كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العلويون والسلاح

لؤي أحمد سلمان

مقدمة:
شاءت أقدارنا أن نعيش في منطقة لم تعرف أي من أشكال الاستقرار الذي تتمتع به الدول والشعوب الأخرى. فمنذ انهيار السلطنة ونحن عالقون بين الانتدابات والانقلابات والاحتلالات، ثم أتت الديكتاتوريات التي منحتنا استقراراً آسناً نمت بين طحالبه كل أنواع العفن والجذام الاجتماعي والنفسي والفكري، وفي نهاية الأمر رمتنا هذه الديكتاتوريات بين أقدام الغزاة أو في أتون حروب دامية.
جاءت الحالة السورية شديدة التعقيد، والأكثر دمويةً و توحشاً. فبعد أن حكم حافظ الأسد ونغله لخمسة عقود ونصف، بقوة السلاح والبطش المفرط، كانت النتيجة الحتمية هي تفتت مكونات المجتمع وتحللها وعودتها إلى توحّش ماقبل العشيرة.
١- السلاح:
من المعروف أن السلاح ليس مجرد وسيلة للقتال، بل عنصراً استراتيجياً يحدد موازين القوى ويؤثر في بناء الدولة والنظام السياسي بعد الحروب. كما يوضح أن احتكار الدولة للسلاح هو أساس قوتها في فرض سيادة القانون والمساواة والاستقرار، بينما يؤدي انتشار السلاح خارج سلطتها إلى إطالة أمد النزاعات، وارتفاع كلفة التسويات السلمية، واستمرار العنف، وجذب قوى إقليمية ودولية. لذلك، فإن دراسة دور السلاح في النزاعات تعد مدخلاً أساسياً لفهم أسباب استمرار الصراعات وتقييم فرص بناء السلام، وفهم ضرورة احتكار الدولة لاستخدام القوة بوصفه أحد أهم شروط الاستقرار السياسي وإعادة بناء المؤسسات".
٢- الأقليات:
لا يمكن ضمان مستقبل الأقليات في الدول الخارجة من الحروب الأهلية دون حصر السلاح بيد الدولة، لأن احتكار القوة هو أساس سيادة القانون والمساواة بين المواطنين. أما انتشار السلاح بين الجماعات المسلحة، فيجعل الأمن والحقوق مرتبطين بالقوة العسكرية لا بالمؤسسات، ويزيد من صعوبة تحقيق التسويات السلمية، مما يطيل أمد العنف ويؤدي إلى نشوء اقتصاد قائم على الحرب.
وتُعدّ الحالة السورية مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فمنذ اندلاع الحرب عام 2011، لم يكن السلاح مجرد أداة لإدارة العمليات العسكرية، بل أصبح العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد. وقد أدى تعدد الفاعلين المسلحين، وتباين مصادر تسليحهم، والتدخلات الإقليمية والدولية، إلى تفكيك احتكار الدولة للقوة، وإنتاج بيئة أمنية قائمة على توازنات السلاح أكثر من قيامها على سلطة المؤسسات. ونتيجة لذلك، ارتبطت قدرة المجتمعات المحلية على البقاء أو النزوح أو الدفاع عن نفسها بدرجة كبيرة بامتلاك القوة المسلحة أو بالاحتماء بقوة تمتلكها.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الطائفة العلوية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. فقد ارتبطت هذه الطائفة، سواء عن حق أو بصورة نمطية، بمؤسسات القوة في الدولة خلال العقود الماضية، الأمر الذي جعلها تواجه تحديات أمنية وسياسية واجتماعية استثنائية في مرحلة الانتقال. ومع انهيار البنية العسكرية التي وفرت لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شعوراً بالحماية، برز سؤال جوهري حول الضمانات التي يمكن أن تكفل أمن أفرادها في ظل واقع يتسم بانتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، واستمرار الفاعلين المسلحين خارج وداخل إطار السلطة المركزية، وبشكل أصح وجود فاعلين مسلحين في سلطة انتقامية دون وجود أي مركزية في هيكلة السلطة الحالية.
٣- مقارنات:
وانطلاقاً من ماسبق، نحاول في هذا الفصل مقاربة العلاقة بين السلاح والأمن المجتمعي في مرحلة ما بعد النزاع، وتحليل أثر اختلال موازين القوة على أوضاع الطائفة العلوية، في ضوء تجارب الانتقال السياسي في دول أخرى، وبهدف استشراف الشروط اللازمة لبناء دولة سورية قادرة على توفير الأمن والعدالة لجميع مواطنيها، بعيداً عن منطق الهيمنة المسلحة أو الخوف المتبادل بين مكونات المجتمع.
دعونا نستعرض باختصار الفروق والتباينات بين تسليم السلاح أم الاحتفاظ به:
هناك من يرى أن تسليم السلاح كان مفيداً للعلويين ولأصحاب هذا الرأي أبين باختصار نتيجة البحث والمقارنة مستدلا بتجارب ثلاثة حروب أهلية في المنطقة (لبنان- العراق-البوسنة والهرسك):
* استمرار انتشار السلاح داخل البيئة العلوية كان قد يدفع إلى حرب أهلية دموية طويلة أو إلى صدامات انتقامية واسعة.
* تسليم السلاح خفّف احتمال تحويل الساحل السوري إلى ساحة مواجهة مفتوحة تشبه نماذج حروب أهلية أخرى.
* وجود جماعات علوية مسلحة، كان قد يمنح مبرراً لاستهداف جماعي للعلويين بوصفهم “تمرداً منظماً”.
* بعض العلويين كانوا مرهقين أصلاً من سنوات الحرب والعسكرة، ورأوا أن الخروج من منطق السلاح ضرورة للبقاء.
وفق هذا التصور، فإن الإبتعاد عن العسكرة ربما ساعد على تجنب سيناريو أكثر دموية على المدى القصير.
وهناك من يرى أن ترك السلاح كان خطأً أو مخاطرة كبيرة:
* تسليم السلاح جرى بسرعة ومن دون ضمانات سياسية أو أمنية واضحة. (هنا حصراً تقع المسؤولية الأولى والأخيرة على بشار الأسد حصراً بالتضامن والتكافل معه والده الذي أورثه).
* بعض المناطق العلوية شعرت لاحقاً بأنها مكشوفة أمنياً، خصوصاً مع انتشار حوادث خطف أو انتهاكات أو عمليات ثأر محلية.
* غياب قوة محلية منظمة جعل القدرة على الردع أو حماية القرى محدودة.
* الانتقال السياسي لم يترافق بتاتاً مع بناء ثقة حقيقية بين المكونات السورية.
هذا التيار لا يتحدث دائماً عن “عودة للحرب”، بل عن الحاجة إلى ضمانات قانونية ومؤسسات أمنية محايدة قبل التخلي الكامل عن أدوات الحماية.
٤- الحالة السورية:
في الحالة السورية تبدو المشكلة الأساسية ليست محصورة في السلاح بحد ذاته، بل في الإجابة على التساؤلات التالية:
* هل توجد دولة قادرة على حماية الجميع بالتساوي؟
* هل توجد عدالة انتقالية حقيقية؟
* هل هناك خطاب سياسي يميز بين النظام السابق والطائفة العلوية كجماعة اجتماعية؟
لأن أي مجتمع يشعر بالخوف الوجودي يميل عادةً للبحث عن وسائل حماية، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اجتماعية.
تاريخياً في كثير من التجارب بعد الحروب الأهلية، مثل:
الحرب اللبنانية، والعراق بعد ٢٠٠٣ وحرب البوسنة والهرسك، لم يكن السلاح وحده هو العامل الحاسم في حماية الجماعات، بل شكل الدولة الجديدة، والعدالة، والتسويات السياسية، ومدى منع الانتقام الجماعي.
٥- الخلاصة:
لذلك، يمكن القول كخلاصة نهائية والتي أميل إلى الاعتقاد بصحتها ولأسباب عديدة لامجال لذكرها الآن تجنباً للإطالة:
إن تسليم السلاح قد يكون خفّف خطر المواجهة الشاملة،لكنه لا يكفي وحده لضمان الأمان أو الاستقرار إذا لم ترافقه تسوية سياسية ومؤسسات عادلة يشعر الجميع بالثقة تجاهها.
مركز أرواد السوري للبحوث السياسية والاجتماعية
٢٠٢٦/٧/٧ أوهايو- الولايات المتحدة الأمريكية