاله بمسلسلات لها طابع المتعة والفائدة أو أعمال للتأمل على الاقل..!
منذ اليوم الأول، وبسبب سهولة التناول لكافة المسلسلات عن طريق النتفليكس أو اليوتوب أو مواقع اخرى عديدة، انتقيت عينات من بعضها، وجدت الغالبية منها، "بوجقات" البيئة الشامية التي ورطنها بها الكاتب الفلسطيني أكرم شريم منذ نحو نصف قرن بمسلسله أيام شامية، مع أخذ الاعتبار للفارق بينه وبين ما أتى بعده، حتى اصبحت موضى ووسيلة للتربح والابتزاز بمواضيع مسفة مكررة، كأنك ترى عالم ماقبل العصر الحجري إذا ما قيس بهموم عالم اليوم.
يعني السؤال: لماذا الاصرار على التعاطي بسطحية مملة للبيئة الشامية، تقدم كبيئة فقيرة المضمون مغلقة على نفسها لا تجد فيها إلا القبضايات والشوارب المفتولة واحتقار للمرأة والكلام الهابط الوضيع وصيغ من اللهجة العامية التي عفى عليها الزمان.
هو السؤال المشروع: لماذا يريدون ايقاظ هذه البيئة واحيائها بكل رمضان جديد، وأي خدمة تقدمها للناس هذه الأعمال التجارية الرخيصة!؟
لكن كان الملفت من بين المسلسلات الذي أثار اهتمامي، مسلسل لسامر رضوان، ابتسم أيها الجنرال…!؟
انه عنوان مغر للمتابعة، لكن وجدت نفسي امام دراما مخيبة للآمال، بالرغم من الجهد المميز وحتى الابداعي لعدد من الممثلين النجوم، بالفعل قد أدوا أدواراً مميزة جداً، وحتى الاخراج الذي يحبس الأنفاس على الطريقة الهوليودية، لكن نحن امام نص كسيح، لا هو وثائقي، ولا هو منطقي بحلوله الدرامية.
مسلسل من ثمان وعشرين حلقة، راينا منها عشرة حلقات، ومازلنا في الفضيحة الاساسية الذي انطلق منها المسلسل، فضيحة فساد أخلاقي يريد من خلالها الدخول لعالم السياسية بنظام ديكتاتوري مفترض..!
الشخصيات المفترضة بالمسلسل، واضح من تمثل بالواقع ومن المقصود بحقيقتها، ويمكن على الأقل توقعها، لكن المشكل، بطريقة الفهم والعرض، فالاحداث ليست وثائقية وليست أيضاً دراما محبوكة تحترم ذكاء المتفرج والمتابع. لكأن الكاتب يفش غله وغليله ليس إلا، يفرغ كراهيته بشخصيات ملك يديه يديرها كما يشاء، هم المفترض انهم أخصام سياسين..!
الفكرة الملفتة بالنص، دمج مرحلتين يفترض التشابه بينهما، في صراع أخوين على السلطة، يمتد للأبناء بتخيل تكرار التجربة في خلط متعمد، فيروي أحداثاً يعرفها كل العوام من السوريين، لكن هنا لا شيء جديد على الصعيد الوثائقي، وبالرغم من انحداره الفكري بالمعالجة الا انه قد يجني أرباحاً مهولة بسبب عنوانه المثير .
الفن الدرامي كالفنون الأخرى، إذا فقد مصداقيتة فقد التأثير بالغير، وفقد تعاطف المتفرج بسب سطحية المعالجة، والحلول الدرامية المضحكة أحياناً، المحزنة أحياناً اخرى بسبب هذا الجهد المبذول، وكم الممثلين المتميزين، لياتي العرض بالنهاية ليس وثائقي وليست حبكة بوليسية تمتع المتابع.
بالنهاية، ذكرني هذا العمل بمسلسل التاج البريطاني ال CROWN، مع الاحتفاظ بالفارق الكبير بينهما، سوى انه يهتم باسرة مفترضة حاكمة، لكن ذاك العمل جاء توثيقي، وبالرجوع لتاريخ أحداثة، تبين انه موثق لدرجة كبيرة، وجاء العمل منتقداً وفاضحاً وموثقاً بتاريخ الملكة اليزابيث والذي قارب حكمها السبعون عاماً ًرؤساء وزرائها من تشرشل وحتى تاتشر، لكن بـ(تحفة) ابتسم ايها الجنرال، فلا مميز حقيقة بهذا النص الاشكالي سوى عنوانه الواهم.
كلمة لابد منها، شكل هذا المسلسل في إعادة ملف النظام السياسي بسورية وفرصة شنفت لها آذان بعض شخصيات المعارضة التي ترتزق على اليوتوب والتي لامشروع لها سوى التشهير وتلطيخ السمعه بتناول شخصي، (ولو كنت مسؤولاً بالنظام حقيقة وبكل بساطة، كنت سمحت بعرضه داخل سورية) هذه المرتزقة الذي يميزها ان لامشروع وطني لها، لكأن تجربة هذا النظام فريدة من نوعها في عالمنا العربي، لكن بالحقيقة كل الأنظمة العربية برمتها، تنطبق عليها أحداث المسلسل، وهذا النوع من الأنظمة البوليسية كلية القدرة على شعوبها، هو مايميز كل نظام سياسي عربي بلا استثناء، وقد وثقها الأدب والفنون العربية من رواية العتمة الباهرة لابن جلول لشرق المتوسط لعبد الرحمن منيف لرواية القوقعة لمصطفى خليفة والسجينة لمليكة اوفقير ليوميات غوانتانامو محمد ولد صلاحي وحيونة انسان لممدوح عدوان، وسيل من الروايات لاحصر لها التي تحكي عن زوار الفجر بتلك الأنظمة الكريهة المتشابهة كالرمال…!