أيام الزنزانة "السيلول رقم 3".. حُكمٌ بالموت البطيء
2026.08.20
مروان حبش
لم يكن ما صدر بحقنا حكماً بالسجن، بل حكماً بالموت المؤجل.
بعد انقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني عام 1970، رفضتْ قيادة الحزب الذي كنت أحد أعضائها أنْ تساوم على قناعاتها أو تدخل في شراكة مع السلطة الجديدة. لم تُوجَّه إلينا تهمة، ولم نقف أمام قاضٍ، ولم نُمنح حق الدفاع عن أنفسنا. كان القرار قد اتُّخذ سلفاً: أنْ نُغيَّب عن الحياة، وأنْ يُترك الزمن ليؤدي مهمة الجلاد.
كان بعضنا سيموت بالفعل، أما من بقي حياً فسيعيش زمناً أطول من العمر نفسه.
بعد منتصف ليلة الحادي والعشرين على الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1970، توقفت السيارة أمام بوابة سجن المزة العسكري.
ما إنْ انغلقت البوابة الحديدية خلفي حتى شعرت أنَّ العالم كله قد انغلق معها.
(ياظلام السجن خَيٍّم ..... "نحن لانخشى" الظلاما)
لم أكن أدخل سجناً، بل كنت أعبر الحدود الفاصلة بين عالمين؛ عالم يعرف الضوء والناس والسماء، وعالم لا يعرف إلا الجدران والرطوبة والصمت.
بعد فترة قادوني إلى الزنزانة الانفرادية... إلى "السيلول رقم 3".
لا لسبب، إلاَّ لكسر الإرادة.
ومنذ تلك اللحظة، صار الظلام عنوان أيامي، وصارت العتمة مملكتي الوحيدة.
هناك مات الزمن. وليس للزمن من معنى. وعليَّ أنْ لا أفكر بعذوبة ليلة صيف، أو بشفافية حلم.
لم أعد أعرف إنْ كنتُ شاباً أم شيخاً. لم يعد للعمر معنى، ولا للتقويم قيمة. الأيام لم تَعُدْ تتعاقب، بل كانت تتراكم فوق صدري كالصخور، حتى بدا لي أنَّ الزمن نفسه قد اعتُقل معي.
حاولت أنْ أنسى.
أدركت أنَّ الذاكرة قد تصبح نوعاً آخر من التعذيب، وأنَّ استحضار الوجوه والأصوات والبيوت والأحبة قد يحطم ما بقي من قدرة الإنسان على الاحتمال.
لكن الذاكرة كانت أكثر عناداً مني.
كلما حاولت دفنها، نهضت من جديد، تحمل إليّ وجوه من أحببت، وروائح البيوت، وضجيج الشوارع، ودفء الحياة التي تركتها وراء الباب الحديدي.
في الزنزانة الانفرادية يصبح الإنسان خصم نفسه.
يصغي إلى نبض قلبه حتى يحفظ إيقاعه.
ويحادث الصمت حتى يكاد يسمع جوابه.
ويخشى أنْ يفقد صوته لأنه لم يعد يسمعه أحد.
وكان الامتحان الأكبر أنْ أبقى إنساناً، لا مجرد جسد يتنفس.
لم يكن الجوع أقسى ما في السيلول، ولا البرد، ولا الرطوبة، ولا القذارة.
كان الانتظار...
ذلك الكائن الخفي الذي ينهش الأعصاب ببطء، دون أنْ يترك قطرة دم واحدة.
انتظار بلا موعد….
وبلا خبر.....
وبلا أمل محدد.....
انتظار يشبه الموت، لكنه لا يمنح راحته.
كان الدليل الوحيد على أنني ما زلت حياً هو صوت السجّان.
وصليل المفاتيح وهي ترتطم ببعضها في الممر الطويل.
كم هو غريب أنْ يتحول صوت السجان إلى البرهان الوحيد على استمرار الحياة.
أما الهواء النقي ....
فقد أصبح أمنية.
حفنة صغيرة من الهواء النقي كانت تكفي لتوقظ القلب من سباته، لكنها كانت أمنية بعيدة المنال.
وكان السجان "حافظ الأسد" يقول حاقداً وساخراً:
"هنا سيكون مستقرك الأبدي."
لم يكن الليل يحل في زنزانتي، لأنه لم يكن يغادرها أصلاً.
لا شمس...
لا قمر...
لا نجوم...
ولا حتى خيط ضوء يتسلل من شقٍّ بعيد.
كان الظلام كثيفاً إلى حد أنني صرت أتعرف إلى الجدران بيدي، كما يتعرف الكفيف إلى ملامح وجهٍ يعرفه منذ زمن.
كانت الزنزانة أصغر من قبر، لأن القبر يمنح ساكنه راحة النهاية، أما هنا فكان الموت مؤجلاً، والحياة هي العقوبة.
شاركني المكان نزلاء لم يختاروا السجن كما لم أختره أنا: النمل، والصراصير، والعناكب، والجرذان.
كانوا يسبقوني إلى ما وضع من طعام في الصحن البلاىستيكي "الأجرب"، وبحرموني من محتوياته.
ومع مرور الأيام، لم أعد أميز أيُّنا كان أكثر أسراً.
في زاوية الزنزانة ثقب صغير تنبعث منه رائحة الفضلات البشرية، وفوقه صنبور ماء بارد.
كانت الرائحة الكريهة تملأ المكان حتى تصبح جزءاً من الهواء نفسه.
وحين تعجز عن إغلاق أنفك، تتعلم أنْ تؤجل اشمئزازك إلى زمن آخر... زمن قد لا يأتي.
وفي "السيلول"، لم يكن لي سوى بطانيتين باليتين؛ واحدة أفرشها فوق المصطبة الإسمنتية المائلة والمقابلة للثقب، وأخرى ألف بها جسدي.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، يتعلم الإنسان كيف يقتصد حتى في أحلامه.
كم مرة تمنيت الموت...
لكنني لم أطلبْه استسلاماً.
كنت أريده أنْ يسبق الانكسار.
غير أنني كنت أرفض أنْ أساعد (سجاني) على الانتصار.
كنت أقول لنفسي إنَّ الهزيمة الحقيقية ليست أنْ يموت الإنسان، بل أنْ يتخلى عن مواقفه وكرامته وهو ما يزال حياً.
لذلك قاومت.
كل يوم.
وكل ساعة.
وكل لحظة.
في السيلول، تصبح الأشياء الصغيرة معجزات.
نسمة هواء...
شعاع ضوء...
كلمة طيبة...
ابتسامة...
صوت إنسان...
كلها تتحول إلى ثروة لا يملكها إلا الطلقاء.
كنت أخشى على عقلي أكثر مما أخشى على جسدي.
لذلك جعلت من الرياضة الجسدية اليومية نظام حياة، ومن التفكير المنظم سوراً يحمي الوعي من الانهيار.
كنت أؤمن أنَّ (السجان) يستطيع أن يقيد اليدين، لكنه يعجز عن تقييد العقل، إلا إذا استسلم صاحبه.
ولم أستسلم.
كنت أردد في أعماقي:
إنَّ الوطنية ليست شعاراً يُرفع في الساحات، بل موقف يُدفع ثمنه حين يصبح الثمن عمراً كاملاً.
ولهذا بقيت متمسكاً بما آمنت به.
لم أساوم.
ولم أبادل حريتي الداخلية بأي وعد يمكن أن يقدمه (السجان).
كان يستطيع أن يحتجز جسدي، لكنه لم يكن قادراً على احتلال موقفي الوطني وضميري.
وهكذا انقضت السنوات.
سنوات لم تكن تشبه الزمن.
كانت شيئاً آخر...
شيئاً لا يُقاس بالساعات ولا بالأيام والسنوات، بل بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يحمله من الألم دون أن يفقد إنسانيته.
لقد حُكم علينا بالموت البطيء.
فسقط بعض رفاقنا شهداء لهذا الموت الطويل.
أما الذين خرجوا، فلم يعودوا كما كانوا.
خرجوا يحملون في أرواحهم ظلام الزنازين، لكنهم حملوا معها أيضاً يقيناً لا تهزمه السجون:
أنَّ الحرية تبدأ في القلب، وأنَّ الوطنية والكرامة هي آخر ما يستطيع (السجّان) أنْ ينتزعه من الإنسان، إذا ظل الإنسان وفياً لما يؤمن به.