كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سوريا الخمسينات 1من 2

نصر شمالي

 لنحاول في هذه الرسالة عن سورية الخمسينيات الارتقاء إلى مستوى الأحداث العظمى، وإلا ضاعت البلاد كلها وضاعت الأمة كلها!.. إن سورية في الخمسينيات بعد الجلاء وبعد "الاستقلال" كانت محكومة بعاملين استراتيجيين دوليين مفروضين عليها، وما زالا مفروضين عليها.. أولهما تقسيمات سايكس بيكو التي قلصت سورية إلى جزء من بلاد الشام، أو جزء من سورية الطبيعية، وهو أمر لم يختره شعبها ولا يد له فيه.. وثانيهما إقامة الكيان الإسرائيلي الذي هو بدوره من إنتاج سايكس بيكو وهو دويلة من دويلاتها، والذي ينبغي على دويلاتها أن تتكامل معه وأن تخدم مستقبله!..
إن وجود "إسرائيل" السايكسبيكوية مرتبط بوجود دويلات سايكس بيكو العربية، وإن وجود الدويلات العربية السايكسبيكوية مرتبط بدوره بوجود "إسرائيل".. ولسوف يبقى الطرفان معاً أو يزولان معاً! أي أن الشعب السوري لم يختر حدود "دولته" السايكسبيكوية هذه، وبالتالي فإن هذا الشعب لم يكن لاحقاً طليقاً في بنائها كما يحب ويهوى، لا في تنظيم حياته الداخلية فيها ولا في تنظيم حياته السياسية العامة، لأنه ليس هو من اختار دويلته المصطنعة، ولأن الذي صنعها لن يتركها له طليقة، وإلا فلماذا صنعها أصلاً؟..
إن من لا ينتبه لما أشرنا إليه، أو يتجاهله، لن يفهم أبداً أبداً ما حدث في سورية الخمسينيات وما يحدث اليوم فيها!.. إن جميع التفاصيل العويصة والمماحكات السياسية المضنية والصراعات الرهيبة الداخلية والخارجية التي شهدتها سورية في الخمسينيات، وما تشهده اليوم، لا قيمة لاستعراضها على الإطلاق ولن تكون مفهومة على الإطلاق إذا ما أغفلنا دور العاملين المذكورين: تقسيمات سايكس بيكو، وإقامة الكيان الإسرائيلي ..
****
في سورية نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، وبعد الجلاء و"الاستقلال" مباشرة، اندفع الشعب السوري على الفور بقيادة شرفائه لبناء سورية الحرة المستقلة الديمقراطية، واندفع أيضاً في الوقت نفسه وعلى الفور إلى ميادين القتال في فلسطين متصدياً للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، فما كاد يفعل ذلك، غداة الاستقلال، حتى اصطدم بمصالح الأنكلوسكسون النفطية من جهة، والصهيونية الإسرائيلية من جهة أخرى، ففيما يتعلق بالنفط اعترض الشعب السوري أصولاً في البرلمان على تمرير اتفاقية مرور الأنابيبالأميركية من السعودية عبر سورية، لأسباب منطقية محقة سياسية واقتصادية، فماذا ترتب على اعتراضه؟ على الفور كان الانقلاب العسكري جاهزاً بقيادة حسني الزعيم، الشخصية المهزوزة والفاسدة من جميع النواحي، فعطلت الحياة الدستورية والسياسية عموماً، وقيدت الحريات العامة، وزج بالقادة الشرفاء في السجن، ووقعت الاتفاقية النفطية الأميركية!..
أما أغرب ما في الأمر، فهو تجاهل السياسيين والإعلاميين عموماً للأسباب الحقيقية للانقلاب، ولاعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وغيرهما من القادة الشرفاء، وتجاهل ذكر الجهة المقتدرة السايكسبيكوية الأنكلوسكسونية الصهيونية التي تقف وراء الانقلاب، والانشغال عنها بحكاية استخدام "السمنة" الفاسدة في طعام الجيش، وبالحكايا عن حماقات الأرعن المدعو فيصل العسلي، وبقصص جنون العظمة عند حسني الزعيم.. الخ! وبذلك حمّلوا المسؤولية الرئيسية للعامل الداخلي، أي لسورية "المستقلة"، حكومة وشعباً.. أي للشعب السوري (الذي لا يستحق استقلاله كما أرادوا الإيحاء!)، وأشار البعض مجرد إشارات عابرة إلى العامل الخارجي باعتباره ثانوياً مساعداً وليس أساسياً فاعلاً!  وهكذا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية لضبط أداء الدويلة السورية، السايكسبيكوية المصطنعة، التي يحاول شعبها الخروج عن النص!
*****
نواصل الحديث عن سورية الخمسينيات فنقول: في الواقع كان "الاستقلال" السوري خلبياً وملتبساً بالنسبة للأكثرية من أبناء الشعب التي راحت تتصرف على أنها مستقلة في بلادها، ولكن من دون يقين قاطع!.. وجدير بالذكر أن عدد سكان سورية السايكسبيكوية المقتطعة من سوريا الكبرى لم يكن يتجاوز المليونين بكثير! وكانت النخب السورية الشريفة التي انطلقت تقود المجتمع بجدارة تتميز بالكثير من الحماسة الوطنية والقومية، وللأسف بالقليل من المعرفة بالأوضاع الإقليمية والعالمية وبموقع بلادها في هذهالأوضاع، فهي كانت تنتظر من حكومة بلدها "المستقل" تحقيق ما لا تستطيع هذه الحكومة تحقيقه على الإطلاق، سواء بسبب تركيبتها أو بسبب النفوذ الأجنبي فيها! و إلا فكيف جرى تعيين حسني الزعيم قائداً للجيش في تلك اللحظة النفطية/الإسرائيلية الأميركية إن لم يكن تعيينه جاء إملاءً خارجياً بطريقة ما، وهو المعروف لرئيس الجمهورية بفساده وباضطراب شخصيته؟ 
والحال أن الرئيس شكري القوتلي أوضح للعقيد صلاح البزري حينئذ (في العام ١٩٤٨) الذي سأله عن سبب تعيين أحد الوزراء الفاسدين، فقال الرئيس القوتلي أن أسماء بعض الوزراء تملى عليه إملاء من قبل واشنطن ولندن، ومن قبل باريس أيضاً!.. وقال أنه "يسايرهم" من أجل استكمال "الاستقلال"، ومن أجل الحصول على دعمهم ومساعداتهم.. وأيضاً لاتقاء شرهم على حد قوله!
*****
عن سورية المجتزأة من سورية الكبرى أو بلاد الشام الطبيعية.. يقول الأستاذ أكرم الحوراني في مذكراته أن عدد سكان مدينة حماة عام ١٩٢٠، بعد "سفر برلك"، كان في حدود العشرين ألف نسمة! وكان فيها مدرستان فقط، إعدادية وابتدائية، واحدة حكومية والأخرى أهلية!.. هذا ما ذكره الأستاذ الحوراني، وبناء عليه لكم أن تتصوروا حال المدن السورية عمومآ في تلك المرحلة، في العشرينيات، وعلى مدى العقدين التاليين الثلاثينيات والأربعينيات، فكيف نهض الشعب السوري من شبه العدم وكيف قاوم قوات الاحتلال الفرنسي الشرس على مدى ربع قرن وهو شبه المعدم بشرياً ومادياً وشبه الأعزل؟..
وعلى مدى الثلاثينيات والأربعينيات أفرز الشعب السوري نخباً قيادية متقدمة جداً قياساً بأوضاعه البائسة، وقد غطت تلك النخب متطلبات الحياة السياسية الحديثة كما في أي بلد أوروبي متقدم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار!.. و إنه ليفترض بنا نحن اللاحقون أن ننحني احتراماً وإجلالاً لتلك القيادات الرائدة جميعها بجميع اتجاهاتها وبلا استثناء، وهي التي صنعت شيئاً من اللاشيء!..
وأغرب وأعظم ما في الأمر هو أن تلك القيادات الرائدة كانت تتطلع بإصرار وبثبات إلى حياة سورية حديثة عصرية ديمقراطية برلمانية، وتتطلع في الوقت نفسه إلى أمة عربية موحدة ووطن عربي واحد!.. وعندما تحقق "الاستقلال" السوري المنقوص كانت النخب السياسية عموماً، مدعومة من قطاعات شعبية واسعة، تتطلع إلى نهوض شبه فوري لدولة ديمقراطية من الطراز الحديث، على غرار الدول المتقدمة! وبالطبع كان ذلك ممنوعاً منعاً باتاً من قبل الأنكلوسكسون الصهاينة الساهرين على دويلاتهم السايكسبيكوية التي صنعوها، والتي ينبغي أن تبقى تحت سقف معين من التطور لا تتخطاه، وأن تبقى متكاملة مع الكيان الإسرائيلي وفي خدمته وخدمتهم، كما أشرنا سابقاً، فكانت بداية سلسلة الانقلابات العسكرية!
*****
كان ينبغي على سورية المقلصة جغرافياً وبشرياً، حسب ترتيبات سايكس بيكو، أن تظهر بمظهر الدولة المستقلة السيدة إنما مظهراً فقط ومن دون أن تكون كذلك حقاً! لكن الشعب السوري ونخبه تصرفوا على أساس أنهم مستقلون تماماً وأسياد أنفسهم تماماً، وبدأوا ينشطون على هذا الأساس في الداخل السوري وفي "الخارج" الفلسطيني والعربي عموماً!
وسرعان ما بدأت الانقلابات العسكرية، التي استمرت حتى عام ١٩٥٤، لضبط الشعب السوري ولإقناعه بأن بلاده مجرد منطقة مدارة بحكم ذاتي في خدمة الأنكلوسكسون الصهاينة، وبما لا يتناقض مع قيام الكيان الإسرائيلي، كما نصت على ذلك اتفاقيات سايكس بيكو! .. ولكن، لقد بدا صعباً جداً ضبط الشعب السوري ونخبه حتى بالانقلابات، حيث الجيش الوطني بدوره لم يكن بأكثريته الساحقة متعاوناً معهم بل ضدهم، فالعقيد عدنان المالكي. مثلاً، كان معتقلاً لأنه ضد الحكم العسكري الذي ترأسه العقيد أديب الشيشكلي، بل إن الرئيس الشيشكلي بالذات كان يتحدث بانزعاج (مثل الرئيس شكري القوتلي قبله) عن التدخلات الأميركية التي تطالبه بقمع النخب السياسية السورية تحت عنوان: "مكافحة الشيوعية"! وكان الشيشكلي يقول لخلصائه أنه "يجامل" الأميركيين في الحدود الدنيا اتقاء لشرهم!.. تماماً كما قال القوتلي.. وهكذا لجأ الأنغلوسكسون الصهاينة إلى إشعال نيران الفتن والاقتتال بين النخب والتيارات السياسية كي تنشغل ببعضها ضد بعضها عن أهدافها الاستراتيجية الداخلية والخارجية، فكانت مؤامرة اغتيال العقيد عدنان المالكي خطوة في هذا الاتجاه، ضد الجيش الوطني من جهة وضد النخب والتيارات الشعبية الوطنية من جهة أخرى!
*****
انتهت سنوات الحكم العسكري لسورية التي بدأت في العام ١٩٤٩ في عام ١٩٥٤.. لقد كانت التيارات السياسية جميعها مجمعة على إنهاء سنوات العهد العسكري بما فيها قيادات وطنية في الجيش، لكن تلك السنوات كانت قد فعلت فعلها السلبي في أوضاع هذه التيارات، فقد زال النظام العسكري مخلفاً سهمه المسموم في جسد الوطن، حيث ضعف التركيز على تحقيق تطوير سورية ديمقراطياً، وبخاصة تطوير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.. لقد ضعف وإن هو لم يتوقف!..
وجاء اغتيال المالكي ليدق إسفيناً آخر في علاقات التيارات السياسية بعضها ببعض، وفي بذر بذور الصراع بينها، وهو الصراع الذي سرعان ما شمل الجميع: اليسار عموماً ضد اليمين عموماً وبالعكس، وداخل معسكر اليسار عموماً بعضه ضد بعض، وداخل معسكر اليمين عمومآ بعضه ضد بعض!
أي أن العدو الأنغلوسكسوني الصهيوني نجح في إرباك التيارات الوطنية وفي شغلها إلى حد كبير عن أهدافها الاستراتيجية الثلاثة: التطور الطبيعي الديمقراطي للمجتمع السوري، والتصدي للإسرائيليين، والسعي من أجل وحدة أو اتحاد البلاد العربية. ونشبت حرب السويس ضد مصر عام ١٩٥٦، وتلتها الحشود التركية/الأميركية ضد سورية، فاشتد الاضطراب العام في وضع التيارات السياسية كلها بالرغم من الإجماع العام المؤثر على المقاومة.. أما الشعب السوري العظيم فقد كان يتابع بانتباه ما يحدث، ويشعر بفطرته بالأخطار العظمى المحيقة بسورية (المقلصة أصلاً!) وبأن ما حدث لفلسطين والفلسطينيين يمكن أن يحدث له أيضاً، ومن هنا جاء تطلعه إلى الوحدة مع مصر التي يقودها رئيس عربي مسلم أممي، متميز ومتألق، يذكّر بالناصر صلاح الدين، هو الرئيس جمال عبد الناصر طبعاً.
*****
كما أشرنا سابقاً، دامت فترة الحكم العسكري لسورية بعد الاستقلال حوالي أربع سنوات، ودامت فترة الحكم الديمقراطي الذي تلاه حوالي أربع سنوات أيضاً.. الأولى ١٩٤٩-١٩٥٤، والثانية ١٩٥٤-١٩٥٨!.. وفي الفترة الثانية، الديمقراطية البرلمانية، بدا الشعب السوري الذي لم يبلغ تعداده الأربعة ملايين مفعماً بالحيوية والنشاط وهو يمارس حرياته على أوسع نطاق، لكن تياراته السياسية، كما بدا واضحاً، كانت قد تقهقرت وصارت أقل مقدرة على النهوض بأعباء تطوير بنية البلد وبنية الشعب، حيث نجح المستعمرونالأنغلوسكسون الصهاينة في إرباكها وفي إشغالها عن مهمتها الرئيسية الاجتماعية البنيوية سواء باختراق صفوفها أو بتفجير الخلافات والصراعات بينها، أو بمحاصرة سورية سياسياً وعسكرياً من خارجها!.. وهكذابدأ التوجه نحو الاتحاد مع مصر الصاعدة ثورياً يشتد بقوة من قبل جماهير الشعب السوري التي جعلها إحساسها الفطري بعظم الخطر الأنكلوسكسوني الصهيوني تعطي الأولوية لقضية الاتحاد، أو الوحدة، مفرطة بمكاسبها الديمقراطية لصالح القوة ولصالح درء الخطر الخارجي الماثل!..
ولقد كان معروفاً للسوريين أن مصر يحكمها العسكريون، لكنهم أخذوا بالاعتبار تحول الانقلاب العسكري المصري إلى ثورة مصرية، عربية، اجتماعية وسياسية، وأن الاتحاد معها في مواجهة الخطر الصهيوني يستحق قدراً من التنازل عن قدر من الحريات السياسية!.. وهكذا عاد السوريون بملء إرادتهم إلى حكم عسكري إنما من نوع آخر تماماً، فهو حكم ثوري قومي تقدمي! 
أما أغرب ما في الأمر فهو أن هذا العهد، عهد الوحدة، دام بدوره حوالي أربع سنوات، ١٩٥٨-١٩٦١، مثل فترتي العهدين السوريين اللذين سبقاه تماماً، وهذا من عجائب المصادفات إن هي كانت مجرد مصادفات!
*****
التساؤل الذي يتردد حول تخلي الشعب السوري عن حياته الديمقراطية البرلمانية لصالح الوحدة مع مصر لا يجوز أن تأتي الإجابة عليه متسرعة.. إن الشعب السوري في اندفاعه الفطري الجارف حينئذ نحو الوحدة مع مصر كان حكيماً، وشجاعاً ومضحياً.. وإذا جاءت النتائج مخيبة للآمال فقد كانت ثمة فرص حقيقية لتأتي النتائج ملبية للآمال، وعلى هذا الأساس فإن الشعب السوري لم يكن مخطئاً، بالرغم من فشل التجربة الوحدوية!.. ففي تلك اللحظة التاريخية كانت أعمق أعماق الشعب السوري مسكونة بالخوف من أخطار عظمى ماثلةهي فوق طاقته حقاً، وتهدد وجوده من أساسه حقاً.. كان هناك حلف بغداد الاستعماري (حلف الناتو) وأطماعه في سورية، مهدداً إياها من الشمال والشرق.. وكان هناك الاجتياح الصهيوني الاستيطاني الإبادي الذي تمركز في فلسطين وأقام "دولته" قبل أقل من عشر سنوات.. وقد ربط السوريون فطرياً بين الاستيطان الاستعماري في فلسطين وبين الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، المستمر منذ ١٣٠ عاماً، وها هو ما حدث للجزائر ينتقل إلى بلاد الشام بوساطة اليهود الصهاينة وبدعم مطلق من الأنغلوسكسون في لندن وواشنطن!.. وهكذا، فكيف يلام الشعب السوري على تفريطه بديمقراطيته من أجل درء خطر يتناول وجوده من جذوره؟.. لقد تطلع الشعب السوري إلى مزايا الرئيس جمال عبد الناصر كقائد عربي وأممي، وتطلع إلى مزايا مصر (كان عدد سكان سورية يعادل عدد سكان القاهرة لوحدها فقط، ولا يزال!) كقاعدة عربية كبرى، وهو يرى الحاجز البشري الصهيوني الذي أقيم بين الشعبين الشقيقين، فالتقط الفرصة التاريخية السانحة وتمسك بها بقوة!.. وبناء على ذلك فإن الشعب السوري كان مصيباً في تضحيته، فما قيمة الديمقراطية، وأية ديمقراطية هذه، إذا كان الوجود مهدداً من أساسه؟
*****
عن سورية الخمسينيات والستينيات، خطر لي أن أقطع اليوم السياق وأن أتوجه إلى الأصدقاء الأعزاء بكلمتين إجماليتين: الأولى تتعلق بطريقة تناول ما أعرضه.. طريقة التناول من قبلي وطريقة التناول من قبل بعض القرّاء.. فأنا لا أدخل في التفاصيل التي تستدعي المماحكات، بل أقتصر على الوقائع العامة وعلى الخلاصات والعبر العامة، وأتمنى لو يجاريني الأصدقاء في ذلك مراعاة لخطورة هذه المرحلة العصيبة التي تكتوي بنيرانها بلادنا وأمتنا، فالذاكرة الجيدة ليست التي تحفظ الكثير من التفاصيل فقط، بلالتي تستطيع إهمال أو نسيان الكثير من التفاصيل عندما تقتضي المصلحة العامة النسيان أو التناسي، وهو ما تقتضيه المصلحة العامة اليوم فعلاً..
والكلمة الإجمالية الثانية التي أرغب في قولها هي لفت الأنظار إلى ملاحظة أن المدة الزمنية لكل عهد من العهود التي حكمت سورية منذ العام ١٩٤٩ وحتى العام ١٩٧٠ كانت في حدود ثلاث إلى أربع سنوات! وإنها لظاهرة مدهشة حقاً (تذكرنا بالخطط الخمسية للدول.. وتلك العهود هي ستة:
١- من العام ١٩٤٩ وحتى العام ١٩٥٤ كان عهد الحكم العسكري لحسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي، والذي يمكن اعتباره عهداً واحداً..
٢- من العام ١٩٥٤ وحتى العام ١٩٥٨ كان العهد الديمقراطي البرلماني الذي لم يغب عنه العسكريون أبداً، وكانت لهم فيه الكلمة المسموعة..
٣- من العام ١٩٥٨ وحتى العام ١٩٦١ كان عهد الوحدة المصرية السورية الذي كان ذا طابع عسكري واضح، إنما على أساس ثوري داخلي وخارجي..
٤- من العام ١٩٦١ وحتى العام ١٩٦٣ كان العهد "الانفصالي" كما يسمى، والذي كان ديمقراطياً برلمانياً إنما مع حق النقض (الفيتو) للعسكريين الذين لم يتورعوا عن اعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي وعن إعادته إلى الرئاسة!..
٥- ومن العام ١٩٦٣ وحتى العام ١٩٦٦ كان العهد البعثي الناصري في البداية القصيرة الأولى، ثم صار العهد البعثي فقط، والذي من المفترض أن الحزب هو من يقوده، بينما كانت للعسكريين مكانتهم البارزة وكلمتهم الحاسمة فيه..
٦- والعهد من العام ١٩٦٦ وحتى العام ١٩٧٠، وقد كان فيه نفوذ حزب البعث واضحاً وفعّالاً إنما ليس من دون احتفاظ العسكريين بمكانتهم وبنفوذهم..
أما منذ العام ١٩٧٠ فقد انطوت نهائياً وبكاملها صفحة تاريخية سورية دامت أكثر من عشرين عاماً، فانتهت حكاية الثلاث/أربع سنوات لكل عهد، وحكايا الانقلابات العسكرية، واستتبت أوضاع السلطة في أساسها تماماً وكلياً منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا.
يتبع
السردية التوراتية هي الكذبة الأكبر في التاريخ.. الملكان التوراتيان داود وسليمان هما مجرد شخصيتين خرافيتين
من هم الحكّام العثمانيون خلال اندلاع الحرب العالمية الأولى؟
من ثورة استقلال سورية.. حدث في حماة أيار 1945- ح5
السردية التوراتية هي الكذبة الأكبر في التاريخ.. الخروج من مصر بقيادة موسى
من ثورة استقلال سورية.. حدث في حماة أيار 1945- ح4
السردية التوراتية هي الكذبة الأكبر في التاريخ- ح1
من ثورة استقلال سورية.. حدث في حماة أيار 1945- ح3
من ثورة استقلال سورية.. حدث في حماة أيار 1945- ح2
من ثورة استقلال سورية.. حدث في حماة أيار 1945- ح1
اتحاد الشباب الديمقراطي في سورية.. النشأة وإعادة التأسيس الأولى
الكيان يُناقِش زواله.. رئيس الموساد: “عدوّنا الحقيقيّ نظام الإبادة الذاتيّة
الإصلاح السياسي في الأردن
الحزب السوري القومي الاجتماعي: المسيرة وأسئلة التقويم
سوريا الخميسنات 2 من 2
سوريا الخمسينات 1من 2