كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من طرد السوفييت إلى التيه في الصحاري الأمريكية.. بداية تفكيك الدور الإقليمي لمصر

عمرو صابح
التاريخ السياسي مليء بقرارات لا تُقاس بنتائجها الفورية، بل بتداعياتها الممتدة عبر العقود.
وكان قرار الرئيس أنور السادات بطرد الخبراء السوفييت واحدًا من تلك اللحظات المفصلية التي أعادت رسم موقع مصر في النظام الدولي.
في يوم 8 يوليو 1972، قرر الرئيس أنور السادات طرد الخبراء السوفييت العاملين في مصر، باعتبار ذلك عربون صداقة للأمريكيين، وبادرة للانقلاب على سياسات الرئيس جمال عبد الناصر تجاه الولايات المتحدة.
فور توليه رئاسة مصر، بدأ السادات محاولاته للبحث عن حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي عبر الاتصال بالأمريكيين، وبتشجيع من السعوديين، وذلك من خلال عدة زيارات مبكرة ومتكررة لكمال أدهم، المشرف على المخابرات السعودية والمقرّب من الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز.
بدأت زيارات كمال أدهم عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، ونقل خلالها للرئيس السادات نصيحة الملك فيصل بفك الاشتباك مع الأمريكيين عبر التخلص من السوفييت. وصارح السادات أدهم باستعداده لطرد السوفييت إذا ساعده الأمريكيون على تحقيق مرحلة أولى من الانسحاب من سيناء.
في يونيو 1972، زار وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبد العزيز القاهرة برفقة كمال أدهم، وأثارا مجددًا مع السادات موضوع الخبراء السوفييت، باعتبارهم عقبة أمام التدخل الأمريكي لحل الصراع العربي الإسرائيلي. وطلب السعوديون من السادات إبلاغهم بقراره بشأن السوفييت قبل اتخاذه، حتى يتمكنوا من مساومة الأمريكيين به بما يخدم المصالح العربية.
في 8 يوليو 1972، قرر الرئيس السادات الاستغناء عن خدمات الخبراء السوفييت في مصر. ولحرصه على سرية قراره ورغبته في إحداث أكبر تأثير سياسي، فاجأ الجميع بالقرار، وهو يتصور أن الأمريكيين سيكونون سعداء إلى درجة تدفعهم للاستجابة لأي شيء يطلبه، لكن هذا لم يحدث.
يقول هنري كيسنجر في مذكراته:
«لماذا لم يقل لنا السادات ما كان ينوي فعله؟ ربما لو أبلغنا مسبقًا لكنا قدمنا له شيئًا في المقابل. في السياسة، كما في كل شيء آخر، لا أحد مستعد لدفع ثمن لشيء حصل عليه بالفعل».
وكان تعليق الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف على قرار السادات:
«لقد حقق السادات للأمريكيين أشد أحلامهم جموحًا دون ثمن».
وفي حوار للدكتور محمود فوزي، وزير خارجية ورئيس وزراء مصر الأسبق، مع الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين، قال إن هناك تفاهمًا بين الرئيس عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي جوزيف تيتو، ينص على أن خطوة مثل إخراج السوفييت من المنطقة لا تمر إلا بمقابل يتمثل في إجبار الولايات المتحدة لإسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في إطار حل شامل للصراع العربي الإسرائيلي.
وأشار فوزي إلى أن الغرض الحقيقي لعبد الناصر من وجود الخبراء السوفييت كان رفع مستوى المواجهة من المستوى الإقليمي بين العرب وإسرائيل إلى المستوى العالمي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
كان قرار السادات بطرد الخبراء السوفييت خيارًا استراتيجيًا بالنسبة إليه لتفكيك تركة عبد الناصر السياسية، وتحويل دفة السياسة الخارجية المصرية من خانة عدم الانحياز ومحاربة المشروع الأمريكي الصهيوني في العالم العربي إلى خانة الانضواء تحت هيمنة المشروع الأمريكي.
لم يقصر السوفييت في تسليح الدول العربية، وعلى رأسها مصر، بل إن أغلب تلك الأسلحة لم يُسدَّد ثمنها، وكان ذلك يتم في إطار الاستراتيجية العالمية للاتحاد السوفييتي كقوة عظمى في أهم منطقة استراتيجية في العالم.
وتثبت الحقائق والأرقام قيام الاتحاد السوفييتي بتسليح مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن وليبيا بكميات ضخمة من الأسلحة الحديثة والمتطورة، التي خاض بها العرب كل حروبهم ضد إسرائيل. وقد عوض الاتحاد السوفييتي مصر عن خسائرها في حرب 1967 التي بلغت 80% من معدات جيشها، وساعد عبد الناصر على إعادة بناء الجيش المصري من الصفر. بل إنه خلال المرحلة الأخيرة من حرب الاستنزاف، تولت قوات سوفييتية من كتائب صواريخ وطيارين، مع القوات المصرية، حماية سماء مصر من غارات العدو، وإقامة حائط الصواريخ على الضفة الغربية لقناة السويس.
وفي عهد السادات، واصل الاتحاد السوفييتي دعمه لمصر عبر صفقات ضخمة للتسليح في أكتوبر 1971، ومايو 1972، ومارس 1973. وتميزت هذه الصفقات بدخول نوعيات متطورة من المعدات العسكرية مثل دبابة T-62، والعربة المدرعة المتطورة، والمدفع الميداني طويل المدى، وصواريخ سكود أرض–أرض، ووحدات الصواريخ سام-6 المتحركة ضد الطيران المنخفض والمتوسط، وطائرات سوخوي 9 و17، وطائرات ميغ-23، وصواريخ سام-3 وسام-6 وسام-7 المعدلة.
وخلال حرب أكتوبر، بدأت الإمدادات العسكرية السوفييتية لمصر وسوريا مبكرًا عبر الجسر الجوي اعتبارًا من 9 أكتوبر 1973، بعدد 900 رحلة حملت نحو 15 ألف طن من المعدات والأسلحة. كما وصلت الإمدادات عبر النقل البحري اعتبارًا من 9 أكتوبر 1973 بوزن 63 ألف طن لمصر وسوريا، ليصل إجمالي المساعدات السوفييتية خلال الحرب إلى 78 ألف طن.
وفي 9 أكتوبر 1973، وصلت أربع طائرات ميغ-25 وتمركزت في مطار غرب القاهرة، ومعها 400 فرد سوفييتي من طيارين وفنيين وإداريين لردع إسرائيل عن شن أي هجوم جوي على الجبهة الداخلية. كما وصلت في اليوم نفسه مدفعان صاروخيان سكود أرض–أرض بعيد المدى مع مدربين سوفييت، ووصل في 12 أكتوبر 1973 اللواء الثالث صواريخ سام-6.
لم تقتصر خسائر مصر من قرار السادات بطرد الخبراء الروس على الجانبين العسكري والسياسي، بل امتدت أيضًا إلى الجانب الاقتصادي.
يقول الدبلوماسي وعضو تنظيم الضباط الأحرار جمال منصور، الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية، في مذكراته «في الثورة والدبلوماسية»:
«لم تمر بضعة أيام على خروج الخبراء الروس من مصر بعد قرار الرئيس السادات بطردهم، حتى اتصل بي تليفونيًا المهندس محمد المهيلمي، رئيس هيئة التصنيع في وزارة الصناعة، وقال بالحرف الواحد: نحن واقعون في مأزق، إن خروج الخبراء السوفييت بتلك الطريقة أدى إلى توقف مصانع بالكامل، توقفت مصانع الأسمنت عن الإنتاج مما يسبب لمصر خسارة فادحة. وهنا جال في خاطري ثلاثة أمور:
1- ألم يكن هناك مسؤول واحد يقف أمام الرئيس ليبلغه باستحالة الاستغناء عن هؤلاء الخبراء في بعض المجالات بدلًا من التهليل والتصفيق والانصياع لقرار خاطئ مؤثر على اقتصاد مصر؟
2- تذكرت كلام السفير السوفييتي في آخر لقاء معي حين قال: السادات أخطأ في اتخاذ تلك الخطوة، وللأسف مصر ستدفع ثمن هذا القرار الخاطئ.
3- أدركت أنه لا بد من عودة سياسة الباب الموارب مع السوفييت وإعادة الاتصال بهم فورًا.
وبعد اتصالات ولقاءات مع السوفييت وافقوا على عودة عدد محدود من الخبراء لإعادة تشغيل المصانع المصرية المتوقفة، وبزيادة من 40% إلى 50% في أجورهم عما كانت عليه قبل قرار الطرد. وبعدها عاد الخبراء وعادت المصانع المصرية للعمل».
في 21 يونيو 1967، زار الرئيس السوفييتي نيكولاي بودغورني مصر، وقابل الرئيس جمال عبد الناصر الذي قال له:
«لقد هُزمتم في الحرب معنا بل قبلنا، وستكون كارثة لو لم تدركوا أن سقوط مصر في يد الأمريكيين معناه سقوط العالم الثالث كله، وخسارتكم للحرب الباردة حتى وإن كان لديكم مليون قنبلة ذرية، يعلم الجميع أنها لن تُستعمل أبدًا».
وخلال حديث لعبد الناصر مع وفد من القادة السوفييت برئاسة ليونيد بريجنيف أثناء زيارته للاتحاد السوفييتي في يوليو 1970 قال:
«مصيركم كقوة عظمى على المحك وليس مصير نظام حكمي فقط. قبل الثورة الليبية كان إسقاط النظام المصري هدفًا أمريكيًا، والآن يُعلن الأمريكيون بوضوح أن إسقاط النظام المصري ضرورة.
إن المعركة الدائرة الآن ليست معركة تحرير أراضينا فقط، بل هي أيضًا معركة تصفية الوجود السوفييتي في الشرق الأوسط والبحر الأحمر وأفريقيا.
إذا لم تستطع مصر، لا سمح الله، أن تصفي آثار العدوان عليها وعلى الأمة العربية واضطرت للاستسلام وقبلت بحل جزئي للصراع العربي الإسرائيلي، فإن الاتحاد السوفييتي سوف يخسر الحرب الباردة».
للأسف، تحققت نبؤة الرئيس جمال عبد الناصر، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973.
_____