صلاح جديد.. في ذكرى وفاته
2026.08.20
علاء الدين تلجبيني
قبل أن يتوفى داخل السجن بحوالي 12 يوماً، كتب صلاح جديد بخط يده كلمات مؤثرة لابنته وفاء على صفحة رواية لدوستويفسكي عنوانها «مذلون مهانون»، جاء في مقدمتها:
«إلى أحب الناس إليّ… وأعز ما في الوجود… إلى ابنتي الحبيبة وفاء… ذكرى آلام وأيام صعبة نمر بها… لعلنا نجد ترجيعها وأصداءها في هذه الرواية. وكلي أمل أن يكون في وسعنا مستقبلاً ترديد ما جاء في نهايتها:
فانيا، فانيا، كان هذا كله حلماً، أليس كذلك؟
ما الذي كان حلماً؟
كل شيء، كل شيء، كل شيء حدث هذه السنة يا فانيا، لماذا –أنا– هدمت سعادتك؟ وقرأت في عينيها: «كان يمكن أن نسعد معاً إلى الأبد»».
متل اليوم بـ 19 آب 1993
توفي في سجن المزة العسكري بدمشق اللواء صلاح جديد، أحد أهم أعمدة الحكم في سوريا في الفترة ما بين 1966 و1970.
كان جديد قد نُقل إلى مستشفى المزة العسكري ليلة 18 آب بعد تعرضه لوعكة صحية، سرعان ما أُعلنت وفاته بعد ساعات.
أفاد التقرير الطبي أن سبب الوفاة هو: «وهط دوراني أدى إلى قصور كلوي، وهذا أدى إلى إنتان في الدم».
شككت العائلة بقضية وفاته، وذكروا، حسب موقع روسيا العربية، أن صحته جيدة باستثناء آلام في المفاصل، وكان يطلب زيارة الأطباء للعلاج. لكن تبين فيما بعد أنهم حقنوه بإبرة تستهدف الأعضاء الحيوية في الجسم، ونُقل بسرعة إلى المستشفى حيث توفي مسموماً.
شُيّع صلاح جديد في قريته دوير بعبدا في ريف اللاذقية، وطوت وفاته سيرة الرجل العسكري والحزبي الذي رسخ الأسس الصلبة لسلطة البعث في سوريا حتى نهاية النظام.
ولد جديد عام 1926 في قرية دوير بعبدا، إحدى قرى بلدة جبلة الساحلية، وينتمي إلى أسرة متوسطة من عشيرة الحدادين التي هي أكبر وأهم العشائر العلوية. نشأ صلاح سياسياً في مناخ مناصر للحزب السوري القومي الاجتماعي في القرية والعائلة، إلى جانب شقيقه الأكبر غسان الذي كان يشغل منصب قائد الكلية العسكرية في حمص، ولاحقاً رئيس التنظيم العسكري في الحزب السوري القومي الاجتماعي المتهم باغتيال العقيد عدنان المالكي.
في مدرسة اللاييك الفرنسية في طرطوس تغيرت ميول صلاح جديد بعد التأثر الذي اجتاح الطلاب في تلك الفترة بأفكار زكي الأرسوزي وطروحات وهيب غانم.
التحق بالكلية الحربية في حمص عام 1949، وتخرج عام 1951 برتبة ملازم، اختصاص مدفعية ميدان. انضم إلى الكتلة الحزبية التي كانت متواجدة في الجيش آنذاك بقيادة مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت وغيرهما... وقد أمضى خدمته العسكرية «قبل نقله إلى مصر بعد قيام الوحدة» متنقلاً بين معسكرات قطنا والقطيفة والقنيطرة، وقد ساهم في هذه الفترة بأهم حدثين سياسيين في الجيش هما: الانقلاب ضد أديب الشيشكلي عام 1954 وعصيان قطنا عام 1957 دعماً للضباط الوطنيين التقدميين في قيادة الجيش.
«كان الوزير سامي الجندي قد ذكر بأن جديد لم ينتسب للحزب ولم يقسم يمينه، وهو يعترف بأن جديد شارك في أواخر الأربعينيات، وهو طالب مدرسة ثانوية، في حلقات الحزب لفترة قصيرة بوصفه نصيراً فحسب، غير أن أكرم الحوراني كان قد ذكر بأنه عرف جديد حين كان ضابطاً صغيراً».
نُقل بعد قيام الوحدة للعمل في الجيش الثاني في الإقليم الجنوبي «مصر»، وكان برتبة رائد، وعُين قائداً لكتيبة مدفعية ميدان تابعة للفرقة الثانية مشاة المتمركزة على القناة «فايد» في مدينة الإسماعيلية وحتى مدينة السويس، ثم قيادة مدفعية اللواء الرابع، وبعد ذلك نُقل إلى مدرسة المدفعية لتدريب ضباط قادة اختصاص مدفعية ميدان.
في مصر انضم إلى تنظيم سري في الجيش عُرف باسم اللجنة العسكرية التي تشكلت من عدد من الضباط السوريين في مصر سنة 1960، وضمت حسب الأستاذ مروان حبش كلاً من: (محمد عمران، صلاح جديد، عبد الكريم الجندي، حافظ الأسد، منير الجيرودي، أحمد المير محمود، عثمان كنعان).
عندما حدث الانفصال في 28 أيلول 1961 كان موجوداً في مصر، حيث كان يقيم في شارع محمد شفيق، ولم يُسجن يوماً واحداً على الإطلاق كما ورد سابقاً، وعاد جديد إلى سورية.
عند قيام انقلاب الثامن من آذار، كان صلاح جديد من الضباط الذين شملهم التسريح في نهاية عهد الوحدة مع مصر، غير أنه لم يتوقف عن ممارسة نشاطه الحزبي رفقة زملائه من ضباط الجيش في اللجنة العسكرية، والذين كان لهم دور في التخطيط لانقلاب آذار، والذي أعيد بموجبه أعضاء اللجنة العسكرية المسرحين إلى صفوف الجيش، وعُهد إلى جديد بوظيفة معاون مدير إدارة شؤون الضباط. وتمت إعادته إلى مرتبة مقدم إسوة بأبناء دورته وبقرار من مجلس قيادة الثورة حينها، وعُين نائباً لمدير إدارة شؤون الضباط التي كان مديرها اللواء غسان حداد.
يقول باتريك سيل في وصف صلاح جديد: «أما صلاح جديد، الأنيق، ذو الشعر الفاحم، فكان شخصية مناقضة لمحمد عمران. كان يابساً، صموتاً، دقيقاً، وكانت له سمة الضابط البروسي. كان يفضل الاستماع أكثر من التكلم، ولذلك كان يجعل الآخرين يحسون وكأنه يحصي عليهم كلماتهم ليستعملها ضدهم ذات يوم. كان ذكياً، ذا مبادئ، وله آراء واضحة يسارية، وحين احتدم الصراع على السلطة قُدّر له أن يكون منافس الأسد الرئيسي».
في 12/11/1963 صدر المرسوم 255 القاضي بترفيع صلاح جديد من رتبة مقدم إلى رتبة لواء، وتسميته رئيساً للأركان العامة في الجيش، إلى جانب عضويته في القيادة القطرية للبعث.
«إن صعود نجم صلاح جديد في الحزب مطلع الستينات دفع الكثير من أبناء عشيرة الحدادين في منطقة جبلة، ممن كانوا سابقاً قد اتجهوا نحو الحزب السوري القومي الاجتماعي، غيروا اتجاههم بحدة نحو حزب البعث، كما يذكر الباحث حنا بطاطو في كتابه فلاحو سوريا وأبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً».
في نهاية عام 1965 اشتعل الخلاف بين رئيس الدولة والأمين القطري أمين الحافظ ورئيس الأركان والأمين القطري المساعد صلاح جديد، وانقسم الحزب إلى يمين يمثله الحافظ، إضافة للقيادة التقليدية للحزب، ويسار يمثله عسكريو الحزب، إضافة لبعض السياسيين في الحزب.
يقول مروان حبش: «إن وجهتي نظر كل من الرفيقين (الحافظ، جديد) اللتين طرحتا في المؤتمر القطري تتلخصان في أن الفريق أمين الحافظ كان يتهم اللواء جديد بالتكتل الطائفي، وكان الفريق في اجتماع للتنظيم الحزبي العسكري عقد في منطقة المزة قال: (لن نسمح لأقلية بالسيطرة على البلد وسنغير ذلك بالقوة)، أما اللواء صلاح جديد فكان يرى أن الفريق أمين الحافظ (رئيس مجلس الرئاسة وقائد الجيش بدأ ينهج الفردية في قيادة الحكم، ويدير الدولة بعقلية عشائرية وبأسلوب كيفي)».
مع تصاعد الخلافات، قرر جديد مع رفاقه من الضباط عزل أمين الحافظ عن الرئاسة عبر انقلاب دموي كان الأعنف في تاريخ سوريا، وكان ذلك في 23 شباط 1966، ذكرى قيام الوحدة مع مصر.
يقول إبراهيم سلامة في كتابه «البعث من المدارس إلى الثكنات»: «كانت حركة شباط مفترقاً تاريخياً حاسماً في تاريخ البعث، إذ إنها وللمرة الأولى في تاريخ الأحزاب والمنظمات يقوم انقلاب عسكري ليس ضد طبقة حاكمة أو حزب حاكم، بل مجموعة حزبية حاكمة ضد مؤسسة الحزب وقائده طوال ثلاثين عاماً، فسيطر ((القطريون)) على مقاليد السلطة في داخل سوريا».
أصبح صلاح جديد الرجل الأول في سوريا، وبصفته أميناً عاماً قطرياً مساعداً للحزب كانت الفرصة المؤاتية ليمضي في تطبيق أفكاره اليسارية المتشددة، فخفض من رواتب كبار موظفي الدولة وحول الدولة إلى دولة العمال والفلاحين وصغار الكسبة، فنال بذلك سخط طبقة شيوخ العشائر والعائلات الصناعية والتجارية التقليدية.
يقول منيف الرزاز في كتابه «التجربة المرة»: «لقد كان اللواء صلاح جديد، بعد أن متّن قواعده في الجيش، أذكى من أن يطرح السلاح الطائفي، بل كان يستفيد من الطرح (السني) المعاكس ليثبت أنه أصدق حزبية وقومية من الذين يطرحون هذا الشعار، ومع ذلك فلست أدري أيهما أكبر جريمة: الذي يصنع الطائفية أم الذي يكشفها».
في عام 1968، بعد صراع آخر داخل أجهزة الدولة بين الأمين القطري صلاح جديد ووزير الدفاع حافظ الأسد، خصوصاً بعد هزيمة حزيران، تصاعد الخلاف بين الرجلين، وعمل الأسد، مستفيداً من مركزه العسكري، على تصفية كل الموالين لصلاح جديد في الحزب والجيش وقلع جميع أظافره داخل السلطة، قبل أن ينهيه بالضربة القاضية باعتقال صلاح جديد نفسه وإيداعه سجن المزة بعد انتهاء المؤتمر القومي الاستثنائي في الثاني عشر من تشرين الثاني 1970 حتى وفاته.
كان يمكن لصلاح جديد أن يهرب إلى موسكو نتيجة عرض تلقاه من السفير السوفييتي، لكنه آثر البقاء وتحمل ثمن مواقفه، وهنا يبدو الفرق شاسعاً بين من تربى في قلب العواصف والمؤامرات والرياح السياسية المتقلبة، وبين من قُدمت له السلطة على طبق من ذهب فغادرها هارباً حين انتهت المنافع!!