ذكرى المحاولة الانقلابية في 18 تموز 1963م بقيادة جاسم علوان
2026.07.19
علاء الدين تلجبيني
في – 18 تموز/يوليو 1963
عند الحادية عشرة صباحًا اشتعلت الاشتباكات في شوارع دمشق، حيث قاد الضابط الناصري جاسم علوان، على رأس قوة من الفدائيين الفلسطينيين وعناصر من الناصريين، وبدعم من القيادة المصرية وبتنسيق مع جهاز المخابرات المصرية، عمليةً عسكرية انطلاقًا من مدرسة الإشارة وسط دمشق، فهاجم دار الإذاعة في شارع النصر، ومبنى الأركان العامة، ومراكز القيادة في البرامكة خلف الجامعة السورية.
خرج رئيس الأركان العامة ووزير الداخلية أمين الحافظ، ورشاشه في يده، ليقود المواجهة ضد الحركة.
اندلعت معارك عنيفة أسفرت عن مقتل وجرح العشرات، وكان كثير منهم من الأبرياء الذين وقعوا بين نيران المشتبكين. وقدر السفير الأردني أكرم زعيتر في مذكراته عدد القتلى بنحو 170 شخصًا.
يقول السفير الأردني في دمشق أكرم زعيتر في مذكراته:
"عند الحادية عشرة والدقيقة العاشرة كنا في مكتب السفارة، سمعنا طلقات متتابعة، وتتابع إطلاق النار قريبًا جدًا من السفارة لأن مقر قيادة الأركان يقع وراءها. تجمع الموظفون في بهو السفارة، وانطلقت مدافع مضادة للدبابات، وحلقت الطائرات، وكانت بناية السفارة تهتز من عنف الرصاص والقنابل. فتحت محطة دمشق فإذا بها معطلة، ثم انطلق الراديو من محطة دمشق: (هنا إذاعة الجمهورية العربية السورية... بيان من مجلس القيادة الوطني للثورة يمنع التجول في جميع البلاد السورية اعتبارًا من الآن وحتى إشعار آخر، وكل من يخالف هذا الأمر يُقتل)... ثم سكتت الإذاعة."
ويضيف زعيتر:
"عند الساعة الواحدة ظهرًا أذاعت محطة لندن خبرًا مقتضبًا يشير إلى محاولة انقلابية، وإلى أن إذاعة بغداد أعلنت أنها قد سُحقت وأُحبطت."
تمكن جاسم علوان من الفرار قبل وصول دبابات القوات الموالية للبعث وعناصر الحرس القومي، ولجأ الفارون من عناصره إلى ضواحي دمشق وبساتين الغوطة، فتمت ملاحقتهم، وأُلقي القبض على عدد منهم.
ويقول أكرم زعيتر:
"عند الواحدة والنصف خف إطلاق النار دون أن ينقطع، ودوي القذائف يصم الآذان بين حين وآخر، ثم انطلقت إذاعة دمشق وأذاعت بيانًا باسم نائب الحاكم العرفي العام اللواء أمين الحافظ، يعلن فيه تخصيص مكافأة قدرها عشرة آلاف ليرة سورية لكل من يقبض أو يدل على جاسم علوان، ويوسف مزاحم (وزير الأوقاف في عهد الوحدة)، ومحمد الجراح (مدير الأمن العام في عهد السراج)، ورائف المعري، وينذر بإعدام كل من يؤويهم أو يسهل فرارهم... ثم سكتت الإذاعة."
كانت السلطات في دمشق على علم بالحركة نتيجة المعلومات التي سرّبها أحد المشاركين في الانقلاب النقيب محمد النبهان الذي كان ينقل أخبار تحركات الناصريين إلى القيادة في دمشق، مما مكّنها من إعداد كمائنها وإجهاض المحاولة قبل تحقيق أهدافها.
أتت هذه المحاولة الانقلابية بعد فشل الجهود في تحقيق الوحدة مع مصر و ماتبعها من سلسلة القرارات العسكرية التي بدأت في 27 نيسان/أبريل 1963، وقضت بتسريح ونقل أكثر من خمسين ضابطًا ناصريًا في الجيش السوري إلى وظائف دبلوماسية ومدنية.
تلا ذلك استقالة الوزراء الوحدويين، وفشل الحلفاء في التوصل إلى صيغة لحكومة جديدة تجمع الناصريين مع البعثيين، ثم انسحب الوحدويون من المجلس الوطني لقيادة الثورة، لتأتي بعدها قرارات تسريح الضباط الناصريين، إيذانًا بانتهاء مرحلة الشراكة المؤقتة بين الطرفين.
يقول عبد الهادي بكار:
"كانت حركة علوان تهدف إلى الضغط على النظام السوري لإعادة سوريا إلى صفتها السابقة كإقليم شمالي للجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر."
كان جاسم علوان على تنسيق كامل مع السلطات في مصر.
يورد رئيس المخابرات المصرية الأسبق صلاح نصر:
"كان التقييم الذي قدمه جاسم علوان إلى الرئيس عبد الناصر قبل محاولته الانقلابية يشير إلى أن احتمالات نجاح حركة مسلحة ضد البعث ضعيفة، وأن الأفضل المرور بفترة هدوء تساعد على تدعيم التنظيم الوحدوي والتأكد من سلامته، غير أن عبد الناصر كان يرى أن كل يوم يمر يعزز فيه البعث مركزه، ومن ثم فإن سرعة العمل ضده أمر واجب."
ويضيف نصر أن عبد الناصر حدد ساعة الصفر لتتزامن مع وصول الوفد السوري إلى القاهرة.
فبينما كانت الاشتباكات على أشدها، كان عبد الناصر يستقبل وفدًا من المجلس الوطني لقيادة الثورة برئاسة الفريق لؤي الأتاسي وعضوية سامي الجندي وفهد الشاعر ومحمد عمران. وكان الهدف من الزيارة إزالة الغموض الذي أحاط بالوحدة الثلاثية، على أمل أن يعيد الرئيس عبد الناصر النظر في موقفه، والتأكيد أن موقف سوريا لم يتبدل، وأنها ما زالت حريصة على ميثاق الوحدة الاتحادية الثلاثية.
وصل الوفد إلى الإسكندرية، حيث كان يقيم عبد الناصر، وعُزل عن وسائل الاتصال والإعلام وهو ينتظر اجتماعه بالرئيس. وبعد أن اطمأن عبد الناصر إلى أن الرصاص بدأ يدوي في دمشق، التقى أعضاء الوفد، وما إن بدأت المباحثات حتى دخل أحد موظفي الرئاسة، وسلمه ورقة صغيرة، فأطلع عليها ثم أبلغ الوفد بأن انقلابًا وقع في دمشق.
نال البعثيون دعمًا عراقيًا، عبر عنه القيادي البعثي علي صالح السعدي في برقية بعث بها إلى أمين الحافظ، استنكر فيها محاولة علوان الانقلابية.
أُلقي القبض على معظم المشاركين في الحركة، ثم اعتُقل جاسم علوان بعد أيام من المطاردة في اليوم التالي أصدر اللواء أمين الحافظ، بصفته نائبًا للحاكم العرفي العام، بيانًا بتشكيل المجلس العرفي برئاسة صلاح الضللي، وقال في بيانه:
"أعلن عن تأليف مجالس عرفية عسكرية باسم الجيش والشعب، وأحكامها فورية قطعية، تارة تبتر الأيدي، وتدق الأعناق."
و صدرت عدة بلاغات أهمها الأمر العرفي رقم 19 صادر عن اللواء امين الحافظ نائب الحاكم العرفي باعتبار الاشخاص التاليين هاربين من وجه العدالة :
منهم راشد قطيني و حسين القاضي ، اديب النحوي ، ادهم مصطفى ، ابو النور طيارة ، احمد اسماعيل ، عبد الوهاب حومد ، زهير عقاد واحمد اسماعيل وعبد الغفور المسوتي وجورج حبش وغيرهم و انذارهم بتسليم نفسهم خلال 48 ساعة .
- نداء الى الهاربين من اللواء اركان حرب امين الحافظ رئيس الاركان العامة للجيش والقوات المسلحة نائب الحاكم العرفي: جاسم علوان و منير بريخان بحجز الاموال ومصادرتها في حال عدم تسليم انفسهم خلال 48 ساعة اعتبارا من 21 تموز 1963 .
جرت المحاكمات بصورة علنية، وكان بين المتهمين أبرز الضباط الناصريين، منهم:
الفريق محمد الصوفي، وزير الدفاع بعد انقلاب آذار.
اللواء راشد القطيني، رئيس شعبة المخابرات العسكرية قبل انقلاب آذار، ثم نائب رئيس الأركان بعده.
اللواء نور الله حاج إبراهيم، قائد سلاح الطيران.
وصدر بحق عدد كبير من المتهمين حكم بالإعدام.
وفي اليوم التالي نُفذ حكم الإعدام رميًا بالرصاص في ستة من المشاركين، هم:
العقيد هشام شبيب، رئيس أركان سلاح الإشارة.
المساعد بحري كلش.
المساعد شحادة مسعود.
الرقيب سلطان محمد سلطان.
الرقيب جهاد الأطرش.
المساعد حسين غنيم.
أما جاسم علوان، فكان قد سُرح من الجيش بعد محاولته الانقلابية الأولى عام 1962، وصدر بحقه حكم بالإعدام، إلا أنه لم يُنفذ.
وفي 22 تموز ألقى عبد الناصر خطابًا قال فيه:
"إن الجمهورية العربية المتحدة لا تعتبر نفسها مرتبطة أو ملتزمة بأي اتفاق مع البعث"، واصفًا إياه بـ"الفاشيستي الدموي المتسلط".
وعلى إثر ما جرى، تقدم الفريق لؤي الأتاسي باستقالته من مجلس قيادة الثورة ورئاسة الدولة.
في عام 1965 أُفرج عن جاسم علوان بعد تدخلات قام بها كل من الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، والرئيس الجزائري أحمد بن بلة، والرئيس العراقي عبد السلام عارف، إضافة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، كما يؤكد عبد الهادي بكار في مذكراته.
تخلص البعثيون من أقوى شركائهم في السلطة، والعقبة الأبرز أمام طموحاتهم، فتمت تصفية التيار الناصري تمامًا من المشهد، وأصبحت البلاد، اعتبارًا من تموز 1963، تحت الحكم المباشر لحزب البعث، في محطة شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ سوريا الحديث.
المصادر:
البعث وثورة آذار – مروان حبش.
الصراع على الشرق الأوسط – باتريك سيل.
علي صالح السعدي – سيف الدين الدوري.
حوار الأيام – حبيب صادق.
صفحات مجهولة من تاريخ سورية الحديث – عبد الهادي بكار.
مذكرات أكرم زعيتر.
الصورة: محاكمة الضباط الناصريين بعد حركة 18 تموز 1963، ويظهر في الأول من اليمين اللواء راشد القطيني الفريق محمد الصوفي يليه العقيد جاسم علوان خلفهم بقية المتهمين. مصدر الصورة: مجلة آخر ساعة، العدد الصادر في 18 أيلول/سبتمبر 1963.