كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما يتكرر العنف ويُربط علنًا بالهوية العرقية أو الدينية

منصور المنصور

ألا لعنة الله عليكم، تخلقون وتورثون أحقادا جديدة في كل يوم يمر، ويحتاج الى أكثر من مئة عام ليتم تجاوزها. سلطة مغموسة بالحقد الطائفي والقومي لن ترى إلا حقدها.
لا ينشأ الحقد الجماعي من فكرة مجرّدة أو موقف عابر، بل يتكوّن ببطء داخل النفس حين يتعرّض الإنسان أو جماعته إلى عنف ممنهج متكرر مقرون بالإهانة ونزع الإنسانية عنه. في البداية يتكون الشعور بالخوف على النفس والأبناء، وهو الحق البسيط والبديهي في البقاء. لكن عندما يتكرر العنف ويُربط علنًا بالهوية العرقية أو الدينية، يتحوّل الخوف إلى وعي يقول: نحن لا نُستهدف لأننا أخطأنا، بل لكوننا كرد او علويين او دروز. تصاب الكينونة نفسها بالجرح، ويبدأ الإنسان بالشعور أن انتماءه بات تهمة، وأن وجوده صار مهددًا في جذره. هذا ما نراه يوميا وعلى اعلام السلطة وبشكل واضح وصريح ولا يحتاج الى جهد لفهمه. بدأوا يطابقوا بين كلمة فلول والعلويين، واصبحت كلمة فلول تهمة، وبالتالي اصبح العلوي بحد ذاته تهمة، وعليه أن يبرئ نفسه في كل لحظة. وهذا ما جرى على الدروز، حيث تمت مطابقة الدروز كطائفة بالهجريين، والصقوا تهمة الخيانة بالهجريين، وبالتالي اصبح الدرزي خائنا، وعليه في كل لحظة أن يثبت عدم خيانته. كذلك جرى مطابقة الكرد بقسد، والصاق التهمة بهم كونهم انفصاليين ومرتبطين بال بي كي كي، ونزع عن الكرد صفة السوري، وهو مدان الى ان يثبت العكس.
ومع تكرار القتل الطائفي والتمثيل بالجثث والتفاخر به، ينتقل الألم من كونه تجربة فردية إلى ذاكرة جماعية سوداء. الحادثة لا تبقى في زمنها، بل تتحول إلى رواية موروثة، تنتقل عبر الحكايات من جيل إلى جيل. كل طفل يولد لاحقًا لا يرث قصة فحسب، بل يرث شعورًا غامضًا بأن هناك من يريد محوه لكونه كذا، وأن العالم ليس مكانًا محايدًا له. في هذه المرحلة يبدأ الحقد بالتشكّل لا كقرار واعٍ، بل كغريزة دفاع نفسي، كآلية تحمي الفرد والجماعة التي ينتمي اليها من الابادة. ويتحوّل الحقد مع الزمن من ردّة فعل إلى درع وجودي يحتمي به الإنسان كي لا ينهار، فيختزل الآخر كله في صورة الجلاد.
إن ممارسة الاذلال أو القتل على أساس الهوية، دينية ام عرقية، لا تخلق ضحايا فحسب، بل تزرع ألغامًا نفسية في مستقبل المجتمع كله. ألغامًا تبقى كامنة في الوعي الجمعي، وتظل قادرة على إعادة إنتاج الألم والكراهية كلما لامسها واقع جديد يشبه واقع تشكلها.
هذا ما تفعله السلطة الان ومنذ عام. فهي تبذل كل جهودها لكي تعادي كل مختلف عنها، سواء كان دينيا او قوميا، وباالتالي تخلق احقادا هائلة يمكن ان تفنجر في اية لحظة، وهذا يخلق مجتمعا مشوها وملغوما.