كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مأزق السلطة القطرية

مروان حبش- فينكس:

في الوقت الذي تعيش فيه الحركة القومية العربية أزمتها، والفكر القومي العربي خبا تأثيره، تعيش السلطة القطرية في الوطن العربي مأزقاً خانقاً ينذر بكوارث اجتماعية كبيرة.
ويجب التأكيد أن أزمة السلطة القطرية لا يعود إلى أخطاء في الحركة القومية العربية كما يدعي أعداء الفكرة القومية. ذلك أن أغلب السلط القطرية هي سلط لا علاقة لها بالمشروع القومي العربي، ويمكن أن نحدد أهم ملامح مأزق السلطة القطرية بما هو آتٍ:
أولاً: إن جميع السلطات العربية تكونت بالأصل في تناقض مع الأمة، وبالتالي أنيط بالسلط أن تشكل دولاً، ولم تأت السلط ثمرة الحياة الداخلية للدول، وكان من الصعب أن تنشأ السلطات في تطابق مع الأمة، وألقت هذه الواقعة بظلها على مسألة هوية الانتماء إلى "الدولة- السلطة" فلم تستطع السلطة أن تخلق دولة الأمة، وبالتالي فإن جنسية دولة السلطة جاءت تعسفية جداً، إذ ليس هناك من لغة مميزة لدولة السلطة وليس لها قيم وعادات وتاريخ خاص، وبالتالي فشلت دولة السلطة في إنتاج الدولة وسلطة الدولة، ولما كانت الشروط الحديثة في تكوين الدول القومية أكدت دولة الأمة، فإن أية سلطة قطرية لا يمكن أن تكون دولة.
ثانياً: أمام بقاء الشعور بالانتماء الكلي العربي حاولت دولة السلطة أن تعزز وجودها عبر دعائم اقتصادية معزولة عن المحيط العربي وعبر البحث في التاريخ القديم ما قبل الإسلامي عن شرعنة وجودها، وعبر التبعية المطلقة للدول ذات القوة العالمية، وبالتالي عبر فقدان سيادتها، ومع أنها دخلت عالم الاعتراف الدولي والمؤسسات الدولية ودول العالم ولكن كل محاولاتها للشرعنة باءت بالفشل تقريباً، رغم وجود البوق الأيديولوجي الذي لا يكف عن القول: هذا البلد أولاً. وأكبر مثال عن التناقض بين الهوية والانتماء لدى السكان وسياسة دول الشك هو الموقف من القضايا القومية العربية الراهنة : قضية فلسطين وقضية العراق.
ثالثاً: لما كانت دولة السلطة هي سلطة فحسب، ولما كانت السلطة ليست ثمرة عقد اجتماعي، فإن الطريقة المثلى لاستمرار السلطة هو القضاء على السياسة في المجتمع، والقضاء، أيضاً، على كل أشكال المجتمع المدني، وبالتالي، جرت عملية قمع تاريخية شديدة التأثير السلبي على تطور المجتمع العربي، ومن هنا يمكن إدراك أغلب ردود فعل المجتمع العنفية غير السلمية ضد السلطة.
رابعاً: إن المأزق الأخطر والأعقد والأعمق للسلطة في الوطن العربي هو التناقض بين التطور الموضوعي والعفوي والإرادي أحياناً للمجتمع بفعل قوانين المجتمع الداخلية وحاجات السكان والعلاقة مع العالم، وبين بنية السلطة الثابتة، إنه تناقض وصل حداً لا يمكن حله بأية عملية مصالحة تريد أن تقوم بها السلطة مع بقائها على ما هي عليه.
هذا المأزق البنيوي بين التطور الموضوعي للمجتمع وبين ثبات السلطة، أدى إلى بروز عدة ظواهر:
الأولى: إن السلطة لكي تستمر أنفاً عن التاريخ فلابد لها من استخدام أعلى درجات القمع المادي والروحي اعتقاداً منها أنها قادرة بإبقاء البنية القديمة التي أنتجتها، ولهذا فإنها في بنيتها استبدادية بشكل مطلق. ولكي يتحول استبدادها إلى فاعل يحول دون بروز قوى معارضة قادرة على تغيير التاريخ فإنها تبحث عن العصبيات التقليدية لتقويها ولتستند إليها.
الثانية: أن المجتمع بأغلب طبقاته وفئاته يعيش ثورة صامتة نتيجة القضاء على السياسة والمجتمع المدني، دون أن يستطيع التعبير عن ذاته بشكل عملي في حين جاءت المعارضة الأصولية للنظام السياسي بوصفه شكلاً من أشكال التناقض غير المثمر بينهما دون أن يعني ذلك أن هذا ينسحب على جميع الحركات الإسلامية.
الثالثة: التعويل الدائم على الحماية الخارجية (أمريكا والغرب) وخاصة من ذلك العدد من السلط الصغيرة والضعيفة.
هذا المأزق التاريخي لدول السلط هو الذي يفرض، منطقياً، ضرورة البحث عن مخرج قومي عربي لواقع الحال، مخرج يقدم للبشر التائقين لحريتهم وحرية أمتهم قوة لإرادة صامتة، ولثورة صامتة، ولاحتجاج صامت، ليكون الفعل في العلن.
وإذا أضفنا إلى هذه المظاهر الثلاثة للمأزق التاريخي للسلطة القطرية، ظاهرة فشل التنمية وعدم تحقيق حد أدنى من التقدم التاريخي أدركنا أهمية تجاوز دولة السلط هذه.