الانتداب الفرنسي بين السيطرة الاستعمارية ونشر الحداثة
2023.09.14
د. عبد الله حنا- فينكس
حكم الاستعمار الفرنسي سورية تحت راية الانتداب. وصك الانتداب، الذي أقرّهّ مجلس عصبة الأمم سنة 1922 تذرّع "بنصح الأهالي ومعاونتهم وإرشادهم في إدارتهم"، إلى تثبيت السيطرة الاقتصادية والسياسية والثقافية للاستعمار الفرنسي وإنشاء مواقع استعمارية جديدة تخدم المصالح الإمبريالية للاحتكارات الفرنسية والأجنبية الأخرى.
ومن الواضح أن الهدف الرئيسي للانتداب الفرنسي - كما هو الحال للانتداب البريطاني على العراق وشرقي الاردن – هو تشديد قبضة الرأسمالية الفرنسية ومؤسساتها على سورية ولبنان لاستثمار خيرات هذه البلاد وفق الاسلوب الامبريالي المعروف. وهنا يكمن الوجه المظلم للانتداب بصفته أحد الوسائل الأخف وطأة للاستعمار.
ولكن للانتداب وجهاً آخر لم يكن المؤرخون السوريون والعرب- ومنهم كاتب هذه الأسطر- يعيرونه أي اهتمام. فقد كان التشديد أثناء التأريخ، ولا يزال، يتمُّ عبر قطبين متنافرين: الاستغلال والاضطهاد الاستعماريين ونقيضهما المقاومة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال.
هذا الوجه الآخر للانتداب تمثل بازدياد تأثير أفكار الثورة الفرنسية وهبوب رياح الحداثة والتحديث، التي أسهمت، على الرغم من مرارة الاحتلال الاستعماري، في تحريك عملية التطور بمختلف أبعادها ودفعها إلى الأمام. وقد أتى في مقدمة عملية التطور هذه السير قدماً في بناء الدولة الحديثة، التي أخذت في التكوّن في العقود الأخيرة من العهد العثماني. وهذه الدولة الحديثة حملت في أحشائها عناصر ليبرالية وأخرى استبدادية.
كانت أولى تدابير الانتداب الافرنسي لإضعاف سورية، مركز الحركة الوطنية، توسيع متصرفية لبنان على حساب سورية بإيجاد دولة لبنان الكبير، فألحقت به طرابلس وصيدا وصور وبعلبك والبقاع.
كما أقام المستعمرون في سورية عدة دويلات هي:
1- حكومة العلويين، وعاصمتها اللاذقية.
2- دولة جبل الدروز، وعاصمتها السويداء.
3- دولة سورية وعاصمتها دمشق. وكانت قد قسمت في فترة ما إلى دولتين: دولة حلب ودولة دمشق.
4- سنجق اسكندرون، الذي تمتع بإدارة خاصة، بالرغم من ارتباطه الأساسي بسورية.
وفي ظلّ الإنتداب الفرنسي بدأت الأحزاب السياسية في التكوّن، وبخاصة في مرحلة النضال السلمي (بعد 1927)، التي أعقبت مرحلة الكفاح المسلح. ويُلاحظ أن سياسة الإنتداب الفرنسي شددت النكير على الحريات السياسية من جهة، وأفسحت المجال للحياة الحزبية بالظهور والنمو. وفي تلك الأجواء تكوّنت الكتلة الوطنية، التي قادت النضال السلمي المناهض للسياسة الاستعمارية، وسعت لإيجاد طرق تُعبّد الطريق أمام نيل الإستقلال. وفي عهد الإنتداب تأسست أيضا الأحزاب العلمانية (الشيوعي، عصبة العمل القومي، السوري القومي) وبدأت تتكون تجمعات الإسلام السياسي متمتعة بحرية التحرك، مما عبّد الطريق لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1945.