كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الليلة الليلاء

صفوان زين- فينكس

 لم يُقَدَّر لي في شبابي أن أختبر تجربةً عسكرية أو شبهَ عسكرية (الخدمة الإلزامية سددتُ بدلَها النقدي والتدريب العسكري للطلاب أتى بعدي)، ولم يحدث أن أطلقتُ رصاصةً حية واحدة، بل خمس رصاصات خُلَّبية أطلقتُها على دريئة غُرست على شاطيء الرمل الجنوبي عندما تطوعتُ مع الآلاف من أبناء مدينتي وريفها في المقاومة الشعبية أيام العدوان الثلاثي الشهير على مصر خريف العام ١٩٥٦ (كان التطوع الأكثرَ صدقاً وعفويةً في تاريخ مدينتنا).
غير أنه قُدِّر لي، بالمقابل، أن أشاهد بعد ذلك بسنوات وبأم العين ما جرى في اللاذقية، في بحرها وسمائها، في تلك الليلة الليلاء من يوم السبت ٦ تشرين الأول من العام ١٩٧٣ أول ايّام حرب تشرين، عندما شاءت الصدفة أن تكون مناوبتي الليلية في المصرف التجاري السوري في تلك الليلة بالذات. كان عليَّ وفقاً لخطة الطواريء أن أمضي الليلَ بكامله في المصرف برفقة أحد الزملاء الآذنين، على أن أتصل هاتفياً بمدير المصرف المربوط هاتفه بلجنة طوارىء المدينة في حال حدوث أي طاريء.
كان مساء السادس من تشرين الأول يبشر بليلة هادئة جداً، شوارع المدينة خلت تماماً من السيارات والمارة في وقت مبكّر، والنَّاس، جميع الناس، تحلقوا حول أجهزة الراديو والتلفزيون لمتابعة أخبار المعارك الدائرة على الجبهتين السورية والمصرية في ذلك اليوم التاريخي الذي انتظروه طويلاً.
كنتُ وزميلي الآذن ملتصقَين بالراديو ومنصرفَين بحماس ولهفة شديدَين لتسقط آخر الأخبار الواردة من الجبهتين عندما دوت أصوات قذائف وانفجارات وطلقات مدفعية متلاحقة اهتز لها بناء المصرف واهتزت لها أعصابنا، أعقبها إطلاق نار غزير ومتواصل.
دفعني فضولي بالرغم من الخوف الذي اعتراني لأن أتسلق في العتمة الشديدة وعلى ضوءٍ خافت لشمعة صغيرة السلَّمَ الداخلي المؤدي الى سطح مديرية التربية التي كانت تشغل الطابق الثاني من بناء المصرف، تقدمتُ زاحفاً إلى حاجز السطح المواجه للمرفأ والبحر، تكومتُ خلفه محتمياً به ومططتُ رأسي من فوقه و أنا في قمة الحذر والإثارة كي أتابع مشهداً لن أنساه. البحر مُضاء بقِطع بحرية مشتعلة، والرصاص الخطاط ينطلق في شتى الاتجاهات وكأنها حفلة ألعاب نارية، وضجيج الطائرات المروحية يملأ الجو وقذائف المدفعية الساحلية تهز بناء المصرف.
واضح أن عدواناً إسرائيلياً من البحر والجو كان يجري أمامي. لم تطُل إقامتي على السطح، الخوف مما يجري في الخارج والتحسب لما يمكن أن يجري في الداخل دفعاني لأن أعود بسرعة إلى موقعي داخل المصرف.
ما إن عدتُ من مغامرتي حتى سمعنا صوتَ جلبة وضوضاء في الشارع وهديَر عربات ومجنزرات، استطعنا أن نتبين من خلال النافذة أشباح دباباتٍ تتحرك وسط الظلام الدامس، هل هي دبابات إسرائيلية؟ هل قام العدو بعملية إنزال بحري احتل على أثرها المدينة؟ ماذا يتوجب عليّ أن أفعل وكيف ينبغي أن أتصرف فيما لو اقتحم الجنود الاسرائيليون المصرف؟
كانت هذه التساؤلات وسواها تزدحم في رأسي عندما فاجأني زميلي الآذن بصوتٍ مرتعش بالسؤال الذي كان يقض مضجعي "أستاذ هل الدبابات في الخارج إسرائيلية؟" لم أُجِب ولَم يكن بحوزتي بطبيعة الحال أي جواب كما لم يكن في التعليمات بين يديّ ما يشير الى مثل هذا الاحتمال، أسرعتُ الى هاتف الطواريء واتصلت بالمرحوم يمني صوفي مدير المصرف وأبلغته بما أشاهد ونقلتُ له هواجسي، أصيب المرحوم يمني بدوره بالهلع قبل أن يبادر للاتصال بالمحافظ كي يطمئن منه ويطمئنني بأن الدبابات في الخارج سورية وليست إسرائيلية. تنفستُ وزميلي الصعداء، في هذه الأثناء طُرق باب المصرف بعنف، لم يكن القادم ضابطاً إسرائيلياً كما كنّا نتوقع الى ما قبل دقائق بل ضابط سوري أتى كي يُطمئننا ويُهدّيء من روعنا بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه مدير المصرف مع المحافظ.
بدأ صخب المعركة وضجيجها في الخارج يخفتان بالتدريج الى أن ساد هدوء شامل، أمضيتُ ما تبقَّى من الليل في تسقط أخبار ما يدور على الجبهة المصرية بعد أن حقق الجيش المصري إنجازه الرائع بعبور قناة السويس، ومع ما بدأ يرد مع انبلاج فجر اليوم التالي من أخبار مثيرة وسارة من الجبهة السورية، أما زميلي الآذن فقد غطَّ في نوم عميق مصحوباً بشخيرٍ فاقَ في صخبه وضجيجه كل ما كان يدور على الجبهتين من صخب وضجيج.