كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إرهاصات الثامن من آذار 1963.. الذكرى ناقوس تدق في عالم النسيان

علي سليمان يونس- فينكس

ثورة الثامن من آذار المجيدة..
أقول:
ماذا يعني الحديث عن أهمية ثورة الثامن من آذار، من عاش فترة الانفصال وقبلها مرحلة الانقلابات يعرف ذلك.. إنه يعني الحديث عن نضال حزب البعث العربي الاشتراكي، يعني أن نتذكر رفاقنا في (اللجنة العسكرية) ونؤدي لهم تعظيم سلام.. الذين قاموا بالثورة ولم يكن معهم أحد من المدنيين. يعني الحديث عن رفض التجزئة، والعمل لإقامة تضامن عربي واسع يهدف لتحقيق مبادئ الثورة وأهداف الجماهير في تحرير الأرض والإنسان. إنه يعني إعادة الألق والوهج والتجديد للثورة، وعدم شطبها بتنظيرات همايونية وانتزاعها من الذاكرة الجمعية.. إنه يعني ان يستلهم رفاقنا في الحزب أهدافها ومبادئها ويعملوا على تطويرها وتجديدها.. إنه يعني عندي الكثير..صلاح جديد و أمين الحافظ في حفل
قال الشاعر:
لولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زهت ببني العباس بغدان.
وانا أملك الجرأة لأقول: لولا ثورة آذار لما كانت الحركة التصحيحية..
فالثورة، عدا عن كونها تتويج لنضال الحزب، فقد جاءت رداً طبيعياً على الانفصال (رغم أنها لم توفق لاحقاً في إعادة الوحدة مع الراحل جمال عبد الناصر، وربما تجلت الوحدة لاحقاً بأبرز معانيها بوحدة القرار في حرب تشرين 1973..). كانت الثورة تلبية لآمال المواطنين في القضاء على الاستغلال وبناء مجتمع متحرر قادر على تحقيق آماله في بناء مجتمع الوحدة والحرية والاشتراكية. وقد وجد الحزب نفسه في مواجهة تحديات داخلية وخارجية كبيرة، كان أهمها سيطرة العقليتين: اليمينية الرجعية، والمناوِرة المتسلطة، على قيادة الحزب والدولة والنضال الشرس لإبعادهما عن قيادة الحزب والدولة.. ولا يتسع المجال هنا للتفصيل.. (لقد كتبت في المجموعة الكثير عن تلك المرحلة منذ الثورة حتى فجر التصحيح). وكان الانعطاف البارز في مسيرة ثورة آذار انعقاد المؤتمر القومي السادس عام 1963م، الذي شكّل محطة مهمة بإقراره (بعض المنطلقات النظرية)، واتخاذه قرارات سياسية وتنظيمية واقتصادية مهمة. وجاءت الحركة التصحيحية عام 1970 م بقيادة الخالد حافظ الأسد كنتيجة طبيعية لثورة آذار وبعثت وهجها الوطني والقومي في إطار تجديد الحزب لنفسه وكترجمة عملية لأجندة الثورة في كل المجالات. واستمرت سورية، على الرغم من ضخامة التحديات، في التأكيد على دورها القومي من موقع الدفاع عن الحقوق والمصالح العليا للأمة العربية. هذا الحضور وهذا الدور يعود الفضل فيه إلى حكمة القائد حافظ الأسد (انزل الله عليه شآبيب رحمته)، مما جعل سورية في عهد التصحيح المجيد تحتل مكانة بارزة ومهمة في محيطها العربي، ومكّنها من أن تؤدي دوراً رائداً في نضال الأمة العربية. وقد أكدت ثورة آذار دوماً أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية، كما وقفت دائماً، ولا تزال إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني، هذا النضال الذي كانت ثورة آذار حريصة على احتضانه ودعمه وكانت ولا تزال وستبقى تقف إلى جانبه وتسانده وتمده بكل أشكال الدعم، حتى إقامة دولته المستقلة من البحر إلى النهر، وجلاء آخر محتل عن فلسطين. (هذا الموقف- ورغم جحود ونكران بعض القيادات الفلسطينية سابقا ولاحقا – فقد كلف الشعب السوري التضحيات الجسام منذ نكبة فلسطين وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر). لقد كان قدر سورية أن تختار طريق الصمود، وأن تواجه التحديات والضغوط والتهديدات، فكان إشعال الحرب الأهلية في لبنان، ومن ثم احتلال «دويلة الكيان» لأجزاء واسعة من أراضيه، وصولاً إلى فرض اتفاق الإذعان في 17 أيار 1983. ولم يكن أمام سورية وثورة آذار من خيار غير خيار الصمود والوقوف بكل قوة وتصميم إلى جانب لبنان، ونصرته.
ومما لا شك فيه أن هذا الموقف القومي الثابت والمضحي الذي وقفته سورية إلى جانب لبنان (رغم جحود البعض، وخاصة جماعة ال/ 14/ ح...) يؤكد بوضوح على أهمية الدور القومي الذي نهضت به سورية في حماية وحدة لبنان أرضاً وشعباً، وإحباط مخططات تقسيمه وإسقاط اتفاق الإذعان الذي أريد فرضه عليه، وكذلك دورها فيما بعد في تحقيق السلم في ربوعه، ودعمها الذي استمر للمقاومة اللبنانية، وصولاً إلى إرغام الاحتلال الصهيوني على الانسحاب من الأراضي اللبنانية كافة.. لقد جاءت ثورة آذار لتشكّل إنجازاً وطنياً وقومياً مهماً في تاريخ سورية المعاصر، في ظل ظروف صعبة عاشها الوطن والأمة، جراء التخلف والتجزئة، والانفصال، كما كانت أيضاً دعماً وتعزيزاً للفكر القومي العربي، ضد الرجعية والتجزئة والاستغلال.
وختاما فأنا على يقين تام ان الثورة في عيدها الحادي والستين بقيادة حزب البعث، وأمينه العام الأسد بشار، وبتضحيات أبطال قواتنا المسلحة، ودعم شعبنا الصامد، قادرة على تجديد شبابها، وإلحاق الهزيمة بأعدائها في الداخل والخارج..
********** 
ما إن أعلن العقيد عبد الكريم النحلاوي في 28 آذار 1962م، عن انقلابه (الثاني) حتى حدث عصيان في مدينة حمص ضده، وكان ذلك بتاريخ 31/ 3/1962."، كان الاتفاق أن يبدأ العصيان في كل المناطق من قبل حركة الضباط الأحرار في 1/ 4". ولكن تغير الموقف باعتقال قائد اللواء المدرع بحمص العقيد تيسير طباع، عند مدخل حمص وهو قادم من دمشق.. وجرت اتصالات بين قائد الجيش اللواء عبد الكريم زهر الدين (رحمه الله كانت تربطني به علاقة محبة واحترام)، وبين قائد المنطقة الوسطى العميد بدرالدين أعسر "ناصري"، وكان فحوى المحادثة ان التمرد أو العصيان في حمص ليس موجها ضد اللواء زهر الدين قائد الجيش وإنما ضد انقلاب النحلاوي وشلته من صغار الضباط الذين يفرضون إرادتهم على لجنة الضباط وعلى عناصر القيادة وهم يمهدون تدريجيا للسيطرة على القيادة العامة وإزاحة كافة العناصر الوحدوية والحيادية الأخرى وعلى رأسها قائد الجيش... ثم اخذ بعض ضباط المناطق الأخرى كالجبهة والسويداء وحلب واللاذقية يتصلون بقيادة الجيش ويطلبون حل موضوع حمص وكانوا يغمزون باتصالاتهم إلى ما يدل على تأييدهم لمطالب منطقة حمص وتأييد عصيانها، بينما كانت القطعات المحيطة بدمشق ترغب بالزحف إلى حمص لإنهاء العصيان بالقوة... وهكذا ظهرت بوادر الانقسام في الجيش، وبرزت في كل قطعة فئتان:
إحداها تؤيد عصيان حمص، والأخرى: تؤيد القيادة وتطالب بالقتال...
تم إرسال وفد من قيادة الجيش إلى حمص لمقابلة الضباط العصاة وبعد المقابلة عادوا بلائحة من المطالب.. وكذلك حضر ضباط الفئه الثانية إلى القيادة وطالبوا أيضا بمطالب معاكسة لمطالب ضباط حمص...
وقد قرر اللواء زهر الدين عقد مؤتمر في حمص لدراسة المواضيع الشائكة وحلها. وبتاريخ 1/ 4/1962، أصدر أمرا إداريا بعقد اجتماع في نادي ضباط المنطقة الوسطى يضم مندوبين عناللواء محمد ابراهيم العلي القيادة العامة والمناطق والأسلحة والإدارات والألوية والمدارس ومراكز التدريب، لدراسة الحلول المقترحة والعرض خلال 24 ساعه فقط... وقد ترأس الاجتماع اللواء وديع مقعبري قائد سلاح الطيران، وقد حضر عدد كبير من الضباط (أكثر من 40 ضابط) ممثلين عن تشكيلات الجيش كافة... وقد اجتمع الضباط فعلا وجرى في هذا الاجتماع استعراض طلبات المناطق العسكرية.. وشعورا من المجتمعين بأهمية الظرف الذي تمر به البلاد بوجه عام، والجيش بوجه خاص فقد أجمع المجتمعون بما يشبه الاتفاق على الأمور التالية:
1 - إبعاد الضباط التالية أسماؤهم خارج البلاد وهم:
العميد عبد الغني دهمان- العقيد عبد الكريم نحلاوي- العقيد مهيب هندي- المقدم هشام عبد ربه- الرائد بسام عسلي- والنقيب عادل الحاج علي.
2 - إعادة تشكيل هيئة القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة.
3 - دراسة موضوع الوحدة مع مصر.
4 - تشكيل الحكومة الانتقالية التي ستدير البلاد خلال الفترة الحاضرة التي تمر بها وأسس هذا التشكيل.
5 - إعادة النظر في الضباط المحالين إلى التقاعد (معظمهم من البعثيين وجزء من الناصريين) بعد 28/ 9/1961 على ضوء نتائج التحقيق في وضع كل منهم من قبل لجنة حيادية.
6 - طلب العفو العام عن العسكريين الذين اشتركوا في حوادث يوم 31/ 3/62 وحتى موعد انعقاد هذا المؤتمر والتعويض على العسكريين الذين توفوا أو أصيبوا بأحسن الشروط التي تسمح بها القوانين النافذة المعمول بها.
وافقت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة على كل ما ورد من مقترحات وتم إبلاغ كافة المناطق، والمباشرة بتلبية التوصيات المستعجلة التي أقرها المؤتمرون وأولها كان ترحيل النحلاوي ورفاقه إلى خارج البلاد، وقد غادروا البلاد فعلا قبل الوقت المحدد أي قبل مساء يوم الاثنين الواقع في 2/ 4 / 1962...مرسوم اعدام محمد ابراهيم العلي بتوقيع ناظم القدسي
أقول:
(إن النحلاوي وزمرته تسللوا إلى البلاد بعد عدة أشهر وحاولوا الاستيلاء على السلطة للمرة الثالثة).
وأقول:
(إن موجة العداء التي كان الجيش يضمرها للنحلاوي ورفاقه كبيرة جدا وذلك لأنه "تنكر لزملائه الذين تحملوا مسؤولية انفصال 28 أيلول معه وضربهم واحدا بعد الآخر مبتدئا بالمقدم حيدر الكزبري، وهذا ما جعل الفئة التي كانت تدعم النحلاوي تبتعد عنه خاصة بعد حركه 28 آذار، كما قام بتسريح الضباط البعثيين والناصريين .. ).
 *********
 كان من المفروض ان تعود الحياه الطبيعية إلى أوساط الجيش بعد موافقة قيادة الجيش على مقررات مؤتمر حمص والمباشرة بتنفيذ تلك المقررات، غير أن ذلك لم يرق للعقيد جاسم علوان "ناصري" والعقيد لؤي الأتاسي "بعثي"، وغيرهما من الضباط الذين كانوا مصممين على تبديل الأوضاع بكاملها ولذلك انسحبوا بعد مؤتمر حمص إلى مدينه حلب. وهناك قام الملازم أول: محمد إبراهيم العلي "لاحقاً وزير الجيش الشعبي- رحمه الله لقد كان مناضلاً حقيقياً وأخاً وصديقاً غالياً" مع جماعة من المظليين باقتحام قيادة المنطقة الشمالية ونتيجة خطأ في تقدير الموقف، قتل أربعة من المسؤولين العسكريين البارزين وهم: "الرائد صفوت حللي رئيس فرع الأمن السياسي، والرائد نصوح النعال قائد كتيبة المغاوير، والنقيب كامل عرنوس رئيس فرع المخابرات العسكرية، والنقيب جمال قباني قائد سرية الشرطة العسكرية". وتم اعتقال قائد المنطقة الشمالية العميد: محمد هشام الميداني. (أما محمد إبراهيم العلي فقد دخل السجن، وحكم عليه بالإعدام، وتم العفو عنه بعد قيام ثورة 8 آذار). واستولى الضباط الأحرار على إذاعة حلب، وأعلنوا عن قيادة جديدة أطلقوا عليها اسم "قياده الضباط الأحرار".
أقول: حركة الضباط الأحرار كانت تضم ناصريين وبعثيين، ولكن بعد قيامها، غدر الناصريون بالبعثيين وأعلنوا قيام الجمهورية العربية المتحدة - الإقليم الشمالي بحلب من طرف واحد..."، وأخذوا يذيعون البيانات المختلفة التي تشير إلى أنهم يمثلون الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، كما وجهوا نداءات إلى القاهرة يطلبون فيها مدهم بالقوات العسكرية، وأجروا اتصالاً هاتفياً مع "عبد الحميد غالب" سفير مصر في بيروت للتوسط مع القاهرة بخصوص مدهم بالإمدادات العسكرية، ثم باشروا بتسليح المقاومة الشعبية واستدعاء أحد ألوية الاحتياط وبعض قطعات المنطقة الشرقية للتمركز في حلب ومقاومة باقي وحدات الجيش... والحديث عن تصرف الناصريين لا يدعو للتفاؤل، وخاصة العميد بدر الأعسر في حمص (الذي كان يقايض على إنهاء العصيان مقابل تعيينه ملحقاً عسكرياً)، والعقيد جاسم علوان في حلب الذي أعلن نفسه قائداً للجيش... وهذا يحتاج إلى مقال آخر...
إن حركة الضباط الأحرار كانت بمثابة استطلاع بالقوة لثوره الثامن من آذار أو كما يقال "مشروع تدريبي".. وما يهمني هنا، وحديثي عن حركة الضباط الأحرار، هو الإجابة عن تساؤل أحد الزملاء: أين كان الرائد صلاح جديد والنقيب حافظ الأسد من هذه العملية؟
كان الرفيقان النقيب حافظ الأسد والرائد صلاح جديد (بالرغم من كونهما خارج الخدمة) من المخططين الأساسيين لحركة الضباط الأحرار باعتبارهما من الأعضاء المهمين في اللجنة العسكريةالقيادي البعثي عبد الكريم الجندي ومن مؤسسيها. و كان دور الرفيق صلاح ومعه الرفيق عبد الكريم الجندي يتلخص في أن يؤمن لهما الرفيق النقيب: محمد رباح الطويل، الدخول إلى معسكرات المدفعية في القطيفة ومعهما الرفيق حافظ الأسد، الذي كان عليه أن يأخذ من هناك سرية مدفعية وبعض عناصر من المشاة ثم يتوجه بهذه القوة إلى مطار الضمير فيستولي عليه، وبذلك تتم السيطرة على أهم قاعدة جوية وأكبرها.. واذا ما أضفنا إلى هذا سيطرة الرفاق في حمص وحلب والمنطقة الشرقية ومنطقه السويداء والمنطقة الساحلية، كما كان مفترضاً، تكون الحركة قد سيطرت على معظم تشكيلات الجيش السوري المقاتلة. لكن مبادرة العميد الأعسر بإعلان العصيان في المنطقة الوسطى نبهت المسؤولين في دمشق فاستنفروا القوات القريبة من العاصمة كافة وبذلك فوتوا على الرفيق محمد رباح الطويل إمكانية السيطرة على موقع القطيفة. فاضطر الرفيقان حافظ وصلاح إلى ان يتوجها في 31 آذار إلى مدينه حمص ونزلا في فندق "رغدان" ليكونا قريبين من المقدم محمد عمران الذي كان حلقة الاتصال مع العميد بدر الأعسر، فيتمكنان بذلك من مراقبة تطور الأحداث وهناك اتصلا بالمقدم محمد عمران في قيادة المنطقة الوسطى فحضر إليهما وبعد النقاش قال لهما المقدم عمران إنه سوف يتوجه إلى حلب، ومن الأفضل ان يلحقا به صباح الغد أو في أي وقت مناسب حتى إذا ألقي القبض على واحد منهم بقي الآخرون سالمين.. وقد استأجرا تكسي وتوجها إلى حماة على أساس ان الملازم أول محمد إبراهيم العلي كان ينتظرهما في الطريق (وعندما لم يجداه.. كونه غادر حمص إلى حلب عندما علم بأنه سيعتقل) فقررا التوجه إلى مصياف، ومن هناك إلى القدموس، فبانياس فاللاذقية، لمحاولة إنقاذ الموقف بضم المنطقة الساحلية وقيادة القوى البحرية إلى المنطقة الشمالية وبذلك يعوضان جزئياً عما أحدثه غدر العميد الأعسر.. وقد اطمئنا إلى هذا القرار لأن الرفيق الرائد البحري عدنان عبد الله كان قد وعد اللجنة العسكرية بأن القوى البحرية ستكون في صف الحركة المناهضة للانفصال.. وفي اللاذقية بعد أن استعرض الرفيقان الوضع العسكري وضرورة إسهام القوى البحرية في مؤازرة حركة الضباط الأحرار أبدى الرائد عدنان تخوفاً كبيراً من الفشل... وهكذا عاد الرفيقان حافظ وصلاح بخيبة مُرة وبألمٍ من تصرفات الرائد عدنان.. [لقد أثر هذا الموقف تأثيراً سلبياً على وضع الرائد عدنان عبد الله عسكرياً بعد الثامن من آذار، فعلى الرغم من أن أصحاب العلاقة حافظ وصلاح قد غفرا له هذه الذلة إكراما لأخيه الرفيق منير وشقيقته الرفيقة سعاد.. إلا أن الرفيقين عبد الكريم الجندي وحمد عبيد لم ينسيا الأسية، وكان كل ما طرح اسمه لتسلم منصب عسكري يثور عبد الكريم ويهدد بالانسحاب من اللجنة إذا ما أسند للرائد عدنان عبد الله منصب هام.. أما الرفيق حمد فكان يقول "قز القرد" وهي شتيمة.. والله لن يكون لأي متخاذل أي دور في ثورتنا].
وتركا اللاذقية ليلاً وتوجها إلى بانياس، ومن هناك توجها إلى طرطوس واجتازا الحدود السورية ودخلا لبنان، ثم تابع الرفيقان حافظ وجديد باتجاه طرابلس حيث نزلا من السيارة على مدخل البلدة ودخلاها سيراً على الأقدام فباتا في أحد الفنادق، وفي الصباح أثناء تجولهما في السوق تعرفت إليهما دورية من المخابرات العسكرية اللبنانية، فألقت القبض عليهما، وأودعتهما في سجن (الميه وميه). وفي اليوم التالي نُقلا إلى سجن الرمل في بيروت. وبعد أسبوع سُلما إلى المخابرات العسكرية السورية التي وضعتهما في سجن المزة مع 57 من رفاقهم من البعثيين وبعض الناصريين [الذين سلموا انفسهم بعد إخماد الحركة بالقوة] أمثال: الرائد حمد عبيد والرائد عبد الكريم الجندي ومصطفى شربا وعدنان الدباغ ومحمد ابراهيم العلي وسعيد الدباح ومحمد الحاج رحمون وثابت بلال ولؤي الأتاسي ومصطفى طلاس ومحمد النسر ورئيف علواني ووليد حمدون ومحمد شنيوي ومحمد عمران وعبد الله عمرايا وآخرون...
وقبل أن أنهي هذا الحديث لابد من كلمة ختامية حول حركة الضباط الأحرار..
مما لا شك فيه إن الذين نفذوا أو شاركوا في الحركة كانوا من الضباط المناضلين الشجعان، واذا كانت الخبرة السياسية تنقصهم فإن إيمانهم بالوحدة كان فوق حدود التصور، ولكن كان لانعدام وحدة القيادة أثر بعيد في إخفاقها، كما أسهمت المناورات التي كان يقوم بها الناصريون وسحب اللحاف إلى ناحيتهم في خلق جو من عدم الثقة بين الطرفين الأساسيين في الحركة أعني البعثيين والناصريين كل ذلك أدى إلى الفوضى والارتجال وعدم الجدية في التصدي للتطورات. لقد فتحت الحركة وعي الضباط في القوات المسلحة على أنه لا يجوز للطغمة الانفصالية ان تستمر في قيادة البلد وبخاصة أن طابع الحكم أصبح رجعياً أيام الانفصال، وهذا أمر تجاوزته سوريا بدءاً من أوائل صلاح جديدالخمسينات، لذلك لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. كما كان لخروج دهاقنة الانفصال خارج سوريا أثر إيجابي على القوات المسلحة وأصبح القادة الجدد لا يهمهم النظام لا بكثير ولا بقليل لأن معظمهم من الضباط الحياديين والذين صفا لهم الجو بعد خروج البعثيين والانفصاليين والناصريين من الساحة، وهذا الأمر سهّل على رفاقنا توجيه ضربة نهائية للنظام في صبيحة الثامن من آذار دون إراقة نقطة دم واحدة، ولو كان الانفصاليون على سروج خيلهم كما يقول المثل لما تمت ثوره 8 آذار في موعدها الذي قامت به ولكانت الضحايا كثيرة. وعليه رب ضارة نافعة فقد استفاد الرفاق من الأخطاء كافة التي وقعت فيها حركه الضباط الأحرار وتم تلافيها أثناء ثورة الثامن من آذار..
وأختم بالقول إن حركة الضباط الأحرار كانت هي بداية الطريق إلى ثورة آذار..