كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكرى انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي في مقهى الرشيد بدمشق

علاء الدين تلجبيني

متل اليوم في 4 نيسان/أبريل 1947
انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي في مقهى الرشيد بدمشق. استمر المؤتمر ثلاثة أيام، وانتهى بإعلان تأسيس حزب البعث العربي في السابع من نيسان.
بلغ عدد الحاضرين حوالي مائتي عضو من المثقفين وذوي المهن الحرة، وقُدّمت وثيقتان: الأولى كتبها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وعالجا فيها قضايا الأمة والقومية العربية، والثانية كتبها الدكتور وهيب الغانم، وعالجت الجانب الاقتصادي أو الاتجاه الاشتراكي.
انتخب الحزب خلال مؤتمره التأسيسي أول قيادة له، وضمت ميشيل عفلق عميداً للحزب، وصلاح الدين البيطار أميناً عاماً، وجلال السيد، والدكتور وهيب الغانم.
أقرّ المؤتمر دستور الحزب، مع مقدمة مؤرخة في 17 حزيران 1947، تضمنت التعريف التالي:
(حزب البعث العربي منظمة سياسية، قومية، شعبية، اشتراكية، انقلابية، تأسست عام 1359 هجري/1947 ميلادية، تناضل :في سبيل الوحدة والحرية والاشتراكية).
وتضمن الدستور المبادئ الأساسية: وحدة الأمة العربية وحريتها، شخصية الأمة العربية، رسالة الأمة العربية.
كانت فكرة الإحياء العربي قد ظهرت إلى الوجود عام 1940 عبر حركة أنشأها شابان من دمشق كانا قد درسا في فرنسا بين 1929–1933، وتأثرا هناك بفلسفة نيتشه وفيخته وهيغل، كما شدتهما مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي المؤيدة للحركات الوطنية.
وهما: شاب مسيحي يُدعى ميشيل عفلق، وشاب مسلم يُدعى صلاح البيطار. وفي سنة 1942 تعرّف جلال السيد، وهو شاب من دير الزور، على عفلق، الذي عرّفه على البيطار، وانطلق الثلاثة في العمل معاً.
في الحقيقة، لم يكن الفكر البعثي وليد ثقافة ميشيل عفلق فقط، بل استلهم عفلق فكرة الانبعاث الإيطالي بزعامة جوزيبي مازيني، بأهدافه (الوحدة والحرية والاستقلال)، فحمل هذه الأهداف إلى الواقع العربي، ومزجها بمبدأ الاشتراكية ليكون ذلك الفارق مع تجربة مازيني.
وبعد عودته إلى سوريا عام 1933، عمل عفلق مدرساً، وبدأ يبشر بأفكاره في أوساط الطلاب والشباب، ونشط في الوسط السياسي، وفي العام التالي حضر مؤتمر المثقفين العرب في قرنايل بلبنان، برئاسة رشدي خياط، والذي صدرت مقرراته تحت عنوان "نحن نعتقد"، واعتمدها لاحقاً كوثيقة مبادئ لحزب البعث، وكان من أبرز ما ورد فيها "تعريف العربي".
بالتوازي، برزت فكرة البعث العربي على يد رجل من لواء إسكندرون، درس الفلسفة في فرنسا، هو زكي الأرسوزي، وكان يتردد إلى مقهى الهافانا، حيث جمع حوله طلاب الجامعات والمثقفين، ولقّنهم دروساً عقائدية تنظيمية في بعث الأمة العربية، ما جعله الأب الروحي للبعث.
لكن بعث الأرسوزي بدأ يتلاشى منذ عام 1942، وانفضّ تلاميذه من حوله على صعيد العمل السياسي، بل واعتبر أنهم تخلوا عنه حين انتقلوا إلى البعث الثاني.
يقول جلال السيد عن الأرسوزي:
(وهذا لا يعني أن السيد الأرسوزي قد كان يضع ويردد كلمة «البعث» منذ ذلك الحين، وإنما ما نقصده أنه كان يطرح كلمة «البعث» بهذا الاسم، الذي هو ترجمة حرفية لكلمة «رينسانس» وتعني الولادة الثانية، وكان يردد معها كلمة «نهضة». وكان هذا كله في حدود البحث النظري المجرد، ولم يتخذ الأرسوزي خطوة عملية لإنشاء حزب سياسي على الطراز الذي قام عليه حزب البعث لاحقاً).
من أبرز الأسماء التي شاركت في مؤتمر التأسيس عام 1947: جلال السيد، أسعد الأسطواني، فيصل الركبي، أديب أصفري، عبد الخالق مرعشلي، سعيد سيد درويش، محمود سعدي، موسى أسعد رزق، ومن مجموعة الأرسوزي: جمال الأتاسي، وهيب غانم، سامي الجندي، نصوح القطب، أبو الخير الخطيب، زهدي باخو، أحمد بدر الدين.
ينقل جلال السيد عن عفلق والبيطار رأيهما في الأرسوزي بأنه كان أقرب إلى التفكير النازي، ولا يدخل المعاني الاشتراكية في فلسفته، فيما كان الأرسوزي يتهم عفلق بسرقة فكرة البعث.
في سنة 1952، اندمج حزب البعث العربي مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، ليصبح اسمه "حزب البعث العربي الاشتراكي"، وكان هذا الاندماج دفعة قوية للحزب، إذ اكتسب قاعدة جماهيرية من العمال والفلاحين والشباب.
في عام 1954، عُقد أول مؤتمر قومي للحزب، وتم تأسيس القيادة القومية، وتغيير لقب "العميد" إلى "الأمين العام"، وكان أول أمين عام هو ميشيل عفلق.
في عام 1956، دخل الحزب الحكومة لأول مرة، وبرز عبر ما عُرف بحكومة "التجمع القومي"، التي جاءت بعد العدوان الثلاثي على مصر، وسعت إلى تحقيق تقارب قومي معها.
ثم جاءت الوحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر، لكنها فشلت بسبب مركزية القرار، وحلّ الأحزاب، والسياسات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى اختلاف الرؤية بين البعث وعبد الناصر.
بعد انقلاب 8 آذار 1963 أصبح الحزب الحاكم في سوريا، ودخل في صراعات داخلية انتهت بسيطرة حافظ الأسد على السلطة عام 1970، واستمر حكمه حتى وفاته.
وأخيراً، سقط حزب البعث في سوريا مع مغادرة بشار الأسد البلاد في 8 كانون الأول 2024، وأُعلن حل الحزب رسمياً في 12 كانون الأول 2024.
الصورة ل ميشيل عفلق و زكي الارسوزي وصلاح البيطار