كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مونتسكيو 1689- 1755 وروح القوانين (الشرائع) 1 من 2

مروان حبش- فينكس

دخل مونتسكيو سيد قصر "لابريد"، في عام 1714 برلمان "بوردو" عضواً وقاضياً، وبينما كان يتولى رئاسته، قضى معظم أوقاته في الدرس والبحث، فأجرى تجارب وقدم أبحاثاً في الفيزياء والفسيولوجيا إلى أكاديمية بوردو، وخطط "تاريخاً جيولوجياً للأرض" مهدت مادته طريقه إلى كتابه "روح القوانين". وفي عام 1728، قُبل عضواً في الأكاديمية الفرنسية "مجمع الأربعين الخالدين"، ووقت زيارته لإنجلترة 1729- 1731 اختير عضواً في الجمعية الملكية في لندن، وانضم إلى الماسونية، وحضر جلسات البرلمان، وأُعجب جداً بالدستور الإنجليزي الذي مارس على القارة الأوربية إغراءً قوياً، وهو مُنَظر مبدأ فصل السلطات، ونصير الليبرالية الكاملة، وصاحب المؤلفات المعقدة.
- الرسائل الفارسية (1721)، نشرها من غير ذكر اسمه، فيها بذاءات، وأشياء تجافي الاحتشام، وهي تسليةُ رجل سعيد، عرضت نقاط الضعف والأهواء والتحيز عند الفرنسيين، ويُعري فيها مجتمع "عهد الوصاية على الملك القاصر لويس الخامس عشر وفساد حاشيته، وخمول النبلاء، وسوء إدارة أموال الدولة، كما كشفت حماقات السلوك والمعتقدات الشرقية، وتضمن بعضها مفهوم سيدة مسلمة عن الحنة: "بأنها مكان يكون فيه لكل سيدة فاضلة مجموعة من الرجال الوسيمين المكتملي الرجولة". وامتدح جمهوريات اليونان وروما القديمة، والجمهوريات الحديثة في سويسرا وهولندة، ويقول: (إن الملكية نظام شاذ غير سوي، ينزلق إلى حكم استبدادي مطلق)، - وإن كان فيما بعد تبنى رأياً مخالفاً- وفيها وضع جوهر فلسفته السياسية. ويبين كيف استطاع بطلا الرسائل الفارسيان أن يقنعا الشعب (الافتراضي) بأن " الآداب تصنع مواطنين أفضل مما تصنع القوانين " وبأن "مصلحة الأفراد توجد دائماً في المصلحة المشتركة". التعاون، الفضيلة، السعادة، وحين بدأت الفضيلة تثقل على الشعب الافتراضي أرادوا تنصيب ملكاً عليهم فاختاروا عجوزاً محترماً، ولكن أفضل النظم ليس لها إلاَّ وقت محدود. وينتهي إلى أن الحكومة ضرورية ولكنها تعجز عن تأدية مهمتها إذا لم تكن قائمة على الفضيلة في الحاكم والمحكومين، ويعجب من ساحر يُسمى البابا يحث على الاعتقاد "بأن الخبز ليس خبزاً وأن الخمر ليس خمراً". ويدين محاكم التفتيش. ويؤكد بأنه ليس تعدد الديانات هو الذي يؤدي إلى الحروب، بل روح التعصب الذي يشجع الديانة التي يعتقد أنها في صعود.
– نظرات حول أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم (1734)، نشرها من غير ذكر اسمه، طرح فيها تصوراً جديداً للفضيلة، أو الامتياز يعارض فيه المحبة المسيحية، كما يعارض، أيضاً أخلاق أرسطو. والمثال على "الفضيلة" الحقيقية التي تتفق مع طبيعة الإنسان الأنانية وتسمح للطبيعة بتلبية حاجاتها الواقعية. وهذا مجسدٌ من جانب المواطنين الذين كانوا يمارسون انفعالاتهم وكأنهم في منافسة قاسية للحصول على الأمن والسيادة وعلى المجد الأزلي. ويؤكد أن تاريخ روما هو نتاج صدف أسيء تفسيرها من أن يكون التعبير الكاشف عمَّا تتجه إليه تتجه إليه الطبيعة البشرية عندما تتحرر أو عندما يسمح لها بالتعبير عن نفسها بوعي ومهارة. فما تبينه روما هو فساد فاتن للطبيعة البشري خضعت لها الجمهوريات أكثر مما ينبغي بكثير. وهكذا يُرسي مونتسكيو أسس نظريته الجديدة بعد المكيافيلية.
ويعتبر هذا الكتاب محاولة رائدة في فلسفة التاريخ، ركَّز فيه على الأسباب الأرضية طارحاً على جنب، العناية الإلهية، باحثاً عن قوانين التاريخ (ليس الحظ هو الذي يحكم العالم، فثمة أسباب عامة معنوية أو مادية تعمل عملها في كل مملكة...). واختزل وهبط بدور الفرد في التاريخ، و "الفرد أداة الحركة العامة"، والقدر "مجموعة معقدة من عوامل تنتج الحركة الرئيسية" واعتبر الجمهورية مثلاً أعلى للعظمة.
وبكتابه هذا "ازدرى مكيافيللي الذي نادى بالحظ"، وارتفع بالتاريخ من مجرد سجل للتفاصيل إلى تحليل النظم ومنطق الأحداث، وكان يفضل أخلاق الرواقيين على الأخلاق المسيحية.
- مجموعة السيرة الذاتية. وهو ينتسب إلى نبلاء السلاح ونبلاء الرداء وقلَّما يؤمن بالتقدم "إن اقتراح الكمال في عصر هو دائماً الأسوأ".
- روح القوانين (1748)، أو (في العلاقات العامة التي يجب أن تقوم بين القوانين وبين دستور كل حكومة، والعادات والمناخ والديانة والتجارة وغيرها ...). وهو بحثٌ في العلاقات بين القوى المادية والأنماط الاجتماعية، وفي العلاقات المتبادلة بين مكونات الحضارة. واستغرق إنجازه عشرين عاماً، وصدر في مجلدين، في جنيف، دون ذكر اسم المؤلف، وحين كشف رجال الدين الفرنسيون "هرطقاته" شجبوه وصدر أمرٌ من الحكومة بمنع تداوله في فرنسا، ورُفع الحظر عنه عام 1750.
يعتبر هذا الكتاب، أعظم انتاج فكري في ذلك العصر، أنجزه بعد نصف قرن من التجربة والخبرة والدرس والبحث والتساؤل: كيف نفسر في بلد معين وجود تشريع معين؟ تلك هي غاية روح القوانين، ، ويبحث مونتسكيو عن النظام المقبول عقلياً، وفق السمات الرئيسية لأسلوبه في البحث:
آ – التنوع، ومسعى الذكاء يقوم على ادراك الفوارق، وتنوع العالم، والحكومات تتميز بحسب البلدان، ويقول: (إن الذوق والحس السليم يقوم كثيراً على معرفة الفوارق الدقيقة بين الأشياء).
ب – النسبية، إن القانون هو نظام علاقات: (وروح القوانين تقوم على مختلف الروابط التي يمكن أن تقيمها القوانين مع مختلف الأشياء)، وإن الروابط مع دستور كل حكومة، مع الآداب والعادات، مع المناخ "الذي لا أصالة له ولا صحة"، والدين والتجارة.... منطلقاً بمنهجه لحصر كل التأثيرات التي تطبق على القوانين من تحليل سوسيولوجي.
ج – الحتمية، أي تفسير الظاهرات عن طريق مبدأ العلة والسبب، وهو يؤمن بأن الأشياء لها طبيعة: (فالقوانين في المعنى الأوسع، هي الروابط الضرورية المشتقة من طبيعة الأشياء، وإن القوانين لها قوانينها، ولكن هذه القوانين معقدة، وليس المناخ ولا الآداب ولا الدستور بكافية لشرح وضع بلد ما).
د – العقلانية، إن القانون يجب أن يكون تجسيداً للعقل، ويضيف (إنها فكرة مدهشة من أفلاطون، حين يقول، إن القوانين وُضعت لتعلم أحكام العقل لمن لا يستطيع تلقيها من العقل مباشرة).
ه – الشكوكية، إن القانون من صنع المشرعين، وهم في الغالب أعجز من أن يقوموا بمهمتهم. (أغلب المشرعين كانوا رجالاً محدودين وضعتهم المصادفات على رأس الآخرين، ولم يستشيروا تقريباً إلا انحيازاتهم ونزواتهم، ويبدو أنهم تجاهلوا عظمة ومقام عملهم بالذات).
يبتدئ كتاب "روح القوانين" بنظرية فصل السلطات، مع نظرية الحكومات، ويميز في كل نظام حكم بين طبيعته "هي ما يجعله ما هو، ببنيته الخاصة"، وبين مبدئه أو دافعه "هو ما يجعله يفعل، إنه الأهواء البشرية التي تدفعه إلى الحركة". وفساد أي نظام حكم يبدأ بفساد مبادئه، وتصبح أحسن القوانين سيئة وتنقلب ضد الدولة.
ويورد ثلاثة أنماط من الحكومات:
آ – الحكومة الجمهورية وهي إما جمهورية ديمقراطية: متقشفة، بسيطة، فاضلة، وطبيعتها الشعب ككل يمارس السلطة. ومبدؤها، الفضيلة بالمعنى المدني لا بالمعنى الأخلاقي: أي حق كل مواطن في تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وإما جمهورية أرستقراطية، وطبيعتها هي أن السلطة العليا تكون بيد ملك أو عدد من الأشخاص. ومبدؤها، الاعتدال في استعمال عدم المساواة. وكلما اقتربت الأرستقراطية من الديمقراطية كلما ازدادت كمالاً.
ب – الحكومة الملكية، من طبيعتها أن يتولى الفرد الحكم فيها، ولكن الملكية ليست الاستبدادية، والملك يحكم بحسب القوانين الأساسية التي تطبق بفصل سلطات وسيطة هي (المجاري الوسطى التي بواسطتها تسير السلطة وتنتظم الأعمال). ومبدؤها الشرف أي روح التكتل الفئوي، (الفكر المسبق عند كل شخص وفي كل ظرف). ومن طبيعة الشرف أن يتطلب "أفضليات وامتيازات". وهذا تصور أرستقراطي وشبه اقطاعي للملكية.
ج – الحكومة المستبدة، التي يدينها مونتسكيو، وطبيعتها أن يتولى الحكم فيها، فرد على هواه بدون قوانين وبدون قواعد. ومبدؤها هو الخوف والإكراه ومعاملة "الرعية" كالحيوانات.
يتبع