كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن عودة جاسم علوان إلى دمشق بعد أكثر من أربعين عامًا قضاها منفيًا

علاء الدين تلجبيني

  في 19 نيسان/أبريل 2005
عاد جاسم علوان إلى دمشق بعد أكثر من أربعين عامًا قضاها منفيًا في القاهرة.
تم استقبال علوان، القادم من الإمارات العربية المتحدة، استقبالًا رسميًا، حيث تولّى ضابط من القصر الجمهوري استقباله، وتم حجز إقامته في أحد أكبر الفنادق السورية.
كان شقيق علوان قد تقدّم بطلب إلى الجهات السورية المختصة للسماح له بالعودة إلى وطنه، لأنه "يريد أن يُدفن في أرض بلده". كما لعب العماد الأول مصطفى طلاس دورًا في السعي لعودته، حيث كان يحظى باحترامه وتقديره، إذ كان علوان قائد دورة طلاس في الكلية الحربية عام 1952.
وُلد جاسم علوان في دير الزور عام 1926، وينتمي إلى عشيرة اللهيب. انتسب إلى المدرسة الحربية عام 1944، وتخرّج منها عام 1946. تأثر بالأفكار العروبية للدكتور البعثي محمد علي الساعي في مدينة دير الزور. وكان من دفعة أمين الحافظ، ومن الأوائل في امتحان الدخول، وكذلك الأول في دورة التدريب في الحربية.
عُيّن عام 1950 مرافقًا عسكريًا للرئيس هاشم الأتاسي، كما يذكر عبد الهادي البكار في كتابه صفحات مجهولة من تاريخ سوريا، ثم انتقل للتدريب في المدرسة الحربية في عهد الشيشكلي.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1952، شاءت الأقدار أن يجتمع في فناء الكلية الحربية في حمص عدد من الأسماء التي ستلعب لاحقًا أدوارًا مفصلية في التاريخ السوري الحديث : الطلاب المستجدون حافظ الأسد ومصطفى طلاس، مع النقيب جاسم علوان (آمر دورة الصف)، وزياد الحريري (آمر الصف المتقدم)، إضافة إلى الملازم أول عبد الكريم النحلاوي ومهيب الهندي كمدرّبي الصف المتقدم، وعبد الغني دهمان مدرّب سلاح المدرعات.
في مقابلة له عام 2005 مع الإعلامي سامي كليب، سُئل علوان:
"هل كانت شخصية الرئيس حافظ الأسد مميزة عن الضباط الآخرين آنذاك؟"
فأجاب:
"لا... لا، ما كانت... أنا بمعرفتي لا، وأكثر من هذا ما أريد أن أحكي في هذا الموضوع."
عُيّن علوان خلال فترة الوحدة قائدًا للواء 72 المتمركز في قطنا، وامتلك علاقات وثيقة مع الضباط المصريين، وتمتع بامتيازات خاصة نظرًا لميوله الوحدوية. وقبل الانفصال، طُرح اقتراح بترفيعه إلى رتبة عميد وتسليمه قيادة الجيش، وتضمن الاقتراح الذي تم التراجع عنه تسريح نحو 40 ضابطًا أقدم منه، خلفًا لجمال فيصل، إلا أنه جرى لاحقًا الإبقاء على فيصل وتشكيل قيادة جديدة للجيش، كان علوان أحد أعضائها رئيسًا لشعبة العمليات.
بعد الانفصال، أُحيل إلى المعاش، وتمكّن من تشكيل تكتل من الضباط المنقولين إلى الوزارات. ومع انقلاب النحلاوي، استغل حالة الفوضى، وتحرك مع ضباط بعثيين من حمص نحو حلب، حيث كان قد بدأ تمرد بقيادة أربعة ضباط مسرّحين يطالبون بعودة الوحدة مع مصر.
تمكنوا من السيطرة على مقر قيادة المنطقة، وسيطر علوان مع رفافه على الإذاعة وبث البيانات باسم "حركة الضباط الأحرار"، وسُمّيت إذاعة حلب بـ"إذاعة الجمهورية العربية المتحدة"، كما تمت السيطرة على مطار النيرب، ورُفع علم الوحدة فوق قلعة حلب.
أعلن علوان أن سوريا أصبحت مجددًا الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة، ووجّه نداءً إلى السفير المصري في بيروت طالبًا دعمًا عسكريًا عاجلًا.
لكن الحركة فشلت، وأُلقي القبض عليه، وحُكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، قبل أن يُطلق سراحه بعد انقلاب آذار.
في 18 تموز/يوليو 1963، اصطدم الناصريون بالبعثيين، وقاد علوان محاولة تمرد من مدرسة الإشارة في دمشق، استهدفت دار الإذاعة ومبنى الأركان العامة ومراكز القيادة. خرج أمين الحافظ بنفسه لقيادة المواجهة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون.
فرّ علوان قبل وصول القوات، لكن جرى اعتقال عدد من أنصاره.
عن اعتقاله والتحقيق معه، قال:
اعطوني عدد من الأوراق لأدون اعترافاتي "كتبت في الصفحة الأولى: أنا مسؤول عن كل ما جرى في 18 تموز... وضعت في فمي منديلا ولم أتكلم بعد ذلك، رغم التعذيب حتى فقدت القدرة على المشي."
لاحقًا، أُطلق سراحه عام 1964 بطلب من جمال عبد الناصر، وانتقل إلى القاهرة، حيث استقبله في منزله ومنحه رتبة وزير، وأمّن له إقامة لائقة.
في عام 1965، انتُخب أمينًا عامًا لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في الخارج (القاهرة)، بينما انتُخب الدكتور جمال الأتاسي أمينًا عامًا مساعدًا في الداخل.
عام 1980، انضم إلى الجبهة الوطنية لتحرير سوريا التي تشكلت في العراق.
عاد إلى سوريا عام 2005، ثم غادرها لاحقًا بعد اندلاع الثورة، واستقر في مصر حتى وفاته في كانون الثاني/يناير 2018، حيث دُفن في القاهرة.
قد يختلف كثيرون حول تمرد جاسم علوان؛ فقد يراه البعض خروجًا عن الإطار الوطني واستدعاءً لتدخل خارجي، بينما يراه آخرون محاولةً لإحياء مشروع عربي أوسع في زمن كانت فيه الحدود أكثر هشاشة من اليوم.
لكن، بعيدًا عن الحكم عليه، تبقى تجربته مرآةً لمرحلةٍ كاملة من تاريخ سوريا، حيث تداخلت فيها الولاءات، وتشابكت المشاريع، وغلبت الرهانات الكبرى على حساب الاستقرار الداخلي.
وفي النهاية، لا يُختزل التاريخ في صوابٍ أو خطأ، بل يُقرأ في سياق زمنه… حيث كانت القرارات تُتخذ على حافة الحلم والخطر معًا.