كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

متى يكفّ الغرْب عن التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب المستقلة؟

هادي دانيال- فينكس

ليس خافياً، أقلّه على أبناء جيلي الذين ولدوا في خمسينيات القرن الماضي، وأمضوا العقود الخضراء من أعمارهم على أرض الخضراء، أنهم لمسوا التدخل الغربي (الأوربي ممثلا بسفارة فرنسا والأمريكي ممثلاً بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية) في الشؤون الداخلية التونسية إبّان الفوضى التي سادت قصر قرطاج بسبب أرذل العمر الذي عطّل بيولوجياً وظائف أعضاء هامّة من جسد الرئيس الحبيب بورقيبة وتداعيات ذلك على إدارة الدولة وتدبّر شؤون مؤسساتها ومواطنيها. وكانت تفاصيل ما يجري داخل القصر وباقي مؤسسات الدولة، محلّ تداول روّاد المقاهي من النخب السياسية والثقافية والإعلامية والحقوقية إلخ، وحتى مجريات الصراع على كرسي الرئاسة بين سفارة باريس ومرشّحها آنذاك "أحمد المستيري" من جهة وسفارة واشنطن ومرشحها آنذاك أيضا الجنرال "زين العابدين بن علي" من الجهة المقابلة كانت شبه علنية أيضا. وانتصر مرشح البيت الأبيض على مرشّح الإليزيه في سياق تنفيذ استراتيجية أمريكية لبسط نفوذ واشنطن على القارة السمراء في ظلّ القوة العسكرية "أفريكوم" أو بها إن اقتضى الأمر، فاجتاحت الولايات المتحدة الدول الفرنكوفونية بالسيف وبغيره. ولأنّ الجلوس على كرسيّ قصر قرطاج ألقى مسؤولية صيانة استقلال البلاد وسيادتها على كتفيّ الجنرال الذي جمع زمام أمور البلاد كلها في قبضته القوية، فقد دفعه كبرياؤه الوطني (بالمعنى الإيجابي للكلمة) إلى أن يقول "لا" لواشنطن في مناسبات عديدة تتعلق بسياسة تونس الداخلية والخارجية، على المستوى الداخلي طُلِبَ منه أن يقبل الإسلام السياسي ممثلا بفرع "الإخوان المسلمين" التونسي(حركة النهضة)، شريكا في لعبة التداول على السلطة، وأن يمتنع عن الترشُّح للانتخابات الرئاسية لسنة 2014،فصمّ أذنيه بأن لم يقبل ولم يمتنع. وعلى المستوى الخارجي رفض نقْلَ مقرّ قيادة "أفريكوم" من التراب الألماني إلى التراب التونسي، ورفض إشراك الجيش التونسي في حشود "حفر الباطن" بقيادة الولايات المتحدة لتدمير العراق بذريعة "تحرير الكويت"، ورفض التآمر على الجارين ليبيا والجزائر بل وقام بإعلامهما بما يُدَبَّر لهما، وحضر قمة دمشق على الرغم من التهديدات الأمريكية الشديدة بمعاقبة مَن يحضرها. إلّا أنّ خطيئة الرئيس زين العابدين بن علي الأولى كانت أنّه صَحّرَ المشهد السياسي وترك الحبل على الغارب لنفوذ عائلته وعائلة السيدة الأولى، ولم يأبه لتداعيات العلاقة السيئة بين المواطن والحاكم مما أفقد البلاد مناعتها الوطنية (وهي خطيئة جميع الرؤساء الذين استهدفتهم السياسة الخارجية الأمريكية بالغزو العسكري أو ب"ثورات الفوضى الخلاقة")، وراهن على أنّ التقرّب من باريس سيردّ عنه غضب واشنطن، في حين كان واضحا أنّ السياسة الأوربية والغربية برمّتها كانت تدور في فلك السياسة الخارجية الأمريكية، مما جعل منه الضحيّة الثانية بعد الرئيس الشهيد "صدام حسين" الذي انقلب عليه الغرب الذي كان يدعمه في حربه ضد إيران، عندما تحوّل العراق إلى قوة إقليمية قد تهدد صنيعته "الكيان الصهيوني" وأدواته الكيانات الخليجية. وضمن هذا التوجّه الأمريكي للهيمنة وبسْط النفوذ اختيرت تونس مختبرا أوليا لتنفيذ سيناريوهات مؤامرة "الربيع العربي" لتقسيم المنطقة من الباكستان إلى مراكش إلى دويلات فاشلة تقوم على أسس عرقية وطائفية دينية، وتدور في فلك دولة إسرائيل اليهودية الكبرى، وذلك بثورات "الفوضى الخلاقة" التي تستهدف الدولة الوطنية كونها العائق الأبرز والأنجع أمام قطار العولمة لنهب ثروات الشعوب بما يرضي جشع شركات الاحتكار الإمبريالية الأمريكية تحديدا.

وإذا كان الرئيس زين العابدين بن علي قد انصاع للإرادة الأمريكية بإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي إلا أنه سرعان ما استدرك هذه الخطيئة بقطع العلاقات مع تل أبيب انسجاما مع القمة العربية سنة 2000التي سُمِّيَت "قمة الأقصى".

وبعد 14جانفي 2011، بات التدخّل الغربي الأوربي والأمريكي في الشأن التونسي عموديا وأفقيا لدرجة أن الرئيس الراحل "الباجي قائد السبسي" كان يفاخر بدوره عندما كان رئيس حكومة بأنه جعل من التراب التونسي محطة ينتقل منها السلاح الأجنبي إلى الداخل الليبي لإطاحة نظام العقيد الشهيد معمر القذافي. ثمّ أصبح التراب الليبي محطة لتجميع وتدريب المسلحين التكفيريين الذين تجندهم "حركة النهضة" و "حزب التحرير الإسلامي" التونسيين وإرسالهم عبْر تركيا للقتال ضد الجيش العربي السوري، في مناخ تونسيّ مُعادٍ للدولة السورية أمّنه الرئيس الأسبق "منصف المرزوقي" بمواقفه التي جسّدها باستضافة ما سمي "مؤتمر أصدقاء سوريا" الذين كانت تتصدرهم "هيلاري كلينتون".

وتواصَلَ التدخل الغربي الأمريكي والأوربي في الشؤون التونسية كبيرها وصغيرها، ليس لإنجاح "التجربة الديمقراطية التونسية الوليدة" كما يزعمون بل لإبقاء تونس غير مستقرة بانتظار زجّها في سيناريو يُدَبِّره الغرب ضدّ الجزائر (الهدف الأكبر) في شمال أفريقيا. وكانت زعيمة المعارضة الوطنية الأستاذة "عبير موسي" قد خصت تدخلات السفارة الأمريكية في الشأن الداخلي التونسي بأكثر من حلقة "تنويرية" بالوثائق والأدلّة الملموسة. وكنا قد بيّنّا في كتابنا ("الربيع العربي" يتمخّض عن خريف إسلامي بغيوم صهيونيّة) الصادر عن دار بيرم في صفاقس/ تونس أفريل2012، كيف أنّ الشيخ "راشد الغنوشي" خلال زيارته الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر2011قد تعهد في مقر لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية "الإيباك" بأنه لم يعد يتفق مع طهران بأن الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر، وبأنه لا يمكن تغيير الأنظمة العربية من الداخل في إشارة إلى تأييد التدخل الخارجي، وبأن "الدستور التونسي الجديد لن يتضمن إشارات معادية لإسرائيل أو الصهيونية". وظلت السياسة التونسية الداخلية والخارجية في ظلّ حكم "حركة النهضة" المباشر وغير المباشر أسيرة هذه التعهدات، وبناء عليه، تمثيلاً لا حصْراً، لم يتمكن مجلس نواب الشعب من اتخاذ قرار بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلى أن قاد الرئيس "قيس سعيّد" مسار 25جويلية 2021الذي جمع زمام أمور البلاد في قبضته، ووضع حدّاً لتأرجح دولة تتنازع السلطة فيها ثلاثة أقطاب مما أفضى إلى المزيد من الهشاشة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية. وعندما أقدم رئيس الجمهورية الأستاذ "قيس سعيّد" على إعادة العلاقات مع الجمهورية العربية السورية واتخذ المواقف ذات السقف العالي في مساندته للحق الفلسطيني، بدأت السفارات الغربية تتصدرها السفارة الأمريكية في التحرك لإجهاض النهج الوطني المستقلّ الذي عبّر عنه الرئيس "قيس سعيّد" مشددا على أنه لن يسمح لأحد بالتدخّل في الشأن السيادي التونسي. وحسب المراقبين لم يدّخر الغرب جهدا سياسيا أو إعلاميا أو اقتصاديا ومالياً لجعْل قبضة الرئيس "قيس سعيّد" ترتخي عن زمام السلطات التشريعية والتنفيذية في البلاد، إلّا أنّ هذه المحاولات فشلت حتى الآن، وقد أفضى ضعف وعجز "القوى المحلية " التي راهنت عليها السفارات الغرْبية إلى أن تضغط الأخيرة في اتجاهات مختلفة سياسية ومالية واجتماعية لعزْل الرئيس التونسي على الرغم من أنّ بلاده "شريك مميّز للاتحاد الأوربي" و" حليف استراتيجي خارج الحلف الأطلسي"! فألقت واشنطن بثقلها لمنع المؤسسات المالية الدولية بل وحتى بعض الكيانات الخليجية من تقديم القروض للدولة التونسية إلا مقابل شروط تمس السيادة التونسية مسّاً مباشرا، الأمر الذي ينعكس سلباً على الحياة اليومية للمواطن التونسي في حال قبول هذه الشروط أو رفضها! إلّا أنّ هذا الغرب يبدي في الوقت نفسه تخوّفه الأرعن من أن تؤدي هذه الضغوط إلى نتائج عكسية كأن يتجه الرئيس "قيس سعيّد" بسياسة بلاده الخارجية نحو الصين وروسيا ودول البريكس، ولذلك يكتفي الغرْب مؤقتاً والآن بالضغوط التي لا تصل إلى مرحلة كسْر العظام في مراهنة غربية على تنفيذ سيناريوهات تهدف إلى عدم استقرار الدولة التونسية بالتزامن مع موعد الانتخابات الرئاسية لتسهيل تدخلهم وفرْض مرشّح المصالح الأمريكية أو "عصفورها النادر".

وهذه الضغوط المرفقة بتحذيرات صفيقة من لجوء تونس إلى بدائل للشريك التقليدي الذي هو الغرْب، له معنى واحد هو خشْيَة الغرب من أنّ تونس قد تجد الدعم والمساعدة المالية والاقتصادية والسياسية والعسكرية إن شاءت، من الصين وروسيا الحريصتين على احترام القانون الدولي والشرعية الدولية التي تحترم سيادة واستقلال الدول والشعوب، بدون ابتزاز وشروط استعمارية.

إنّ هذا الغرب الذي صدّرَ ربيعه الأسود و"ديمقراطيته" المتوحشة إلى أفغانستان و العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان وأوكرانيا وغيرها، والمتورّط منظومةً وأنظمةً في مجازر الإبادة الجماعية المستمرة للشهر السادس على التوالي ضد شعبنا الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية والقدس، مُقامرا بالمنظومة الأخلاقية والإنسانية التي يدعيها ويميّز نفسه بها عن باقي سكان المعمورة، غير آبه حتى بمطالبة مواطنيه الحثيثة بوقف هذه الإبادة الجماعية التي تطال الأطفال والنساء بالدرجة الأولى، هذا الغرْب بمنظومته الاستعمارية وأنظمته الفاشية المُسَرْبَلَة بأقنعةِ وشعاراتِ الديمقراطية وحقوق الإنسان الزائفة، لا يمكننا إلّا أن نتوقع منه الأسوأ في تونس أيضا خاصة وأنها مشمولة في سيناريوهاته التي هو بصدد تنفيذها ضد الجزائر الشقيقة، وهو لن يكفّ عن الضغط بأساليب مختلفة حتى تتحول تونس التي تحمل بين طياتها تراكما حضاريا على مدى ثلاثة آلاف سنة، إلى دولة وظيفية طيّعة لدُوَلٍ لقيطة كالولايات المتحدة وأدواتها من الكيانات الإقليمية. لن يكفّ إلّا عندما تقفز القوى الوطنية التونسية الحيّة السياسية والنقابية (في السلطة والمعارضة) عن الحسابات الضيقة وصولا إلى تلاقي هذه القوى على هدف رئيس هو رفع التحدي ومواجهة الضغوط بتحصين تونس داخليا وتقوية مناعتها ضدّ أيّ شكل من أشكال التدخُّل الخارجي.