كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مونتسكيو.. 1689- 1755 2 من2

مروان حبش- فينكس

تقوم نظرية مونتسكيو السياسية على التوازن: (يجب أن توقف السلطة السلطة): إن انفصال السلطات، والهيئات الوسيطة، واللامركزية، والأخلاق، هي أثقال توازنية. إنها قوى تمنع الحكم من الوقوع في الاستبدادية.
آ - مبدأ فصل السلطات الذي أصبح بفضله نوعاً من المعتقد الحاسم، ويجب أن لا تجتمع السلطات الثلاث بنفس الشخص. ويجب أن يكون هناك تناغمٌ بينها، ومشاركة في السيادة، بين قوى السلطات، وأيضاً القوى الاجتماعية، وضرورة وجود تطابق بين الأفكار الدستورية والأفكار الاجتماعية.
ب - القوى الوسيطة، خصوصاً طبقة النبلاءـ والبرلمانات، ويدعم مونتسكيو، بقوة امتيازات أعضائها ومنفعتهم التي يشبهها بامتيازات النبلاء، ولم يتردد في الدفاع عن شراء المناصب: (إنه ولا شك تجاوز ولكنه تجاوز مفيد).
ج – اللامركزية، اوهي التي تشكل ثقل التوازن الفعال بوجه السلطوية.
د – الآداب: وهو يرى أنه من المحال أن يُنفذ بالقوانين ما يمكن تنفيذه بالآداب: والإصلاح الحقيقي ليس سياسياً، بل فكرياً وأخلاقياً، والاعتدال في هذا المجال هو أعظم الفضائل: (إن روح الاعتدال هي التي يجب أن تسود في روح المشرع، والخير السياسي كالحير الأخلاقي يوجد دائماً بين الحدين). وما الدين إلا تزيينٌ جميل، وكابحٌ اجتماعي
تتأسس نظرية الأفكار الاجتماعية عنده، من منطلق أنَّ الحرية تقوم أساساً على الأمن (المكسب الوحيد الذي يمتاز به شعب على آخر، هو الأمن حيث يَعْرف الكل أن نزوة الحاكم الفرد لا تستطيع أن تحرم الفرد من أمواله ومن حياته). ويجب عدم الخلط بين الشعب والرعاع، ويجب ألاَّ تقع السلطة بين أيدي الرعاع. ولم يكن مونتسكيو من أنصار الليبرالية المطلقة، أي مبدأ "دع الأمور تجري في أعنتها"، إنه يعتقد بأن الدولة ملزمة بتأمين المعيشة لكل المواطنين، وعليها أن تحارب الفقر.
تناقش "روح القوانين" بشكل موجز القوانين بصورة عامة، أو حول العلاقات الضرورية النابعة عن طبيعة الأشياء، وتُبين "القوانين الطبيعية" لسلوك الإنسان أقوى حاجاته وأدناها قابلية لأن يقاومها المرء. فهي تصف، حدود وجود الإنسان وأهدافه ومعاييره الأساسية. ويختلف الجنس البشري، في وقت واحد، عمَّا هو حيواني وعمَّا هو إلهي، ووجوده الأساسي متروكاً لقيادةٍ (ذكاء) لا تنمو قدرته على المحاكمة ما لم تكن مرغمة على العمل بتأثير الصدفة، أو بتأثير ضغط خارجي. و"القوانين الطبيعية" أولية ونوعية "علاقات المساواة سابقة للقانون الوضعي"، وتوجد في الإنسان فردية تحت عقلانية، مليئة بالقلق، وتسعى بيأس، وراء الأمن والسلام. وليست "حالة الطبيعة" حالة سكونية، والإنسانية تتبين المتع والمزايا التي يمكن استخلاصها من قابلية الاجتماع، فهي تُخرج البشرية من "حالة الطبيعة" وتغوص بها فوراً في حالة الحرب، ثم تنزع الحاجات الأنانية إلى الأمن والرخاء المادي نحو السيادة دافعة بالمجتمعات إلى محاولة الاستغلال أو إلى الحماية ضدها. ومن أهوال الحرب، يكتشف العقل بعض قواعد التبادل الصحيحة التي إذا طُبقت في "الحق الوضعي"، فإنها تثبت السلام والأمن ودرجة من العدالة مرتفعة بما يكفي داخل كل مجتمع مدني في كل الظروف. ويبدو جوهر شرعية القوانين المتصلة بالسياسة على أنه قاعدة أو قواعد الفعل المتصورة ضمن هدف الأمن، وهو مقتضى الحق الطبيعي.
إن المجتمعات، برأي مونتسكيو، ليست نتاج الطبيعة، بل هي نتاج بيئات تاريخية وطبيعية شديدة الاختلاف، وتعطي "الروح العامة" لكل شعب مجموعة من حاجات شبه طبيعية أو صورة فريدة في التعبير عن الحاجات التي تشترك فيها مع كل المجتمعات الأخرى، وتكييف أهداف العقد تعاليمه وتعديلها في ضوء "الروح العامة" لكل شعب، وهو ما يقصده مونتسكيو بعلم "روح القانون".
ويرى أن الحرية السياسية، إنما هي سلطة القانون، لا سلطة الشعب، هي هذه الطمأنينة الروحية النابعة من الرأي الذي يكونه كل واحد عن أمنه. ولكي ينال المرء هذه الحرية يجب أن يكون الحكم حكماً يجعل المواطن لا يخشى مواطناً آخر.
ويؤكد أن روح التجارة هي التي تسيطر الآن، وهي تعمل لكي يكون كل شيء محسوباً من حيث طبيعتها ومن حيث امتيازاتها. وهي تغير وجود الإنسان باتجاهه إلى ضمان حماية متساوية لكل الكائنات البشرية، وتنزع إلى شفائها من كل ما يخفي حاجاتها الحقيقية. كما أن العلاقات التجارية تُعَرف الناس بمعنى "الإنسانية" الذي يكشف أنواع التعصب القديمة ذات الطبيعة الدينية العرقية أو الشوفينية. وأن التجارة السليمة بجاذبيتها تدفع إلى تناقص الميل إلى المنجزات الحربية وأخطار الحرب. وينعمون بمفاتن التنوع القومي وخصوصية كل فرد، وتتحرر الفنون وكل الفعاليات من الروح التعصبية، ومن كل عوائق الرقابة الأخلاقية. وتحمل "روح التجارة" معها، روح الزهد والاقتصاد والاعتدال والعمل والحكمة والطمأنينة والنظام والقاعدة، وتنتج نوعاً من عاطفة العدالة المضبوطة تعارض النهب والفساد. وإن روح التجارة هي التي تسيطر الآن، والتي تعمل لكي يكون كل شيء محسوباً، وعن علاقة بها من حيث طبيعتها ومن حيث امتيازاتها.
وإن مفهوم الروح العامة هي أشياء عديدة تحكم الناس: الإقليم، الدين، القوانين، مبادئ الحكم، عِبر الماضي، العادات الأخلاقية، أنماط السلوك، ومن كل هذه الأشياء تتكون روحٌ عامة تنتج فيها.
ويعرف الفضيلة بأنها الوطنية المتقدة غير الواعية التي تحرض المواطنين على اخضاع طاقاتهم الأنانية لروح إخاء متقشفة ومتصفة بالمساواة، والحرية، والأمن.
ويمكن تكثيف القول بأن روح القوانين، إنما يحددها أولاً مناخ البلد وتربته، ثم فسيولوجية الشعب واقتصاده، وحكومته ودينه، وخلقه وعاداته. ويقول (إن القوانين بأوسع معانيها وأكثرها تعميماً هي العلاقات الضروري التي تنشأ عن طبيعة الأشياء)، واستقدم "القوانين الطبيعية" في العالم المادي، والاستطرادات القياسية في التاريخ، وميَّز بين عدة أنواع من القوانين: القانون الطبيعي: وعرَّفه بأنه عقلٌ انساني، بقدر ما يحكم شعوب الأرض بأسرها، أي "الحقوق الطبيعية" لكل الناس بوصفهم كائنات وُهِبت عقلاً. – قانون الأمم في علاقاتها بعضها ببعض. – قوانين سيادية تحكم العلاقات بين الفرد والدولة. – القانون المدني يحدد علاقات الأفراد بعضهم ببعض.
ذهب مونتسكيو إلى أنه في الأطوار الأولى للمجتمع البشري كان العامل الحاسم في القوانين هو التضاريس الأرضية، وأن المناخ – محل العناية الإلهية- هو أول العوامل وأقواها في تحديد قوانين الشعب، وشخصيته القومية، واقتصاده، وأن العادات والأعراف نتائج مباشرة له أكثر من القوانين. وبتقدم الحضارة تتحكم الضوابط الأخلاقية أو القانونية في العوامل المناخية، وليس ثمة عادة أو عرف خطأ أو صواب، أو أنه الأفضل في حدِّ ذاته. والعُرف خير قانون لأنه تكيفٌ طبيعي بين الشخصية والموقف، وتأبى العادة أن تتبدل بالقانون إلاَّ بخطى وئيدة، والعادة تحدد بدورها الخلق القومي، ولذا فإن شكل الحكومة لا بد أن يختلف من مكان لآخر تبعاً لذلك.
 
المادة 16 من (إعلان حقوق الإنسان) أقرت: (بأن كل مجتمع لا تتأمن فيه ضمان الحقوق، ولا يتكرس فيه مبدأ فصل السلطات، ليس له دستور).