كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في نظرية العقد الاجتماعي 2 من3

مروان حبش- فينكس

تقسم نظرية العقد الاجتماعي إلى ثلاثة، تبعاً للمفكرين الذين نظَّروا لها، واعتقدوا بوجود عقد اجتماعي يبرر ظهور المجتمع المنظم. ويُمكن القول بأنّ هناك تشابهاً في تفاصيل النظرية بين هؤلاء المفكرين، إلا أنّ هناك اختلافات في الأهداف والنتائج المرجوة. ومن المهم الفهم الجيد لتفاعل الافتراضي والواقعي في تحليل نظرياتهم، ومن أهمّ نقاط المناقشة لتطبيق هذه النظرية على الواقع هي مسألة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتي يُمكن استخدامها كمفتاح لحل معضلات قائمة في المجتمع. ولكن اختلافاً في أطراف العقد وأثره عند "هوبز ولوك وروسو". الذين تركوا تراثاً فكرياً وسياسياً هاماً بصدد هذه النظرية خاصة في مجال التنظيم السياسي والاجتماعي للدولة الحديثة.
العقد الاجتماعي عند توماس هوبز (1588-1679)
يعتبر توماس هوبز، غالباً، أنه أبو نظرية العقد الاجتماعي الحديثة لإنشاء سلطة مركزية قوية للحفاظ على النظام ومنع الفوضى. وأنه منظر الملكية المطلقة كنظام للحكم. وأعادت فلسفته السياسية صياغة مكيافيللي بلغةِ استبدادية الملك المطلقة.
لم يتفق هوبز مع أرسطو في أن الإنسان "حيوان سياسي" أي مخلوق مهيأ بالطبيعة للاجتماع، إنه على النقيض من ذلك وقال: (إن الطبيعة الأصلية للإنسان هي حالة تنافس وعدوان متبادلين، والإنسان ذئب لأخيه الإنسان، لا يوقفهما إلا الخوف والقوة، لا القانون)، وفي تصوره أنه من حالة الطبيعة المفترضة هذه خرج الناس باتفاق ضمني بين بعضهم بعضاً، على أن يخضعوا جميعاً لسلطة عامة. كما خالف هوبز، نظرية الشاعر الإنجليزي المؤيد لكرومويل والبرلمان وصاحب قصيدة "الفردوس المفقود" جون ملتون، في رسالته "ولاية الملك والحكام" 1649، كان قد فسر العقد بأنه اتفاق بين ملك ورعاياه على أنهم يطيعونه، وعلى أنه سيقوم بمهام منصبه على أحسن وجه، فإذا أخفق كان للشعب الحق في خلعه. وقال هوبز، إن هذه النظرية لم تؤسس سلطة مخولة لتنفيذ العقد، أو تحدد كيف ومتى ينقض، وآثر القول بأن هذا الاتفاق مبرم، لا بين الحاكم والمحكومين، بل بين المحكومين الذين اتفقوا فيما بينهم، ومنحوا كل سلطاتهم وحقهم في استعمال القوة بعضهم ضد بعض لرجل واحد أو لجماعة من الرجال، فإذا تمَّ هذا، اتَّحد الجميع في رجل واحد يسمى الدولة. وهذا هو "اللوثايان، التنين، الكبير، الوحش، بل منشأ الرب الفاني"، وبمقتضى هذه السلطة له الحق في أن يستخدم كثيراً من السلطات والقوة اللتين منحتا له، ومن ثم فإنه بالإرهاب يكون قادراً على تشكيل إرادة الناس جميعاً، والذي يمثل هذا الشخص ويحمل هذا العبء يسمى ملكاً، وله السلطة الملكية المطلقة لكي يحقق سلام الجماعة، وهو الذي يحدد القانون والعدالة ويحكمهما، وهو الذي يستمد سلطته من الشعب لا من الحق الإلهي، ويجب أن تُقيِّد سلطتَه جمعيةٌ شعبية أو قانون الكنيسة. ولكن ينبغي أن تركز السلطات جميعها بيده، وأن يحكم دين شعبه، لأن الحكم المطلق ضروري، ولا شراكة مع أحد كي لا ينشب أي نزاع، أو حرب أهلية. لذا لا مكان للحرية الفردية والآراء الخاصة والضمير. وإن الديمقراطية، برأيه، لا تعدو أن تكون أرستقراطية خُطباء "فما أسهل أن يهيج زعماء الدهماء مشاعر الشعب"، وينبغي أن يُقتلع من الجذور كل ما يهدد سيادة الملك، ومن ثم السلام العام.
تأثر هوبز في نظريته بالفترة التي عاشتها إنجلترا، خلال حياته، والتي تميزت بالقلاقل والاضطراب مما كان لها أثرها البالغ على تفكيره، خاصة وأنه كان يعمل معلماً للأمير شارل ستيوارت الذي أصبح ملكاً، وهذا كان له أثر على مطالبته وتأييده لسلطان الملك المطلق مع عدم إجازة محاسبته بواسطة الشعب.
ينتمي هوبز إلى فلاسفة العقد الاجتماعي الذين ينظرون إلى الدولة على أنها نتاج توافق بين مجموعة من الأفراد. ويَعتبرُ أن أساس العقد الاجتماعي هو التنازل باتفاق بين الأفراد عن حياتهم الطبيعية والقبول بطرف خارجي يحكمهم، ولا يستمد سلطته من أي اتفاق سابق. ويعتمد في نظريته على فكرة حالة الطبيعة، والتي تفترض وجود حالة شغف دائمة بين البشر تجعلهم يأتون بكل الطرق لتحقيق غاياتهم. ولهذا السبب، يعتبر أن الدولة السياسية تُبقي الأفراد تحت السيطرة والحكم الصارم، وتضمن استمرارية الحكم والنظام في المجتمع. ويقول: (بأن الإنسان الطبيعي تتحكّم فيه رغبات وحاجات تؤدي إلى حرب من الجميع ضد الجميع. ولذلك على الجميع أن يتعاقدوا مع بعضهم البعض لإيجاد حكومة لمنع هذه الحرب. ويُعْتَبر هذا التعاقد جزءاً من العقد الاجتماعي).
يرى هوبز، إن حياة الإنسان قبل قيام الدولة كانت فوضى وحروباً مستمرة، الباعث عليها الأنانية والشر الذي جُبل عليه الإنسان وكانت الغلبة دائما للأقوياء، والهزيمة للضعفاء، وكان (الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وعدواً لدوداً له)، وهذا الوضع من شأنه أن يؤدي إلى الشقاء، ولما كانت هذه الحياة المضطربة تهدد كيان الإنسان، ولا تحقق له ما ينشد من سعادة، وتتنافى مع غريزة حب البقاء، لذا فان الأفراد فكروا في وسيلة تكون منجاة لهم من هذه الحالة السيئة فكان ذلك في اختيار شخص يكون رئيساً لهم ومهمته التوفيق بين المصالح المتعارضة للأفراد، وهذا العقد الذي أُبرم بينهم، لم يدخل فيه الشخص الذي اختاروه ولم يكن طرفاً فيه، ليكون رئيساً لهم. فالتعاقد تمَّ بين جميع أعضاء الجماعة - باستثناء ذلك الفرد الذي أصبح يتولى شؤونهم- تنازلوا له عن جميع حقوقهم الطبيعية التي كانت لهم في حالة الفطرة حتى يتمكنوا من العيش في المجتمع المنظم الذي أرادوا إقامته. وتبلورت نظريته عن تنظيم المجتمع في مؤلفه المهم "اللوثيان" الذي وضعه ونشره في عام 1651م، حيث يعتقد أن الإنسان أناني وشرير بطبعه، ليدافع عن وجهة نظره في حق الملك في الحكم المطلق، في مواجهة الدعوة إلى سيادة البرلمان في انجلترا. فقد نادى (بأن أصل وجود الجماعة المنظمة إنما يرجع إلى العقد)، فالعقد هو الذي نقل الفرد من حالته الفطرية الطبيعية إلى مجتمع منظم تسود فيه طبقة محكومة وأخرى حاكمة، وأن الحالة الفطرية الأولى سادها الكثير من البؤس والكفاح، فحالة الأفراد الفطرية تتصف بالفوضى. ومن هذا المناخ الممتلئ بكل أسباب الفوضى والصراع والأنانية والشر نشأ الدافع الذي حرَّك الأفراد نحو الانتقال إلى حياة أفضل مستقرة، وكان السبيل إلى ذلك هو العقد. ويقول: (بما أن الأفراد تنازلوا للحاكم عن كل حقوقهم، فله أن يتصرف فيها بدون قيد ولا شرط، لأنهم لو تنازلوا عن بعض حقوقهم لأتيح للفوضى أن تعود من جديد وبما أن الحاكم ليس طرفاً في العقد فيجب أن تقابل أوامره بالطاعة مهما كان الأمر، لأن هذا الوضع أفضل لهم من حياة الفوضى، فهم تنازلوا عن حريتهم في سبيل الحصول على الأمن السلام). وعليه فـهو يبرر الاستبداد عن طريق العقد الاجتماعي، يبرره ولا يضع أمام القانون الوضعي من مثل أعلى.
العقد الاجتماعي عند جون لوك (1632-1704)
لم يكن المفكر الإنجليزي جون لوك من أنصار الاستبداد والطغيان بل كان من أنصار الحرية ومن دعاتها فهو لم يعمل على تبرير الاستبداد وإنما عمل على تبرير الحرية وسيادة الشعب والحكومة النيابية، وآمن بضرورة تقييد السُلط، ولعل السبب في ذلك هو أنه عاش في البيئة الانجليزية وهي بيئة حرية ومجتمع تسامح خصوصاً وأن انجلترا كانت آنذاك حديثة عهد بالتخلص من استبداد وطغيان الملك جيمس الثاني، وقد برر ثورة 1688 لتبوء الملك وليم الثالث، وفي "رسالته عن "التسامح الديني" ، ورسالتيه عن "الحكم المدني" ، لتزويد "الثورة الجليلة" بقاعدة شرعية، والأولى من رسالتي "الحكم المدني" كانت رداً على كتاب "دفاع عن السلطة الطبيعية للملك" الذي كان السير روبرت فيلمر قد ألفه حوالي 1642، تدعيماً لحقوق الملك شارل الإلهية" وللحكم المطلق لابنه شارل الثاني، وهدف في الرسالة الثانية من "الحكم المدني" البحث عن سند أقوى من الحق الإلهي لحكم الملك وليم الثالث وهو رضى المحكومين، وأتى بدفاع مؤثر عن سيادة الشعب، وبسط نظرية الحكومة النيابية، وصاغ إنجيل الحرية السياسية، وأنهى هيمنة هوبز على الفلسفة السياسية الإنجليزية. وتصور أن الأفراد في الحالة الطبيعية كانوا أحراراً متساوين وليس لأحد بالطبيعة حقوق أكثر مما لسواه، وأن كل إنسان حر بالطبيعة، وليس في إمكان أي شيء أن يخضعه لأية سلطة دنيوية إلا برضاه وموافقته، وبمقتضى العقل توصل الناس إلى اتفاق "عقد اجتماعي" الواحد منهم مع الآخر تنازلوا فيه عن حقوقهم في القضاء والعقاب، لا للملك، بل للجماعة ككل، وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي، وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها ويمكن أن يسمى ملكاً، ولكنه مثل أي مواطن آخر ملتزم بطاعة القوانين التي تسنها الجماعة، فإذا سعى إلى خرقها، أو المراوغة في تطبيقها، كان للجماعة الحق في سحب السلطة التي منحتها إياه. وأكد بأن أعلى سلطة في الدولة ينبغي أن تكون السلطة التشريعية التي يجب أن يختارها الأصوات الحرة غير المشتراة، وأن تكون مستقلة تمام الاستقلال عن السلطة التنفيذية، وأن يكون كلٌ من جهازي الحكومة هاتين رقيباً على الآخر.
يرى لوك أن حالة الإنسان الأولى لم تكن بؤساً ولا فوضى ولم تكن تحكمها قوة الطبيعة بل أن الإنسان كان متمتعاً بسائر حقوقه في ظل القانون الطبيعي ولكن أراد الخروج من هذه الحياة لتعارض مصالح الناس ولغموض القانون ولعدم وجود القاضي المنصف في كثير من الظروف ولذا أراد الناس ترك هذه الحياة والأخذ بحياة يسودها التعاون وتعمها المحبة، وهم لم يتنازلوا عن كل حقوقهم الطبيعية بل تنازلوا عن البعض الذي يحقق الصالح العام ولم يتنازلوا بصفة نهاية وإنما بصفة موقتة، وما لم يتنازلوا عنه لا يمكن للحاكم المساس به، وبما أن الحاكم طرف في العقد فإذا لم يحافظ على شروطه ولم يحقق الصالح العام جاز للجماعة فسخ العقد، والقانون الوضعي، إنما يهدف حماية الحقوق الطبيعية للأفراد تلك الحقوق التي لم يتنازلوا عنها.
يتفق “جون لوك “مع “هوبز” في أن أصل وجود الجماعة المنظمة إنما يرجع إلى العقد الذي نقل الأفراد من حالتهم الطبيعية الأولى إلى المجتمع المنظم الذي تسود فيه سلطة حاكمة، وأخرى محكومة، ولكن يختلف عن “هوبز” في تصوره لحالة الفطرة فهي في نظره لم تكن فوضى وبؤساً وشروراً، بل كان يرفرف عليها الحرية والمساواة والعدل بين الأفراد في ظل القانون الطبيعي وما دفعهم إلى هجر حالتهم الفطرية هو الرغبة في تنظيمها وهي مالم يكن ليتحقق إلا بالانتقال إلى المجتمع.
وقد رفض لوك الفكر الاستبدادي لهوبز، حيث رأى أن سلطة الأفراد على أنفسهم تعد بمثابة خصائص طبيعية لصيقة بصفة الآدمية في الإنسان، ومن ثم فهي لا تقبل بطبيعتها التصرف فيها ولا النزول عنها، وعلى ذلك فإن العقد الاجتماعي لم ينقل إلى الحاكم سلطة الأفراد على أنفسهم ولكنه فوضه في ممارسة هذه السلطة على أن يكون محكوماً في ذلك بشروط التفويض بحيث لو أخل بهذه الشروط حقَّ للأفراد سحب التفويض منه. ويختلف العقد الاجتماعي عند لوك عن العقد الاجتماعي عند هوبز، فالغاية من العقد الاجتماعي عند لوك الحد من الصراع وتجنبه، أما عند هوبز فالغاية من العقد الاجتماعي إحلال السلام.
يعتقد لوك أن الإنسان خيّر بطبعه وطيب. وتتميز حالة الطبيعة بوجود الحرية الفردية والملكية الخاصة، وللحفاظ على حياة الأفراد، وتجنباً لحصول نزاعات بينهم، يتفقون على عقد اجتماعي، يتخلون بموجبه عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح الدولة (مثل حق معاقبة من يتهدد حياتهم أو ممتلكاتهم)، وبالمقابل لا يحق للسلطة الاستبداد بالأفراد. وإلا فسيتمردون ضد الدولة ويستبدلون الحاكم بحاكم آخر يلبي طموحاتهم. وهنا يعد لوك مدافعاً عن الليبرالية كنظام حكم يقوم على وجود الحكومة الشرعية.
وقد طور لوك وجهة نظر أكثر تفاؤلاً بشأن العقد الاجتماعي، إذْ كان يعتقد أن الأفراد في حالة الطبيعة كان لهم حقوق طبيعية في الحياة والحرية والملكية، وجادل بأن العقد الاجتماعي تم تشكيله لحماية هذه الحقوق وأن للأفراد الحق في الثورة ضد الحكومة التي تنتهك حقوقهم.
وبذلك تكون نظرية العقد الاجتماعي عند لوك هي إحدى النظريات السياسية المؤسسة والتي ترتكز على فكرة أساسية تتمثل في تحقيق مصالح المواطنين وحماية حقوقهم الطبيعية. ويعتبر بأن الدافع وراء العقد الاجتماعي هو حماية الحقوق والحريات الطبيعية للإنسان، وتحقيق المصالح الشخصية والمجتمعية للجميع.
ويُعتبر جون لوك من أبرز المفكرين السياسيين الذين قدموا هذه النظرية في فترة النهضة الأوروبية، كما يعد أبو الليبرالية في التاريخ الحديث. وانتقلت أفكاره من انجلترة إلى فرنسا مع فولتير في 1729، واعتنقها مونتسكيو عند زيارته لانجلترة 1729-1731، الذي وسع نظرية فصل السلطات لتشمل السلطة القضائية. وكان لها صدى عند روسو وغيره. وكانت رسائل لوك الثلاث حجر الزاوية في النظرية الحديثة للديمقراطية في انجلترة وأمريكا، وبرزت بأحلى معانيها في (إعلان حقوق الإنسان) الذي أصدرته عام 1789، الجمعية التأسيسية في فرنسا. وفي (إعلان الاستقلال) الذي أصدره ثوار أمريكا ضد الحكم الإنكليزي، والحقوق التي أثبتها لوك أصبحت (وثيقة الحقوق) في التنقيحات العشرة الأخيرة للدستور الأمريكي، وتضمينه فصل الكنيسة عن الدولة وإقرار الحرية الدينية.
العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو (1712- 1778)
إن نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، هي نظرية تفسر نشأة الاجتماع السياسي واستمراره، حيث يعتمد المفهوم على فرضية انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع، ما يؤدي إلى تغيير كبير في علاقته بالعدالة، إذ يحل مفهوم العدالة محل الغريزة في تصرف الإنسان. وهذا يعني أن الأفعال تصبح محكومة عبر القوانين والأعراف الاجتماعية بدلاً من الدفع بالغرائز والرغبات الشخصية. ونظراً لترجمة هذه الفكرة في الشرائح المختلفة من المجتمع، فإنها أصبحت مبحثًا في نظرية العقد الاجتماعي، والتي اكتسب اسمها من كتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو.
كان الإنسان عند روسو بطبيعته "طيباً، ولكن المجتمع يفسده بسرعة، حيث يعمل الجميع على تحقيق مصالحهم الشخصية، كما كان يتمتع قبل وجود الدولة بحرية كاملة وكان سعيداً في حياته ولكن اضطر إلى ترك هذه الحياة والانضمام إلى غيره وذلك لإقامة نظام اجتماعي يحقق العدل العام. وسبب ترك الناس للحياة الفردية هو تعدد المصالح وتناحرها. وقد تنازل كل واحد من الإفراد عن حرياته الطبيعية للجماعة وذلك مقابل حصوله على حريات مدنية. وقد نصبوا عنهم وكيلاً. وهذا الوكيل لا يملك السيادة، إذْ السيادة دائما للشعب. وذلك لان روسو يؤمن بان الشعب هو مصدر السُلط. وما السلطان إلا مجرد وكيل يعبر عن إرادة الشعب ولذا يحق له خلعه متى شاء.
وقد صاغ روسو نظريته من في كتابة "العقد الاجتماعي، أو مبادئ الاجتماع السياسي" الذي نشره في أمستردام عام ١٧٦٢، وكانت صيحته الجريئة التي استهل بها الفصل الأول (ولد الإنسان حراً وهو في كل مكان مكبل بالأغلال) وأصبحت هذه العبارة شعار قرن بأكمله، وكان "الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد أطلق قبله بحوالي 1100 عام، مأثرته: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
كان روسو يرى ضرورة إيجاد شكل من المجتمع يظل الإنسان فيه رغم اتحاده مع الجميع يطيع نفسه فقط ويبقى حراً كما كان من قبل، تلك هي المعضلة الأساسية التي يقدم لها العقد الاجتماعي الحل، لا كتعهد من المحكومين بإطاعة الحاكم، كما عند هوبز، بل كاتفاق الأفراد على أن يخضعوا رأيهم وحقوقهم وسلطانهم لحاجات ورأي مجتمعهم ككل. والسلطة العليا في أي دولة لا تستقر في أي حاكم – فرداً أو جماعة- بل في الإرادة العامة للمجتمع، وتلك "روح الجماعة" والذي يعطيها طابعها ليس هو الإرادات الراهنة فحسب، بل تاريخ الجماعة الماضي وأهدافها المستقبلة". كما قامت صياغة روسو على أن السيادة التي هي حق طبيعي للأفراد وتقبل التصرف فيها، والنزول عنها. ولم تنتقل بموجب العقد إلى الحاكم، حيث لم يكن في العقد حاكم، فالناس احرار ومتساوون بالطبيعة، لكنها انتقلت من الناس بذاتهم كأفراد إليهم إلى مجموعهم ككيان جماعي جديد مستقلاً ومتميزاً عنهم كأفراد، ومن ثم يصبح جمهور الأفراد في الدولة هم أصحاب السيادة، وأن الإرادة العامة لمجموع الأفراد المعصومة من الخطأ، هي المنشأة للقانون الواجب الاتباع. وفي كل مجتمع إرادة عامة فوق المجموع العددي، والمجتمع كائن اجتماعي له روحه. وتلك السيادة لا يمكن التخلي عنها أبداً وإن جاز تفويضها جزئياً إلى حين.
وير ى إن الدولة هي كائن معنوي، يملك الإرادة العامة، وهذه الإرادة التي تنمو دائماً إلى صيانة ورفاهية الدولة كلها وكل جزء فيها، هي مصدر القوانين، وهي التي تشكل لجميع أعضاء الدولة، في علاقاتهم بعضهم ببعض القاعدة التي تفرق بين العدل والظلم. والقانون في الحالة المثالية ينبغي أن يكون معبراً عن الإرادة العامة، وروسو، مثل جون لوك ومونتسكيو وفولتير، يناصر قداسة القانون، إذا عبر عن الإرادة العامة لأنه يصون الحرية، ويصون حقوق الأفراد في الدولة المدنية. ويرى أن الحكومة جهاز تنفيذي تفوضه الإرادة العامة مؤقتاً بعض سلطاتها، ويرفض روسو "الاستبداد المستنير"، وأن الارستقراطية الوراثية "أسوأ الحكومات قاطبة"، والمسيحية تبشر بالعبودية، والتبعية الطيعة، ومن ثم كانت روحها مواتية جداً للاستبداد، وأيَّد "ديناً مدنياً" تصيغه الدولة وتفرضه على جميع سكانها.
ويختلف العقد الاجتماعي عند روسو عن العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك، بأن المسؤولية الأساسية في الحفاظ على الحقوق تقع على عاتق الشعب الذي يتمتع بالسيادة، وتعد هذه النظرية أساس للثورة الفرنسية، والديمقراطية. ومع ذلك فإن روسو في عقده الاجتماعي يتفق مع العقد الاجتماعي عند هوبز، فكلاهما يقول: إن الغاية من العقد الاجتماعي كسر الحالة الطبيعية وإحلال السلام.
يُسلم روسو بأن "الحالة الطبيعية" ربما لم توجد قط، وهو لا يعرضها حقيقة واقعة من حقائق التاريخ بل مقياساً للمقارنة. ولم يكن مثله الأعلى هو هذه الحياة المتخيلة التي سبقت المجتمعات (لأن المجتمع قد يكون قدم الإنسان).
كان صوت روسو أكثر أصوات العهد ثورية، وأطلق على الحكومات القائمة صرخة احتجاج قُدر لها أن تُسمع من أقصى أوربا إلى أقصاها، وكل علاج لها مستحيلٌ إلا علاج الثورة. وكانت نظرية العقد الاجتماعي لدى روسو وراء الثورة الفرنسية التي غيرت وجه فرنسا الملكية المطلقة وغيرت معها العالم.