كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خالد محمد جزماتي: دمشق والجنرال غورو بعد ميسلون

روى المؤرخ العلامة "محمد كرد علي" قصة تعريب كلمة "ساندويش" بجملة "الشاطر والمشطور والكامخ بينهما"، وكيف تم إلصاق ذلك بمجمع اللغة العربية المُنشأ حديثا برئاسته للنيل منه وإلصاق سخافة انجازاته، وكيف تلقت صحف ذلك الزمان ونشرته مع تعليفات لاذعة على ضعف أعضاء مجمع اللغة الغربية وعجزهم في تعريب أبسط الكلمات، ولقد نفى رئيس المجمع محمد كرد علي أي صلة للمجمع بذلك التعريب، وأنه من دسائس أعداء التعريب الذين يدعون الى الدراسات العليا بل والمتوسطة باللغات الأجنبية وأن اللغة العربية هي لغة متخلفة..
و أيضا في ذلك الزمن سرت فصة دخول الجنرال "هنري غورو" قائد جيوش الشرق الفرنسية دمشق بعد معركة ميسلون وخسارة الجيش العربي أمام الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال "ليوناردو غوابيه"، وأنه استقبل استقبالا حاشدا من قبل الحكومة العربية ومن أهل دمشق وفي مقدمة المستقبلين كثير من عائلات دمشق العريقة، حيث أوقفوا عربة غورو التي تجرها الخيول، وفكوا رباطها مع جسم العربة التي يجلس فيها غورو، وربطوا أجسادهم بها وجروها الى داخل دمشق خلال شوارعها المديدة.. تلك هي ملخص القصة الكاذبة للنيل من سمعة سورية وشعبها ومن كرامة عاصمتها دمشق ومن شرف عائلاتها العريقة. وأن دخول غورو بحسب هذه الرواية كان غداة معركة ميسلون أي 25 تموز 1920... ولا بد لنا من استعراض كيف دخل غورو دمشق وبشيء من التفصيل.....
قاد معركة ميسلون من الجانب العربي وزير الحربية يوسف العطمة الذي استشهد فيها حوالي الساعة العاشرة والنصف صباح يوم 24 تموز، وقد وصف ذلك بدقة الأميرالاي محمد تحسين الفقير قائد الفرقة الأولى وكان بقرب المكان الذي سقط فيه يوسف العظمة شهيدا.. وقاد القوات الفرنسية المهاجمة الجنرال ليوناردو غوابيه (1861 -- 1943) وهو ضابط مخضرم خاض معارك كثيرة في الحرب العالمية الأولى وذو سمعة عسكرية جيدة، ولهذا عمل الجنرال هنري غورو (1867 -- 1946) على استدعائه ليقود الفرقة الثالثة في جيش الشرق الفرنسي، ومن ثم ليقود القوات التي زحفت الى دمشق بعد أن خاضت معركة ميسلون وهزمت القوات العربية وبدأت بالزحف الى دمشق.. ولقد كتب الجنرال غوابيه كتابا أسماه "من ستراسبورغ الى دمشق" قال في احدى صفحاته: "دخلت الى دمشق متقدما الموكب، ممتطيا الجواد، ومن خلفي وحدة الموسيقى العسكرية، فرجال المشاة، فالخيالة، فالمدفعية، فالمصفحات، فالدبابات، وكانت غاية ذلك ارهاب الناس".. وفي صفحات كتاب الجنرال أسطر كتبها، أن أحد أجداده اشترك في الحروب الصليبية وتم أسره عام 1147، وتقل الى دمشق، حيث أوكلوا اليه عملا في أحد مصانع الورق من مادة القطن، وبقي يعمل في دمشق لمدة عشر سنوات ثم جاءته فرصة للهرب، فهرب من الأسر ووصل الى فرنسا ونقل صناعة الورق حيث افتتح له مصنعا في بلاده، وفي هذا الكتاب صفحات يشرح فيها حقده الدفين على الشرق وأهله..
ولقد تم استقبال الجنرال غوابيه في دمشق يوم 25 تموز 1920 من قبل اللواء نوري السعيد موفدا من قبل الملك فيصل ومعه بعض الضباط العرب، وقد وثقت المراجع الفرنسية ذلك الاستقبال بالصور وعلى ضفاف بردى ساروا حتى ساحة المرجة.. أما الملك فيصل فبقي في دمشق (داريا --الكسوة) حتى يوم 28 تموز 1920، ثم غادرها الى درعا بالقطار ومعه أهله وبعض رفاقه المقربين مثل نوري السعيد وساطع الحصري..
أما الجنرال غورو فقد تحدثت الروايات عن تاريخ دخوله دمشق بتواريخ مختلفة، ولكن الثابت وبالوثائق التي أوردتها جريدة العاصمة الرسمية والتي بدأت بالصدور عام 1919، أن الجنرال غورو دخل دمشق يوم 7 اّب 1920 وبقي فيها يومان أي الى يوم 9 اّب 1920، وقد وصل دمشق بواسطة القطار من لبنان حيث نزل منه في محطة الحجاز، وكان في استقباله حكومة علاء الدين الدروبي بشكل رسمي مع كامل الأصول الدبلوماسية المعروفة، وقام الجنرال باستعراض حرس الشرف ثم صافح مستقبليه، وقام بتقليد الضباط الفرنسيين وعلى رأسهم الجنرال غوابيه أوسمة عسكرية رفيعة، ثم امتطى جوادا أدهما سار به الى قصر المهاجرين ضمن موكب رسمي حافل رافقه فبه نوري الشعلان وكوكبة من فرسانه حاملين العلم الفرنسي، كما حملوا العلم العربي حين استقبالهم للملك فيصل يوم دخل دمشق عام 1918.. و في المساء أقيمت له حفلة عشاء في دار الحكومة تم تبادل الكلمات فيها.
وفي اليوم التالي، كان برنامج الجنرال غورو زيارة الأماكن الدينية المسيحية منها والاسلامية، وفيها كما جاء في الروايات المختلفة زيارته للمسجد الأموي ولقبر ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي وقوله مخاطبا صاحب الضريح "ها قد عدنا يا صلاح الدين"..
وفي المساء أقام الجنرال غورو حفلة عشاء في مكان اقامته دعا اليها حكومة دمشق وقناصل الدول ومعتمديهم الدبلوماسيين..
ويوم 9 اّب قبل الظهر غادر الجنرال غورو دمشق الى لبنان بواسطة القطار كما وصلها ومن محطة الحجاز...
وهكذا نستطيع القول أن جر العربة المُختلقة لا تخرج عن نطاق الكيد العائلي السياسي الاجتماعي، ثم تناولها بعد تضخيمها للنيل من أهل بلاد الشام ومن أهل دمشق ومدينتهم العريقة.