كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العلويون في عين كليمان- غرانكور بين لغة التشويه واعتراف 1921

سيمون خالد علي

من فم ضابط الاحتلال
من تهمة قطاع الطرق إلى شهادة المقاومة المشرفة
العلويون في عين كليمان-غرانكور بين لغة التشويه واعتراف 1921
في البداية، القصة من نهايتها
تبدأ الهجمة المعاصرة على العلويين بحيلة بسيطة وفعالة، تأخذ القصة من نهايتها، وتترك بدايتها مدفونة. تقدم مرحلة التجنيد في جيش الانتداب، ومرحلة الإدارة المحلية والطرق والمدارس، على أنها نقطة الانطلاق الوحيدة في علاقة العلويين بفرنسا، كأن هذا الشعب نزل من الجبل سنة 1921 جاهزا للخدمة، بلا تاريخ سابق، وبلا سلاح، وبلا مقاومة. هذا الحذف اختيار، لأن من يبدأ القصة من الإدماج وحده يصنع صورة الخادم الطبيعي، ومن يعيد إليها ما قبلها يصنع صورة الجبل الذي قاتل. والفرق بين الصورتين هو الفرق بين كتابة التاريخ وكتابة الدعاية ضد جماعة كاملة من السوريين.
مقاربة هذا الملف بالرد الانفعالي غير ممكنة، ولا بالدفاع الخطابي عن العلويين على أنهم ضحايا مطلقون أو أبطال. المطلوب أداة أخرى، وثيقة لا تشتبه بالعطف عليهم، صادرة عن خصمهم نفسه، تتحدث عن مرحلة سابقة على الإدماج، مرحلة فيها سلاح وقتال وهزائم ومفارز فرنسية مهزومة وأرتال عسكرية أرسلت لإخضاع الجبل. هذه الوثيقة موجودة، وهي مطبوعة، ومعروفة العنوان والمؤلف والناشر والسنة، وقد كتبها ضابط فرنسي كان يكتب من داخل عقل الاحتلال نفسه.
تثبيت المصدر، الجنرال كليمان-غرانكور وكتابه
الكتاب هو Au Levant، Histoires de brigands, histoires vraies، أي في المشرق، حكايات قطاع الطرق، حكايات حقيقية. مؤلفه الجنرال الفرنسي Abel-Jean-Ernest Clément-Grandcourt، ويظهر اسمه على الغلاف Général Clément-Grandcourt. صدر الكتاب في باريس سنة 1936 عن دار النشر السويسرية Victor Attinger، وقدم له الجنرال Édouard Brémond، وهو من كبار الضباط الفرنسيين العاملين في المشرق ومن أصحاب الخبرة الواسعة بملفات الانتداب وشرق المتوسط. ويبلغ الكتاب نحو مئة وإحدى وتسعين صفحة، مزودا بخمس عشرة لوحة فوتوغرافية، وهو من أعمال كليمان-غرانكور العسكرية المتعلقة بالمشرق، إلى جانب كتاب آخر له بعنوان La tactique au Levant صدر سنة 1926 عن دار النشر العسكرية Lavauzelle، ما يكشف أن صاحبنا كان ضابطا متخصصا كتب عن ساحة عمله مرتين، مرة في صيغة عسكرية تقنية، ومرة في صيغة حكايات وذكريات يخاطب بها قارئا فرنسيا عاما.
كليمان-غرانكور ضابط فرنسي من جيل ضباط الانتداب، يكتب من موقع المنتصر، وبلغة المنتصر، وبثقة من يرى في وجود فرنسا في المشرق ضرورة سياسية هذه الحقيقة تمنح النص قيمة من نوع آخر، لأن ما سيقوله هذا الرجل عن مقاومة العلويين سيكون اعترافا اضطر إليه رغم أنفه.
لغة الاحتلال
قراءة عنوان حكايات قطاع الطرق
يتجلى موقف كليمان-غرانكور من المشرق بأوضح صورة في العنوان الذي اختاره لكتابه. اختار له عبارة قاسية مشحونة بالدلالة، حكايات قطاع الطرق. وهذا الاختيار يكشف اللغة التي كان الاحتلال يصف بها من يخرج عن سلطته أو يربك إدارته أو يرفض الانصياع لأوامره. فالسلطة المحتلة تبحث لهم عن اسم ينزعهم من عالم السياسة ويدخلهم في عالم الجريمة، فيصيرون لصوصا أو عصابات أو مشاغبين أو خارجين على النظام.
هذا الأسلوب كان جزءا من القاموس الذي استعملته الإدارات الاستعمارية في كل مكان تقريبا، من الجزائر إلى الهند إلى المغرب، فحولت السلطة الجديدة في كل هذه البلاد المقاومة المنظمة إلى مجرد مشكلة أمنية وسيلتها رجال يوصفون بقطع الطريق .
من وصفه الاحتلال بقاطع الطريق كان، في الحد الأدنى، خارجا على سلطته . وهذا بالضبط ما يجعل من شهادة كليمان-غرانكور أداة بحثية أقوى من كثير من الشهادات الأخرى المتاحة عن هذه المرحلة، لأن الضابط الفرنسي الذي يكتب من موقع المنتصر لا مصلحة له في تكبير مقاومة من يصفهم بقطاع الطرق، إلا إذا كانت تلك المقاومة واقعا لا يستطيع تجاوزه أو حذفه من سرده.
رغم عنوان كتابه ورغم لغته، لأن الفرق كبير بين أن نصدق عقل الاحتلال في نظرته إلى الناس، وبين أن نستخرج من وثيقة الاحتلال نفسها ما يهدم الرواية التي صورت العلويين بعد ذلك كأنهم كانوا أتباعا طبيعيين لفرنسا منذ اللحظة الأولى.
النص الذهبي، صورة المقاتل العلوي والاعتراف الذي لم يقصده صاحبه
كليمان-غرانكور الذي يكتب كتابه سنة 1936 هو ضابط بقي في دائرة الكتابة العسكرية والتقنية عن سوريا طوال سنوات الانتداب، وكانت له مقالات في مجلة «ريفو دانفانتري» بين 1923 و1925 تدعو إلى إصلاح بنية الكتائب الفرنسية العاملة في المشرق بما يتيح مرونة أكبر في القتال الجبلي. ولذلك حين يصل إلى الفقرة المتعلقة بالعلويين، يكتب بأدوات الضابط المدرب.
يرسم كليمان-غرانكور صورة العلوي العسكرية بلغة تصنيفية مباشرة. العلوي في نظره يصلح جندي مشاة جيد بسبب بنيته الجسدية القوية، وقدرته على التحمل في البرد والجفاف، وإجادته الرمي بحكم نشأته في بيئة يحمل فيها السلاح منذ الصغر. ويرى أن العلوي ملائم بامتياز لحرب الجبال، لأن ساقه اعتادت السير في التضاريس الوعرة، وعينه شحذت في ملاحقة التفاصيل البعيدة على المرتفعات. ورجال الجبل هؤلاء معتادون على حمل بنادق ماوزر، وهي بنادق فردية متينة كانت منتشرة في يد السكان العلويين في سوريا في تلك المرحلة. وفي السلم التصنيفي الذي يضعه الكاتب، يرى أن العلوي لا يبلغ درجة الدرزي في نظر العسكريين الفرنسيين، ولا يعادل الشركسي الذي جاء إلى سوريا حاملا موروثا حربيا من القوقاز وانخرط في الخدمة الفرنسية منذ وقت مبكر وكوّن فرق فرسان شركسية عملت تحت إمرة الانتداب.
هذه المقارنة المسربلة بالنظرة الوصائية تكشف شيئا مهما، إن الضابط الذي يكتب كان يرى في العلوي جماعة لها طبيعتها العسكرية الخاصة التي تميزها عن غيرها. وهذا الاعتراف ذاته هو الذي يجعل الجملة التالية في النص ذات وزن لا يمكن تجاهله.
بعد أن انتهى كليمان-غرانكور من رسم الصورة العسكرية للعلوي، جاءت الجملة التي تحمل قلب الشهادة كلها. يقول الكاتب إن العلويين، قبل أن يقبلوا السيادة الفرنسية، ألحقوا الهزائم بالمفارز الفرنسية، وأبدوا مقاومة مشرفة في وجه العمل المشترك للأرتال الأربعة التي أدارها بكفاءة العقيد نيغر، وهي الأرتال التي حملتهم سنة 1921 على تسليم سلاحهم.
النص الفرنسي الأصلي وترجمته:
‪Avant d’accepter notre suprématie, il a infligé quelques échecs à nos détachements, et opposé une résistance honorable à l’action combinée des quatre colonnes supérieurement dirigées par le colonel Niéger, qui l’ont amené, en 1921, à rendre ses armes.‬
قبل أن يقبل العلويون سيادتنا، ألحقوا بعض الهزائم بمفارزنا، وأبدوا مقاومة مشرفة أمام العمل المشترك للأرتال الأربعة التي قادها بكفاءة العقيد نيغر، وهي التي حملتهم سنة 1921 على تسليم سلاحهم.
هذه الجملة ثقلها كافٍ بذاته. الكلمة الأولى التي تستدعي التوقف هي عبارة «قبل أن يقبلوا السيادة الفرنسية». هذه العبارة تفترض زمنين متمايزين، زمن ما قبل القبول، وزمن ما بعده. والكلمة الثانية هي «ألحقوا بعض الهزائم بمفارزنا». لاحظ الضمير، «مفارزنا». الكاتب يقول إن مفارز فرنسية مسلحة مُنيت بهزائم على يد رجال الجبل العلويين. وعبارة «مفارزنا» تعني أن المواجهة كانت مع وحدات عسكرية نظامية. والكلمة الثالثة والأكثر إثارة هي «مقاومة مشرفة». في قاموس العسكريين الفرنسيين الذين كتبوا عن حروبهم في المشرق وأفريقيا، كلمة «مشرفة» تعني تحديدا أن الخصم قاتل بشكل منظم وفعال، وأنه لم يتهاوَ عند أول ضربة، وأنه أبدى ثباتا وشجاعة تستحق الذكر حتى من العدو. وحين يستعمل الكاتب هذه الكلمة عن علويين كان يصنفهم في القسم نفسه مع «قطاع الطرق»، فهو ينقض بيده عنوان كتابه.
الأرتال الأربعة والعقيد نيغر، حجم العملية يكشف حجم المقاومة
أخطر ما في الجملة التي كتبها كليمان- غرانكور وصف ما احتاجه الفرنسيون لإخضاعهم. يذكر الكاتب «أرتالا أربعة» بقيادة «العقيد نيغر». هاتان المعلومتان تحملان دلالة عسكرية محددة يفهمها كل من له إلمام بالتاريخ العسكري لانتداب سوريا.
العقيد إيميل نيغر كان من الضباط الذين أوكلت إليهم فرنسا مهام إدارة المناطق التي كانت تعاني صعوبات في الانقياد للسلطة الجديدة. وبعد ذلك وضعته السلطات الفرنسية مع الجنرال غاستون بيلوت في رأس قيادة الدولة العلوية التي أعلنها الانتداب سنة 1920، وهو ما يعني أنه كان يعرف المنطقة ويعرف طبيعة سكانها قبل أن يقودها إداريا، لأنه واجههم عسكريا قبل ذلك. هذا التتالي بين دور قيادة الحملة العسكرية ودور قيادة الإدارة الجديدة يكشف أن الانتداب الفرنسي كان يرى في نيغر الرجل الذي يحمل خبرة الجبل من أدق مصادرها، المعركة نفسها.
أما الأرتال الأربعة فهي المعلومة التي تحمل الدلالة العددية الحاسمة. الرتل في التنظيم العسكري الفرنسي وحدة مؤلفة من مشاة ومدفعية وعتاد وخدمات لوجستية. تحريك أربعة أرتال في آن واحد، مع التنسيق فيما بينها ومع قيادة مركزية بيد عقيد متخصص لهذه المهمة، مؤشر على عملية عسكرية من الحجم المتوسط الى الكبير، تستهدف جبلا منظما في دفاعه الجبل الذي يحتاج أربعة أرتال لإخضاعه ليس جبلا خاضعا.
جبل لم تجد فيه فرنسا فراغا
حين وطئت طلائع القوات الفرنسية الساحل السوري في تشرين الثاني 1918 ونشرت نقاطها على امتداد الشريط بين اللاذقية وطرطوس، وجدت أمامها جبلا قائما بذاته، له وجوده الاجتماعي وتضاريسه الدفاعية وسلاحه المتوارث وعلاقته الصعبة مع كل سلطة مركزية سبقت. كانت هناك عائلات وشيوخ وعشائر وثارات وتحالفات وقرى متفرقة بين الوديان تعرف طرقها بالقدم، وتحكم نفسها بنفسها منذ أمد بعيد.
في هذا الجبل نشأ المجتمع العلوي في عزلة مزدوجة، عزلة جغرافية فرضتها الطبيعة، وعزلة مذهبية فرضها التاريخ. وقد كتب كثير من الرحالة والضباط الأوروبيين الذين زاروا المنطقة في القرن التاسع عشر عن قرى محاطة بكروم زيتون وحقول ضيقة، يسكنها فلاحون يحملون بنادقهم كما يحملون فؤوسهم، لا يثقون بالغريب ولا يفتحون أبواب قراهم إلا لمن يعرفونه. وكان الفقر سمة عامة، أرض صعبة الحرث، محاصيل قليلة، وشتاء قاس في المرتفعات.
حكم العثمانيون سوريا منذ 1516 ودمجوها في ولاياتهم وأقضيتهم وسناجقهم، لكن الجبل العلوي ظل طوال تلك القرون في هامش الضبط الحكومي الفعلي. فقد أشار كليمان-غرانكور نفسه، وهو لا يكتب من موقع المدافع عن استقلالية العلويين، إلى أن متصرفي اللاذقية كانوا يكتفون في معظم الأحيان بسيادة اسمية على العلويين. ومعنى السيادة الاسمية في لغة الإداريين العثمانيين أن المتصرف يضع في سجلاته رقما للضرائب المفروضة على المنطقة، وأن شاويشا يخرج بين الحين والحين لجمع ما يستطيع جمعه، لكن جبل العلويين الذي لا طريق إلى قراه الداخلية إلا المشي ساعات في وديان تعرف فيها كل عائلة كل صخرة، كان قادرا على أن يتعامل مع الجابي بطريقة بسيطة، الرفض المسلح.
والتجنيد العثماني المتأخر، الذي بدأ في إدخال نظام السفربرلك على تعبير الناس في الشام، كان مصدر نفور عميق. أما في الجبل العلوي فقد كان الرفض مزدوجا، رفض أخذ الرجال بعيدا عن قراهم ونسائهم وأرزاقهم الشحيحة، ورفض تسليم السلاح الذي كان في يد كل رجل بالغ. وقد سجلت حوادث 1834، حين ثار سكان الجبال في الساحل ضد الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي، وكان ثمة نحو أربعة آلاف من أبناء المنطقة هاجموا قوة مصرية كانت تسير بين حلب واللاذقية، شاهدا مبكرا على أن السكان الجبليين كانوا يتعاملون مع أي سلطة خارجية تريد نزع سلاحهم وفرض التجنيد عليهم بالمنطق نفسه الذي سيتعاملون به مع الفرنسيين بعد ذلك بأربعة وثمانين عاما، القتال أولا والمفاوضة بعده إن تعذر الانتصار.
وحين دخلت الأرتال الفرنسية عمق الجبل في حملة 1921 وتقدمت نحو القرى، تركت الرواية عبارة جاءت على لسان رجال الجبل حين واجهتهم تلك القوات، «حتى الآن لم نكن نطيع الحكومة أبدا». هذه الجملة هي جملة واقعية تصف حالا عاشه أهل الجبل قرونا. لم يكونوا يطيعون الحكومة. لا الحكومة العثمانية التي جاءت بالجباية والتجنيد، ولا أي حكومة قبلها. فرنسا كانت في نظرهم واحدة من سلسلة من السلطات الخارجية التي أتت تريد فرض نفسها على جبل لا يقبل الفرض بسهولة.
الشيخ صالح العلي، عنوان ميداني لمقاومة بيئة جبلية
ولد الشيخ صالح العلي سنة 1885 في قرية المريقب في محافظة طرطوس لأسرة ذات نفوذ محلي. كان والده الشيخ علي سليمان زعيما تحترمه عشيرته، ولما توفي أجمع الرجال على مبايعة ابنه صالح بالزعامة. هذا كان يعكس تراكم ثقة اجتماعية في عائلة عرفت بالقدرة على تسيير شؤون المنطقة وحماية أبنائها. وهذه القاعدة القبلية والمناطقية هي التي جعلت الشيخ صالح، حين جاءت فرنسا، قادرا على أن يتحول من زعيم عشيرة إلى قائد ثورة.
منذ أن بدأت القوات الفرنسية تنشر نقاطها على الساحل في تشرين الثاني 1918 وتتوسع باتجاه الداخل وتقضي على الحكومات المحلية التي قامت باسم الحكومة العربية في دمشق، بدأ الشيخ صالح يتحرك. استجابة رجل جبلي مسلح لا يعرف سلطة إلا تلك التي يفرضها الواقع المحلي، وقد وجد فجأة قوة أجنبية تزحف نحو مجاله وتريد أن تفرض عليه ما رفض قبوله من العثمانيين.
في الشهور الأولى من 1919 كانت المواجهات قد بدأت. في منطقة نيحا وادي العيون، نصب الشيخ صالح وأتباعه كمينا للقوة الفرنسية التي أرسلت لاعتقاله، فأوقعوا فيها أكثر من خمسة وثلاثين قتيلا وجريحا. كانت هذه الضربة رسالة واضحة المعنى، هذا الجبل ليس قطعة أرض فارغة تنتظر من يدير شؤونها. في شباط 1919 دارت معركة النهر الكبير قرب اللاذقية ردا على سلب الفرنسيين قافلة تجارية، وفيها كبد الثوار القوات الفرنسية خسائر كبيرة. وفي منتصف حزيران 1919 كانت اشتباكات بيدر غنام وسلمى وترتاح تثبت أن المقاومةهي حركة ممتدة عبر الجبل.
ثم جاءت معركة قلعة المرقب في تموز 1919 حادثة مصيرية في مسار الثورة. في 12 تموز أرسلت قوة فرنسية بقيادة ضباطها نحو القلعة، فنصب لها الثوار كمينا في المسالك الضيقة المؤدية إليها وكبدوها خسائر فادحة، وفي 21 تموز 1919 استولى الثوار على القلعة نفسها وهي تعتبر موقعا استراتيجيا ذا قيمة عسكرية حقيقية بموقعها المشرف على المنطقة.
امتدت بعد ذلك رقعة المقاومة. في أوائل 1920 زحف الشيخ صالح مع نحو أربعمئة مقاتل على بلدة القدموس وحاصرها وطالب حاميتها بالاستسلام. وبعد مناوشات شديدة اضطرت الحامية إلى الاستسلام وسقطت القدموس في يد الثوار، وهو ما أعطى الثورة ثقلا جغرافيا إضافيا في عمق الجبل.
وامتدت الثورة إلى جبال صهيون، وتنادى سكان قضاء بانياس ومنطقة الحفة للانضمام إليها، ودارت معارك في محيط بانياس والحفة وطرطوس واللاذقية بين الثوار والجيش الفرنسي. كانت المنطقة بكاملها تقريبا تشتعل، من نيحا في الجبل الأوسط إلى المرقب قرب طرطوس جنوبا إلى الحفة وصهيون شمالا.
الارتباط بالحركة الوطنية السورية
منذ عام 1918 كانت الحركة الوطنية العربية تتركز في دمشق تحت قيادة الأمير فيصل بن الحسين، وكانت تطالب بعروبة سوريا واستقلالها عن الانتدابين الفرنسي والبريطاني. وأعلن الشيخ صالح العلي تضامنه مع هذه الحركة ومع مشروع فيصل في دمشق، فكانت ثورته تحمل بعدا وطنيا.
وفي أواخر 1919 عقد إبراهيم هنانو في إدلب اجتماعا ضم وجهاء المنطقة وممثلين من الحفة واللاذقية لتنظيم الثورة في الشمال. وفي أواسط أيلول 1920 أعلن هنانو ثورته رسميا في ريف إدلب وحلب. وصل رسول من الشيخ صالح العلي إلى هنانو يعرض التعاون بين الثورتين، فرحب هنانو بذلك واستقر الرأي على التنسيق بين جبهة الساحل وجبهة الشمال. وبعث الشيخ صالح إلى هنانو يطلب السلاح والمساعدة، وأرسل هنانو إليه فعلا أمدادا عسكريا. وهذا التواصل الميداني بين ثورتين في منطقتين مختلفتين كان تنسيقا عسكريا يقلق الفرنسيين الذين كانوا يواجهون في الوقت نفسه ضغطا في الشمال وآخر على الساحل.
وعندما سقطت دمشق في أيار 1920 في معركة ميسلون وانهارت المملكة العربية السورية، تحولت ثورة الشيخ صالح العلي إلى آخر جبهات المقاومة المنظمة الكبرى المشتعلة في سوريا الساحلية. لم يعد ثمة فيصل في دمشق يمكن الاحتجاج بشرعيته، ولم يعد ثمة غطاء سياسي خارجي يمنح الثورة وجاهة دبلوماسية. صار القتال في الجبل قتالا خاما، جبل مسلح يرفض الاستسلام في وجه احتلال يريد الحسم.
حملة 1921 والأرتال الأربعة، الإخضاع العسكري الشامل
في السنة الثالثة من المقاومة ضاق الفرنسيون بالوضع وقرروا الحسم العسكري الشامل. جرى تنظيم عملية واسعة بأربعة أرتال تتحرك في آن واحد ومن اتجاهات متعددة، تحت قيادة مركزية بيد العقيد نيغر. نيغر كان رجلا عرفت له السلطات الفرنسية قدرة على إدارة المناطق الصعبة، وهو ما جعلها تختاره بعد ذلك في القيادة الإدارية للدولة العلوية التي أعلنتها سنة 1920. أي أن الرجل الذي أدار الحملة العسكرية لإخضاع الجبل هو نفسه الذي عُين بعدها لإدارته.
تحرك الأرتال الأربعة في التوقيت نفسه والاتجاهات المتعددة كان يستهدف تفادي الميزة الأساسية التي اتكأ عليها الثوار طوال ثلاث سنوات، الحركة السريعة في التضاريس الوعرة والقدرة على التمركز في موضع لا يتوقعه الخصم. في 15 حزيران 1921 اجتاحت قوة فرنسية كبيرة المواقع. فتشت القرى واستدعت الأهالي وفرضت سيطرتها على المعابر الرئيسية.
وتبع الاجتياح العسكري ما هو أشد وقعا من الخسارة الميدانية، محكمة عرفية فرنسية في اللاذقية أصدرت حكما غيابيا بإعدام الشيخ صالح العلي، وألقت الطائرات الفرنسية صورة الحكم فوق قرى الجبل لإثارة الرعب وقطع أي أمل بالعودة. بقي الشيخ صالح متنقلا في مخابئه عاما كاملا. وحين بات واضحا أن لا مخرج عسكريا ممكنا في غياب أي دعم خارجي وبعد أن أخمدت ثورة هنانو في الشمال في تموز 1921، قرر الشيخ صالح في نهاية الأمر الاستسلام للجنرال غاستون بيلوت. وقد صدر مرسوم عفو من الجنرال غورو قبل ذلك، في محاولة فرنسية لتحويل نهاية الثورة من هزيمة مذلة إلى إجراء إداري مقبول.
تسليم السلاح الذي يذكره كليمان-غرانكور في عبارته عن حملة 1921 كان نهاية مسار قتال استمر ثلاث سنوات ونيف، بدأ بكمائن 1918 ومر بمعارك 1919 وفتح القدموس 1920 وانتهى بعملية عسكرية منظمة بأربعة أرتال وحكم إعدام غيابي واحتلال مواقع ودعاية جوية. الذي يسلم سلاحه في هذه الأجواء يسلم لأنه يحاسب ما بقي له من خيارات ويجد أن الاستمرار بلا أمل عسكري مكلف بلا غاية.
ما بعد الإخضاع، الطرق والمدارس والإدارة والتجنيد
حين وضع رجال الجبل بنادقهم في صيف 1921 ونزلوا من مخابئهم، لم يكن الجبل الذي يعودون إليه هو الجبل الذي خرجوا للقتال من أجله. الحد الفاصل الذي صنعته سنة 1921 هو نهاية زمن كانت فيه البندقية الجبلية هي اللغة الوحيدة التي تفهمها أي سلطة جاءت من الخارج، وبداية زمن مختلف تماما في شكله وأدواته. فرنسا كانت قد أعلنت دولة العلويين سنة 1920 في خضم الثورة نفسها، وهو توقيت مثير للانتباه، فرنسا أعلنت كيانا إداريا لجبل مسلح لم تتمكن بعد من إخضاعه، كأنها تضع اللافتة قبل أن تبني الجدران. والجدران جاءت في 1921 حين انتهت المقاومة المسلحة المنظمة وصار للدولة الجديدة أرض تستطيع أن تديرها فعلا .
أول ما لفت الانتباه بعد 1921 هو مشاريع الطرق. شقت الإدارة الفرنسية طرقا في الجبل لم يكن أهله يحلمون بها في عهد العثمانيين. ربطت هذه الطرق قرى الداخل بالمراكز الساحلية في اللاذقية وطرطوس وبانياس، وفتحت ممرات في التضاريس التي كانت تحمي الجبل قرونا بوعورتها. الطرق في زمن ما بعد 1921 كانت أداة عسكرية وإدارية في الوقت نفسه. الجبل الذي ظل صعب الضبط قرونا كان يستمد قدرته على الرفض المسلح من التضاريس أكثر مما يستمدها من عدد مقاتليه. حين شقت فرنسا الطرق فتحت الممرات الجبلية أمام أي قوة مسلحة أرادت الدخول بعد ذلك، وسهلت حركة المفارز الأمنية داخل منطقة كانت الحركة فيها تميل دائما لصالح من ولد ونشأ فيها.
بالتوازي مع الطرق جاءت المدارس. فتحت الإدارة الفرنسية مدارس ابتدائية في عدد من القرى الكبيرة في الجبل. بهدف تكوين طبقة صغيرة من الشباب الجبلي القادر على العمل في الإدارة الفرنسية والوظيفة الحكومية والجيش. النخبة الصغيرة التي تكونت بهذا التعليم خرجت من الجبل ودخلت عوالم مختلفة عن عالم آبائها الذين حملوا البنادق مع الشيخ صالح. وقد احتاجت فرنسا بالضبط إلى هذا التحول، من جبل يقاوم إلى جبل يُدار.
في عام 1920 أعلن الفرنسيون دولة العلويين وهي كيان إداري منفصل عن دمشق، وفي 1930 أعيدت تسمية هذا الكيان إقليما فأصبح إقليم اللاذقية في إطار الجمهورية السورية التي أعلنها الانتداب. المقاطعة الإدارية نقلت الجبل من عالم كان يدار باتفاقات الشيوخ والثارات العشائرية إلى عالم له وزارة إدارة وقائمقام ومتصرف وسجل عقاري. وبعد 1921 صار الجبل مفتوحا بالطرق، وخاضعا لإدارة لها جهاز ضريبي منظم ومعلومات عن عدد النفوس وما يمتلكه كل بيت.
في السنوات التي تلت 1921 بدأ أبناء الجبل يدخلون في خدمة القوات المحلية التابعة للانتداب. كانت فرنسا قد أسست في سوريا ما عرف بقوات المشرق الخاصة أو Troupes Spéciales du Levant، وضمت هذه القوات كتائب سميت بأسماء مناطقية، منها ما اشتهر باسم الكتائب العلوية.الترتيب الزمني هنا جوهري، مقاومة أولا، إخضاع في 1921، تجريد السلاح، ثم بعد ذلك فتح باب التجنيد.
دخل أبناء الجبل في التجنيد لأسباب يمكن فهمها دون الحاجة إلى افتراض ولاء قديم لفرنسا. الجبل العلوي كان في معظمه مجتمعا يعيش على الزراعة الكفافية في أرض صعبة الحرث. الراتب العسكري في قوات المشرق الخاصة كان يمثل دخلا مضمونا في بيئة لا يضمن فيها المطر ولا الأرض ولا المحصول أي شيء منتظم.
لا يجوز استعمال آثار الهزيمة لإلغاء المعركة التي سبقتها. الجندي الذي تجند في القوات الخاصة سنة 1924 أو 1928 لا يمكن أن يكون دليلا على أن مجتمعه لم يقاوم الفرنسيين في 1919 و1920 و1921. التجنيد لا يمحو المعركة. الدخول في الإدارة لا يحذف الكمين. الراتب الشهري لا يعني أن البندقية لم ترفع في وجه من يدفع الراتب قبل سنوات.
الحكم الذاتي والخوف من دمشق
حين استقر نظام الطرق والمدارس والإدارة والجباية والتجنيد في الجبل العلوي بعد سنة 1921 وصار جزءا من حياة الناس اليومية وإن لم يكن خيارهم الأصلي، ظهرت مسألة جديدة لم تكن قد طرحت بهذا الوضوح من قبل، وهي مسألة مصير هذا الجبل في حال انتهى الانتداب وقام في سوريا نظام واحد عاصمته دمشق.
الخوف الذي نشأ عند كثير من العلويين من فكرة الاندماج في دمشق ما خافه أهل الجبل المركز السياسي والإداري الذي تمثله دمشق، ونخب المدينة التي كانت تقود الحركة الوطنية السورية وترى في الكيانات الانتدابية الصغيرة تقطيعا لوحدة البلاد، والسلطة المركزية التي تذكر أهل الجبل بتاريخ طويل من الجباية الثقيلة والتجنيد الإجباري.
لهذا الخوف جذور تمتد إلى ما قبل وصول الفرنسيين بعقود طويلة. فقد كانت جبال العلويين، كما وصفها كليمان-غرانكور نفسه، تعيش تحت سيادة اسمية في معظم عهود الولاة العثمانيين، ترفض الانصياع لجباية دمشق وطرابلس وحلب، وتمتنع عن تسليم رجالها لخدمة السفربرلك. وحين تكرر السؤال عن العلاقة بدمشق في وضع جديد بعد الحرب الكبرى وانهيار السلطنة العثمانية، لم يكن الجواب جوابا محملا بكل ذلك التاريخ من الحذر والريبة.
وهنا تقتضي الدقة الكاملة، فرنسا لم تخترع خوف العلويين من دمشق من العدم، لكنها وجدت هذا الخوف قائما فاستثمرته وضخمته وحولته من مشاعر اجتماعية متوارثة إلى سياسة إدارية مدروسة. ومن هذا الباب جاء تنظيم الكيان العلوي، أولا تحت اسم دولة العلويين سنة 1920 ثم تحت اسم إقليم اللاذقية سنة 1930، كجزء من هندسة انتدابية أوسع تشمل لبنان والجبل الدرزي ولواء إسكندرون.
وبلغت مسألة الحكم الذاتي ذروتها في سنة 1936، حين دارت مفاوضات بين الوفد السوري وفرنسا في باريس انتهت بمعاهدة نصت على دمج إقليم اللاذقية في الدولة السورية الموحدة. ورافق هذه المفاوضات نشاط واسع من العرائض والرسائل التي وجهها وجهاء الطائفة العلوية ومشايخها يطالبون فيها بضمانات محددة قبل الموافقة على دمج إقليمهم. والمهم في هذه المرحلة ألا يقرأ المجتمع العلوي بصفته كتلة واحدة موقفها واحد من مسألة الدمج في الدولة السورية. فقد كان بين العلويين من خاف أشد الخوف من فكرة الوحدة، وكان بينهم في الوقت نفسه من مال إليها ورأى في الانتماء إلى سوريا أفقا أوسع، وكان بينهم من اختار طريقا وسطا فتفاوض على الضمانات، وكان بينهم أخيرا من نظر إلى الحماية الفرنسية على أنها ترتيب مؤقتا لا ولاء دائما. هذا التعدد في المواقف داخل البيئة العلوية نفسها هو ما يمنع أي قراءة تختصر الجبل في موقف واحد.
ومما يعمق فهم هذا الخوف طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين فلاحي الجبل العلوي وكبار الملاك في المدينة في الساحل وحماة واللاذقية ودمشق. فقد كان النظام الزراعي في الساحل السوري يقوم على فجوة طبقية واسعة بين فلاح علوي يعمل أجيرا في أرض لا يملكها وبين إقطاعي من المدينة يملك هذه الأرض ويقيم بعيدا عنها. وكانت هذه الهيمنة الاقتصادية تغذي عند هؤلاء الفلاحين ارتيابا عميقا تجاه كل حركة سياسية تقودها النخب الحضرية نفسها التي تملك أرضهم وتستغل عملهم.
الخوف الجماعي من مركز لا تثق به الأطراف هو ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق الفهم و ليس التخوين الفوري.
كسر منطق التخوين الجماعي، الشركس والدروز والمدن والأعيان
حين ننتقل من مسألة الحكم الذاتي العلوي إلى السؤال الأوسع عن علاقة فرنسا بالجماعات السورية المختلفة، تظهر حقيقة تهدم أساس منطق التخوين الجماعي من جذوره، فرنسا لم تعتمد على العلويين وحدهم في بناء قواتها المحلية وترتيباتها الإدارية، انما تعاملت مع جماعات محلية كثيرة بأشكال مختلفة بحسب ظروف كل جماعة وموقعها وحاجتها.
وأوضح مثال على ذلك هو الشركس، الذين كان العثمانيون قد أسكنوهم في نقاط استراتيجية من بلاد الشام لضبط العناصر المتمردة وحماية خطوط الإمبراطورية، فاستطاعت فرنسا بعد ذلك، وخصوصا عبر الضابط الفرنسي الكابتن فيليبير كوليه، أن تحول قسما من رجالهم إلى فرق فرسان شركسية صارت من أوثق القوات التي اعتمد عليها الانتداب في سوريا، ولعبت دورا بارزا في أحداث الثورة السورية الكبرى سنة 1925 وما تلاها. هذا المثال يثبت أن دخول جماعة محلية في خدمة الانتداب كان سياسة فرنسية عامة طبقت على أكثر من جماعة في أكثر من منطقة.
والمثال الثاني الذي يكسر منطق التخوين الجماعي هو الدروز. فقد قدم جبل الدروز واحدة من أعظم صور مقاومة الانتداب الفرنسي في الثورة السورية الكبرى التي انطلقت سنة 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش. ومع ذلك فإن هذا التاريخ المشرف لا يعني أن كل درزي كان مقاوما في كل لحظة، ولا أن العلاقة بين الجبل الدرزي وفرنسا بقيت مواجهة دائمة بلا تفاوض ولا تسوية. وهنا تظهر القاعدة العادلة، لا نحاكم جماعة كاملة من خلال موقف فرد واحد، ولا نمحو مقاومتها التاريخية بسبب تسوية فرضتها ظروف ميدانية أو سياسية.
والمثال الثالث، الأوسع نطاقا، هو المدن والأعيان. فدمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرابلس لم تكن أي منها كتلة واحدة في موقفها من الانتداب. فيها وطنيون كبار قاوموا الفرنسيين وكتبوا وخطبوا وسجنوا وواجهوا السلطة بكل ما يملكون، وفيها في الوقت نفسه أعيان فاوضوا الفرنسيين على مصالحهم. ومن الأمثلة الدالة على هذا التنوع ما يرويه كليمان-غرانكور نفسه عن مدينة حمص، إذ يذكر قصة متصرف محلي مسيحي أرثوذكسي كان مواليا لفرنسا ودفع حياته ثمنا لهذا الموقف حين اغتيل. وفي الموضع نفسه يذكر الكاتب بالاسم لطفي بك الأرثوذكسي الذي دعم ثوارا من الدروز والمسلمين ضد الفرنسيين. وهذا المثال وحده يهدم كل قراءة طائفية ، هل يجوز أن نقول إن الأرثوذكس مع فرنسا أو ضد فرنسا؟ الجواب الصحيح أن المواقف كانت موزعة، محكومة بالمصلحة والموقع والخوف والطموح والعلاقة بالسلطة وبالمحيط،
الوطنية فعل لا طائفة، والخيانة فعل لا نسب يورث في الدم. العلوي الذي قاوم فرنسا له شرف مقاومته كاملا، والعلوي الذي تعامل معها بعد سنوات من الإخضاع والفقر وانسداد الأفق يقرأ موقفه بحسب ظرفه وفعله وموقعه، لا بحسب اسمه المذهبي. والسني الذي قاوم فرنسا له شرف مقاومته كاملا، والسني الذي تعامل معها يقرأ موقفه بالمعيار نفسه تماما. أما أن تتحول علاقة بعض الأفراد بفرنسا إلى وصمة أبدية تلحق بطائفة واحدة بعينها، بينما تشرح العلاقات نفسها عند غيرها بلغة السياسة والظروف والمصالح والحاجة، فهذا كيل بمكيالين.
تفكيك الأكاذيب الكبرى
يُلخِّص هذا البحث كله مسألة واحدة، كيف تقوم الروايات الكبرى المضادة للعلويين على تشويه منهجي للتسلسل الزمني، وعلى اقتطاع من المصادر ما يخدم الاتهام وترك ما يفضح الاقتطاع.
الكذبة الأولى أن فرنسا صنعت العلويين على أنهم جماعة متمايزة، وأن وجودهم السياسي والاجتماعي بصفتهم كيانا ذا خصوصية لم يكن موجودا قبل أن تأتي الإدارة الانتدابية. هذه الفكرة تتجاهل جبلا قائما بذاته قبل أن تطأ طليعة فرنسية ساحل اللاذقية. كليمان-غرانكور نفسه كتب عن كتلة جبلية وعرة تضاريسها تقطع كل تقدم عسكري لا يعرف مساربها، وسكانها يحملون السلاح منذ الصغر، ويعيشون خارج الضبط الحكومي الفعلي. ما فعلته فرنسا أنها وجدت هذا الجبل قائما فأعادت ترتيبه. الفارق كبير بين أن تعيد ترتيب واقع موجود وبين أن تخلق شعبا من العدم.
الكذبة الثانية أن العلويين استقبلوا الفرنسيين أو أنهم على الأقل لم يواجهوهم بما يستحق ذكرا. وهذه الكذبة لا تحتاج إلى رد طويل، لأن الرد موجود في المصدر الفرنسي نفسه، كتب كليمان-غرانكور بوضوح لا لبس فيه أن العلويين قبل أن يقبلوا السيادة الفرنسية ألحقوا الهزائم بالمفارز الفرنسية وأبدوا مقاومة مشرفة. هذه الجملة اعتراف ضابط فرنسي يكتب من موقع المنتصر في كتاب عنوانه نفسه مبني على وصف خصومه بقطاع الطرق.
الكذبة الثالثة تقبل وجود شيخ صالح العلي كشخصية تاريخية لكنها تقول إنه كان مجرد رجل منفرد خاض مغامرة شخصية في جبل غير معني بما فعله. هذا التأطير يتجاهل أن الشيخ صالح كان زعيما عشائريا ورث نفوذ أبيه، وكانت قاعدته القبلية والمناطقية هي التي جعلته قادرا على تحويل مظالم جبل بأكمله إلى تنظيم عسكري صمد ثلاث سنوات. حين حاصر القدموس ليس وحده، حين نصب الكمائن في نيحا ليس وحده، حين تواصل مع هنانو في الشمال وبعث إليه الرسل وتلقى أمدادا منه ليس وحده.
الكذبة الرابعة تقرأ تسليم السلاح عام 1921 على أنه فعل ولاء طوعي أو دليلا على أن العلويين كانوا راضين عن وجود فرنسا. لكن هذا التسليم جاء في نهاية مسار من الضغط لا مثيل له في تاريخ الجبل، أربعة أرتال تتحرك في توقيت واحد، محكمة عرفية في اللاذقية تصدر حكما غيابيا بالإعدام، طائرات تلقي صور الحكم فوق قرى الجبل، وشيخ يمضي عاما كاملا متنقلا في مخابئه. من يسلم سلاحه في هذا الجو يسلم لأنه يحسب ما تبقى له من خيارات ويجد أن الاستمرار بلا أمل عسكري تكلفة بلا غاية. كلمة «حملتهم» التي استعملها كليمان-غرانكور في وصف ما فعلته الأرتال الأربعة تعني، أفرزت ضغطا لا خيار أمامه.
الكذبة الخامسة تأخذ وجود أبناء الجبل في قوات المشرق الخاصة بعد سنة 1921 وتحوله إلى دليل على عمالة جماعية سابقة للإخضاع. لكن الذين التحقوا بالخدمة الفرنسية بعد 1921 لم يكونوا هم أنفسهم الذين حاربوا في صفوف الشيخ صالح. والجيل الشاب الذي ترعرع بعد انتهاء المقاومة المسلحة وجد أمامه واقعا مغايرا، الجبل المقفل الذي كان فيه السلاح هو الرازق أصبح تحت إدارة لها مدارس وطرق ومستشفيات ووظائف. والتحول من جبل محارب مقاوم إلى جبل داخل في ترتيبات الانتداب هو تحول تاريخي اجتماعي اقتصادي، ومن يحاكم التجنيد العلوي عليه أن يحاكم التجنيد الشركسي والدرزي وكل من دخل في منظومة القوات الخاصة بالمعيار نفسه.
الكذبة السادسة تحول الحكم الذاتي إلى دليل على انفصالية في الدم وخيانة للوحدة السورية. لكن الخوف من دمشق الذي كان يغذي بعض مطالب الحكم الذاتي كان خوفا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا من المركز القوي. والداخل العلوي نفسه تعددت فيه المواقف، ومنها من مال إلى الوحدة ورأى في الانتماء إلى سوريا أفقا أوسع.
الكذبة السابعة والأشمل هي التي تقول إن العلاقة مع فرنسا كانت خاصية علوية حصرية. لكن فرنسا تعاملت مع أعيان من دمشق وحلب وحماة وحمص، وجندت الشركس ووجدت فيهم قوات مجربة، وفاوضت زعماء الدروز، ورسمت لواء إسكندرون ليبقى بعيدا عن دمشق، واعتمدت على موظفين مسيحيين في إدارة المدن. في كل بيئة سورية من تعاون ومن قاوم ومن ساوم ومن خاف ومن انتفع، ولا يصح استعمال معيار لاستدانة جماعة ثم رفضه حين يطبق على جماعة أخرى.
كل تاريخ يتحول إلى محكمة طائفية يصبح كذبة، وكل وثيقة تقرأ بالاقتطاع تصبح سلاحا . ومن هنا يكون الدفاع عن العلويين بإسقاط منطق التخوين الجماعي نفسه.
---------------------------------
مراجع أساسية ومسارات تحقق
Général Abel-Jean-Ernest Clément-Grandcourt, Au Levant، Histoires de brigands, histoires vraies, Paris، Victor Attinger, 1936، مع مقدمة الجنرال Édouard Brémond. نسخة BnF/Gallica، ark،/12148/bpt6k8700671.
Général Clément-Grandcourt, La tactique au Levant, Paris، Lavauzelle, 1926، وهو عمل عسكري سابق للمؤلف نفسه يساعد في فهم نظرته إلى القتال في المشرق.
الفقرة الفرنسية المركزية في هذا البحث هي عبارة كليمان-غرانكور عن الهزائم التي لحقت بالمفارز الفرنسية، وعن المقاومة المشرفة، وعن الأرتال الأربعة بقيادة العقيد نيغر التي حملت العلويين سنة 1921 على تسليم السلاح.