سقوط تل الزعتر في الذكرى الخمسين لسقوطه
2026.08.13
علاء الدين تلجبيني
12 آب/أغسطس 1976
سقوط مخيم تل الزعتر
في 12 آب/أغسطس 1976 سقط مخيم تل الزعتر الفلسطيني بعد حصار طويل وهجوم عسكري شنته ميليشيات اليمين المسيحي اللبناني ووحدات من الجيش اللبناني الموالية لها، في وقت كان فيه التدخل العسكري السوري في لبنان قد غيّر ميزان القوى في الحرب، بعد سلسلة من الهزائم التي تعرض لها اليمين اللبناني أمام قوات الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية.
دخلت قوات اليمين اللبناني المخيم بعد سقوطه، ووقعت أعمال قتل وانتهاكات واسعة بحق سكانه، شاركت فيها القوى التي هاجمت المخيم، ومنها ميليشيا «نمور الأحرار» بقيادة داني شمعون.
وكان سقوط تل الزعتر قد جاء بعد سقوط منطقة النبعة، التي كانت تضم مسيحيين ومسلمين، وكانت بدورها من الجيوب المحاصرة في المنطقة الشرقية. وبسقوطها ازدادت عزلة تل الزعتر، ليصبح سقوط المخيم لاحقًا واحدًا من أهم انتصارات اليمين اللبناني خلال ما عُرف بـ«حرب السنتين».
ما هو تل الزعتر؟
تأسس مخيم تل الزعتر سنة 1949، أي بعد النكبة بعام، على يد رابطة جمعيات الصليب الأحمر، وأقيم على أرض خاصة كانت قد استُخدمت معسكرًا للجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.
كانت المنطقة شبه خالية وينمو فيها الزعتر البري، ومن هنا جاءت تسمية «تل الزعتر». أما الأونروا فكانت تطلق عليه اسم «مخيم الدكوانة»، بينما استخدمت السلطات اللبنانية اسم «تل الزعتر» في وثائق السكان كمكان للإقامة أو الولادة.
عند إنشائه بلغت مساحته نحو 56,645 مترًا مربعًا، وسكنه 1,932 لاجئًا فلسطينيًا ممن هُجّروا سنة 1948، وخصوصًا من مناطق شمال فلسطين.
كان من بين سكانه عرب الرمل والعراقية من محيط حيفا، والغوارنة ومنهم سكان الخالصة وقرى سهل الحولة، وعرب الطوقين، إضافة إلى لاجئين من قرى علما وهونين ولزازة ومن مناطق حيفا وعكا وصفد.
ولم يتشكل المخيم بصورة عشوائية تمامًا، فقد تجمعت بعض أحيائه وفق القرية الأصلية أو العائلة والحمولة، فأعيد إنتاج جزء من البنية الاجتماعية الفلسطينية التي كانت قائمة قبل النكبة داخل المخيم الجديد.
من مخيم للاجئين إلى موقع فلسطيني مسلح
لم يكن تل الزعتر متصلًا جغرافيًا بالتجمعات والمخيمات الفلسطينية في بيروت الغربية، وإنما وجد نفسه مع مرور الوقت جيبًا فلسطينيًا كثيف السكان داخل منطقة من بيروت الشرقية وضواحيها أصبحت خاضعة بصورة متزايدة للقوى والأحزاب المسيحية.
وبين عامي 1949 و1968 لم تكن الفصائل الفلسطينية هي التي تسيطر أمنيًا على المخيم. كانت الأونروا تدير الخدمات، بينما كان المكتب الثاني في الجيش اللبناني والدرك اللبناني يحتفظان بمراكز داخله ويفرضان رقابة مشددة على النشاط السياسي وحركة السكان.
لكن مع تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني ووقوع مواجهات بين الجيش اللبناني والفدائيين، شهدت المخيمات تحركات ضد الوجود الأمني اللبناني. وفي تل الزعتر أُجبر عناصر المكتب الثاني والدرك على مغادرة المخيم.
ثم جاء اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1969 بين قائد الجيش اللبناني إميل البستاني وياسر عرفات.
نص الاتفاق بصورة صريحة على إنشاء لجان فلسطينية محلية داخل المخيمات، وعلى وجود نقاط للكفاح المسلح الفلسطيني داخلها تتولى تنظيم وجود السلاح، كما سمح للفلسطينيين بالمشاركة في الكفاح المسلح، مع تأكيده في الوقت نفسه استمرار السيادة اللبنانية وصلاحيات السلطات اللبنانية.
وهنا ظهر تناقض سيكبر خلال السنوات التالية: الاتفاق يؤكد سيادة الدولة اللبنانية، لكن السيطرة الفعلية داخل عدد من المخيمات انتقلت بدرجة كبيرة إلى التنظيمات الفلسطينية.
وخلال أوائل السبعينيات توسع نفوذ حركة فتح داخل تل الزعتر، ولم تكن وحدها؛ فقد أصبح في المخيم وجود لفتح والصاعقة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية–القيادة العامة وجبهة التحرير العربية.
وتعاظم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان خلال السبعينيات، وتوسعت فتح والفصائل الأخرى تنظيميًا وعسكريًا داخل تل الزعتر.
وتشير «الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية» إلى أن تل الزعتر أصبح قاعدة تنظيمية لفتح وكوادرها في بيروت الشرقية، بالتزامن مع ازدياد القدرات العسكرية للفصائل الموجودة فيه.
وهكذا، لم يعد تل الزعتر سنة 1975 مجرد تجمع سكاني للاجئين الفلسطينيين، وإن ظل المدنيون وعائلاتهم يشكلون الغالبية الكبرى من سكانه.
تصاعد التوتر مع المحيط المسيحي
بعد العملية الإسرائيلية في بيروت في نيسان/أبريل 1973، التي قُتل خلالها ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية، اندلعت في أيار مواجهات بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية، وتعرض تل الزعتر نفسه للقصف المدفعي من الجيش اللبناني.
دخل المخيم بالتالي سنة 1975 مختلفًا تمامًا عن المخيم الذي أُنشئ سنة 1949.
كان يقع وسط محيط ذي غالبية مسيحية، في الوقت الذي كانت فيه قوة الفصائل الفلسطينية داخله تتزايد، ومع تمدد المخيم واقترابه من المناطق السكنية المحيطة ازداد الاحتكاك اليومي.
وتذكر موسوعة القضية الفلسطينية أن صورة تل الزعتر لدى كثير من سكان المناطق المسيحية المحيطة أصبحت أقرب إلى صورة «معسكر» منها إلى مخيم للاجئين، وأن المرور بالقرب منه أصبح مصدر خوف وقلق لدى بعض السكان.
كما تكررت شكاوى سكان الدكوانة والمكلس من عمليات خطف وقتل وسرقة واعتداءات نسبوها إلى مسلحين فلسطينيين.
الحرب الأهلية
في 13 نيسان/أبريل 1975 وقعت حادثة حافلة عين الرمانة، التي أصبحت الشرارة الأشهر للحرب الأهلية اللبنانية.
كانت الحافلة تقل فلسطينيين ولبنانيين في طريق عودتهم إلى تل الزعتر بعد حضور نشاط للجبهة الشعبية–القيادة العامة في بيروت الغربية، عندما تعرضت لإطلاق النار في عين الرمانة، ما أدى إلى مقتل 26 من ركابها.
ومن تلك اللحظة أصبح المخيم في وضع بالغ الخطورة: مخيم فلسطيني كبير توجد فيه عدة تنظيمات مسلحة، يقع داخل منطقة تتجه سريعًا نحو سيطرة القوى المسيحية المسلحة، بينما تقع خطوط الاتصال الرئيسية للفصائل الفلسطينية إلى الغرب.
ومع اتساع الحرب دخلت بيروت وضواحيها تدريجيًا في عملية تقسيم جغرافي وعسكري وطائفي.
وفي الشرق والشمال الشرقي من بيروت كانت هناك مجموعة من الجيوب الفلسطينية أو ذات الغالبية المسلمة داخل مناطق يزداد فيها نفوذ الميليشيات المسيحية: تل الزعتر، جسر الباشا، النبعة، الكرنتينا والمسلخ.
حصار تل الزعتر
في 4–5 كانون الثاني/يناير 1976 بدأت الميليشيات المسيحية تضييق الحصار على تل الزعتر وجسر الباشا، ومنعت شاحنات الإمداد من الوصول إليهما، ثم امتد الحصار إلى الماء والكهرباء والإمدادات الطبية.
لكن الهجوم العسكري الشامل على تل الزعتر بدأ في 22 حزيران/يونيو 1976، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع من دخول القوات السورية إلى لبنان على نطاق واسع.
وهنا كان التدخل السوري عاملًا مهمًا في تغيير ميزان القوى.
فقد كانت الميليشيات المسيحية تواجه قبل ذلك مشكلة استراتيجية: إذا ركزت قوات كبيرة على تل الزعتر، كان بإمكان منظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية الضغط عليها في جبهات أخرى.
لكن دخول الجيش السوري في مواجهة مع الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية خفف الضغط العسكري عن اليمين اللبناني، ووفّر له فرصة للتركيز على الجيوب المتبقية في المنطقة الشرقية، وفي مقدمتها تل الزعتر.
الدور السوري في معركة تل الزعتر
تبقى هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في تاريخ المعركة.
يشير محمد داوود العلي في كتابه «مخيم تل الزعتر: وقائع المجزرة المنسية» إلى أن القيادة الفلسطينية اتهمت دمشق آنذاك بتوفير غطاء سياسي للكتائب والقوى المسيحية في هجومها على تل الزعتر، كما ظهرت روايات تحدثت عن وجود ضباط سوريين كبار في غرفة عمليات الميليشيات المسيحية، إضافة إلى التعاون العسكري السوري–المسيحي على جبهات أخرى.
غير أن الهجوم الأخير على المخيم كان ثمرة خطة أعدها المقدم ميشال عون، ونفذتها ميليشيات اليمين المسيحي أهمها:
نمور الأحرار التابعة لحزب الوطنيين الأحرار، بقيادة داني شمعون ميدانيًا.
الكتائب اللبنانية؛ دخلت المعركة بقيادة وليم حاوي، ثم برز بشير الجميّل بعد مقتل حاوي أثناء المعركة.
حراس الأرز بقيادة إتيان صقر.
التنظيم، ومن قياداته العسكرية فوزي محفوظ.
حركة الشبيبة اللبنانية.
وحدات من الجيش اللبناني المنقسم، ولا سيما ضباط وجنود مرتبطين بما عُرف بـ«جيش لبنان»
أما مشاركة وحدات الجيش السوري مباشرة في قصف واقتحام تل الزعتر، فتبقى مسألة غير مثبتة بصورة قاطعة.
ويقول محمد داوود العلي:
«بقيت فرضية مشاركة الوحدات السورية في الأعمال العسكرية المباشرة ضد المخيم - مثلما كانت قبله - غير قابلة للتصديق بسبب غياب الأدلة الدامغة عليها، علماً أن حدة الصراع بين القوات السورية والقوات المشتركة وقتئذ لم تعط مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى حصانة من القصف السوري».
فقد تعرض مخيم شاتيلا ومحيط صبرا للقصف المدفعي والصاروخي السوري في 14 حزيران/يونيو 1976، كما تعرض مخيما عين الحلوة والمية ومية لقصف مماثل في 29 من الشهر نفسه.
أما تل الزعتر، فقد ظهرت روايات عن مشاركة وحدات سورية في قصفه خلال الأيام الأولى للهجوم، لكن الكاتب يشير إلى عدم وجود أدلة دامغة تثبتها.
وفي المقابل، تظهر شهادات لشخصيات من اليمين اللبناني تتحدث عن دور سوري غير مباشر في إضعاف المخيم من الداخل.
وينقل عن القائد الكتائبي سامي الخويري قوله عن المساعدة السورية:
«ساعدنا السوريون في تفكيك شبكات الفلسطينيين من الداخل».
كما يتحدث سجعان قزي عن دور لعبته قوات الصاعقة، وهي تنظيم فلسطيني كان مرتبطًا بسورية، داخل المخيم بما ساهم في تسهيل إسقاطه.
هنا ينبغي التمييز بين أمرين: الدور السوري في تغيير ميزان القوى وتقديم المساعدة أو الغطاء للقوى التي كانت تقاتل الفلسطينيين، وبين الادعاء بمشاركة الجيش السوري مباشرة في اقتحام تل الزعتر، وهي مسألة لا تتوافر عليها أدلة حاسمة.
52 يومًا
استمر الهجوم على تل الزعتر 52 يومًا.
تعرض المخيم خلالها لقصف كثيف، وقُطعت عنه المياه والكهرباء والإمدادات الغذائية والطبية، بينما خاض المقاتلون الفلسطينيون وحلفاؤهم داخل المخيم مقاومة ضارية أمام القوات المهاجمة.
ومع استمرار الحصار أصبحت الأوضاع الإنسانية كارثية، وتدخلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من مرة لإجلاء الجرحى والمدنيين.
وبحلول أواخر تموز سقطت النبعة، ما أدى إلى زيادة عزلة تل الزعتر وجعل إمكانية إنقاذه عسكريًا أكثر صعوبة.
وفي 11 آب/أغسطس توصلت المفاوضات والوساطات إلى ترتيبات لخروج سكان المخيم تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي.
وفي اليوم التالي، 12 آب/أغسطس 1976، سقط تل الزعتر.
بدأ المدنيون والمقاتلون بالخروج من المخيم، لكن عملية الإجلاء تحولت إلى واحدة من أكثر صفحات الحرب الأهلية اللبنانية دموية، إذ تعرض الخارجون لأعمال قتل وخطف وانتهاكات واسعة على أيدي عناصر من القوات التي كانت تحاصر المخيم.
وبعد أسابيع من المقاومة، انتهى وجود تل الزعتر كمخيم فلسطيني، ودُمرت أجزاء واسعة منه، ولم يسمح لسكانه بالعودة إليه.
ما بعد تل الزعتر
لم يكن سقوط المخيم حدثًا فلسطينيًا–لبنانيًا معزولًا، بل وقع في ذروة الصدام بين دمشق من جهة، ومنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى.
أثار التدخل السوري في لبنان، وقتال القوات السورية للفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية، غضبًا عربيًا وفلسطينيًا واسعًا، وتبادلت دمشق والقاهرة وبغداد ومنظمة التحرير اتهامات شديدة، بينما شن كمال جنبلاط هجومًا سياسيًا قاسيًا على حافظ الأسد والنظام السوري.
أما تل الزعتر نفسه فأصبح أحد أبرز رموز تلك المرحلة: مخيم بدأ سنة 1949 مأوى لنحو ألفي لاجئ هُجّروا من فلسطين، ثم تحول خلال ربع قرن إلى تجمع سكاني كبير وقاعدة للفصائل الفلسطينية في قلب بيروت الشرقية، قبل أن يجد نفسه مع اندلاع الحرب الأهلية محاصرًا داخل منطقة معادية جغرافيًا وعسكريًا.
كان سقوطه في 12 آب/أغسطس 1976 نتيجة سلسلة طويلة من التحولات بدأت قبل الحرب بسنوات: ضعف سلطة الدولة اللبنانية داخل المخيمات، وصعود العمل الفدائي الفلسطيني، واتفاق القاهرة، والتوتر المتزايد بين الفلسطينيين ومحيطهم المسيحي، ثم انفجار الحرب الأهلية وتقسيم بيروت، وأخيرًا التدخل السوري الذي قلب ميزان القوى في صيف 1976.
لذلك لم تكن مأساة تل الزعتر قصة طرف واحد، ولا حادثة بدأت في 22 حزيران وانتهت في 12 آب؛ بل كانت واحدة من أكثر اللحظات التي اجتمعت فيها تناقضات الحرب اللبنانية والفلسطينية والتدخل السوري في مكان واحد.
المصادر:
محمد داوود العلي، مخيم تل الزعتر: وقائع المجزرة المنسية.
فهد حجازي، لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف.
سعد الدين إبراهيم، الملل والنحل والأعراق: هموم الأقليات في العالم العربي، الجزء الثاني.
باتريك سيل، الصراع على الشرق الأوسط.
الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية