كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما تحدّث عبد الحليم خدام عن جزأرة سورية

علاء الدين تلجبيني

متل اليوم في 18 شباط/ فبراير 2001
شنّ عبد الحليم خدام، وفي محاضرة في جامعة دمشق حضرها أساتذة من الجامعة، هجومًا عنيفًا على ربيع دمشق ودعوات الإصلاح السياسي التي دعت إليها منتديات المجتمع المدني التي نشطت بعد استلام بشار الأسد للسلطة في سوريا، فيما عُرف بـ(ربيع دمشق).
كان مصطلح ربيع دمشق قد استُخدم لوصف الفترة التي تلت خطاب القسم الذي أدّاه بشار الأسد في 17 تموز 2000، حيث ساهمت كلمة الأسد في بثّ الأمل في أوساط المعارضة بإمكانية تحسين أوضاع البلاد التي ورثها عن أبيه، في بلد نظامه السياسي جمهوري برلماني، إذ قال إن “الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقًا لنا”.
حيث شهدت سوريا تغيّرات نسبية، فانتشرت منتديات (صالونات) سياسية غير رسمية عُقدت لفتح النقاش بشأن القضايا السياسية في البلاد وقضايا المجتمع المدني والإصلاحات، حتى قيل إنه لم تبقَ بلدة ولا حي إلا ونادى مثقفوها بإنشاء منتدى، وأُشيع أن عددها وصل نحو 170. وممّن بدأ على أيديهم “ربيع دمشق” الصحفي ميشيل كيلو والسياسي رياض سيف الذي أنشأ في منزله “منتدى الحوار الوطني”.
أمام ضغوط ما عُرف بالحرس القديم ورعب الإدارات الأمنية من فقدان مكتسباتهم عبر تغيير شكل الدولة وفتح الباب للعمل السياسي، أُغلقت هذه المنتديات في اليوم السابق لخطاب خدام في جامعة دمشق، بعد توقيف 10 معارضين للنظام، فانتهى “الربيع” خلال 7 أشهر، ووصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تلك الفترة وما لحقها بـ“العقد الضائع”.
شنّ خدام هجومًا شرسًا على لجان إحياء المجتمع المدني تحديدًا، ووصف أعضاءها بأنهم عملاء لسفارات أجنبية ومدسوسون، ناعيًا عليهم أنهم يريدون الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني ويهملون قضية الصراع العربي–الإسرائيلي التي هي “شاغل كل طفل في سورية وكل شيخ وكل امرأة وكل رجل”، وقال إن مثل هذه الدعوات هي “جزأرة لسوريا”، قائلاً:
((في هذا المجال أريد أن أشير إلى التجربة الجزائرية: الرئيس السابق الشاذلي بن جديد قرر أن يقوم ببروسترويكا. جيد، من حقه. ألقى خطابًا اتهم “حزب جبهة التحرير” واتهم الدولة كلها بالفساد والخراب، وأجرى انتخابات. أمر طبيعي أن تنجح المعارضة طالما رئيس الدولة يتهم جميع مؤسسات المجتمع بالخراب والفساد. جاءت “جبهة الإنقاذ الإسلامية”، ماذا حدث؟ قام الجيش بانقلاب. ماذا حدث؟ الجزائر تتمزق. إذًا قبل أن نطرح هذا الشعار يجب أن ندرس ماذا يعني المجتمع المدني)).
انتقد خدام طرح مسألة “الفسيفساء السورية” والأقليات في سوريا، وربط الطرح بما تطرحه الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية حول حق الأقليات في تقرير المصير بغية تفكيك العالم الثالث.
في اليوم السابق لمحاضرة خدام في الجامعة شنّت الأجهزة الأمنية عملية اعتقالات، وتم سحق حركة المعارضة وإغلاق منتديات ربيع دمشق.
في آذار 2000 أبلغت السلطات السورية المسؤولين عن المنتديات المحلية ضرورة الحصول على موافقة رسمية قبل 15 يومًا من انعقاد أي ندوة سياسية. وبالتزامن مع ذلك أعلن رياض سيف، النائب في مجلس الشعب، أن رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة وافق على تحريك دعوى قضائية ضده لاستجوابه بتهمة “الطعن بالمادة الثامنة للدستور والتي كانت تنص على أن البعث هو القائد للمجتمع والدولة”، وذلك ردًا على بيان أصدره سيف له علاقة بحركة السلم الاجتماعي المنوي تأسيسها.
اعتقلت السلطات السورية أبرز نشطاء “ربيع دمشق” (2000–2001) في حملة أمنية بدأت بشكل مكثف في أغسطس/آب 2001، وشملت قادة منتديات حوارية ومثقفين بتهم منها “محاولة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة” و“نشر معلومات كاذبة”. صدرت أحكام بالسجن لسنوات على شخصيات:
الدكتور عارف دليلة: أُدين بتهم جنائية وحُكم عليه بالسجن.
الدكتور وليد البني: عضو جمعية حقوق الإنسان، حُكم عليه بالسجن 5 سنوات في يوليو/تموز 2001.
المحامي حبيب عيسى: الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي، حُكم عليه بالسجن سنوات في أغسطس/آب 2001 بتهمة الاعتداء على الدستور وإلقاء خطب ونشر كتابات لإثارة عصيان مسلح.
الدكتور كمال اللبواني: حُكم عليه بالسجن 3 سنوات بتهمة محاولة إثارة عصيان مسلح.
فواز تللو: عضو منتدى الحوار الديمقراطي، حُكم عليه بالسجن 5 سنوات.
حسن السعدون: عضو مؤسس في جمعية حقوق الإنسان، حُكم عليه بالسجن عامين.
يُذكر أن خدام كان قد انشق عن النظام بعد اغتيال رفيق الحريري قائلاً:
“كان الخيار بين الوطن والنظام فاخترت الوطن لأنه باقٍ، أما النظام فهو حالة عارضة في التاريخ”!