حافظ الأسد.. الرجل الذي أرعب العالم
2025.11.24
بقلم كاتب يرى التاريخ لا كما يُكتب، بل كما يُصنع
في زمنٍ كانت فيه العواصم العربية تُدار بالهتاف وتُقصف بالإنشاء، خرج من جبال الصمت رجل لا يشبه من سبقه ولا من أتى بعده. رجل بملامح صلبة، وصوت لا يرتفع إلا حين تهمس الجغرافيا. اسمه: حافظ الأسد. وفي لحظةٍ اختنقت فيها العروبة بين الهزائم والمؤامرات، أمسك زمام الشرق كما يمسك القائد سيفه في ليل المعركة.
لم يكن طاغية كما يروّج الحاقدون، ولا ديمقراطياً كما يحلم الحالمون. كان دولة. بل أكثر: كان فكرة الدولة حين تتجسّد في رجل. رجل يعرف أن الكرامة لا تُستعطى، بل تُنتزع، وأن الهيبة لا تُشترى، بل تُصنع بين الطائرات في السماء والمدافع على الأرض.
أرعب العالم، لا لأنه صرخ، بل لأنه لم يكن بحاجة إلى أن يصرخ. رجلٌ كان خصومه يفهمون رسائله قبل أن يُرسلها. في واشنطن، جلسوا أمام صمته كما يجلس التلميذ المرتبك أمام أستاذٍ لا يُفصح. وفي تل أبيب، عرفوا أن الطلقة التي لا تُطلق أحياناً تكون أخطر من ألف قذيفة.
في لبنان، دخل لا ليحتل، بل ليمنع احتلالاً آخر. فاتهموه بالوصاية، لأنهم لم يحتملوا أن تكون دمشق راعيةً لا راكعة. في فلسطين، لم يلوّن المواقف بخطابات الحشود، بل بدعمٍ محسوبٍ يدوم. وحين ارتبكت القاهرة، وتلعثمت عمّان، بقيت دمشق بوصلتها واضحة: لا صلح، لا اعتراف، لا تنازل.
أما في الخليج، فهناك كان المشهد أكثر تعقيداً ودهاءً. حين زحف العرب أفواجاً خلف البوارج الأمريكية لـ"تحرير الكويت"، جلس حافظ الأسد في الظل، لا مهلّلاً ولا معترضاً، بل مراقباً ببرودة الجبال. أرسل قوات رمزية، لكنه لم يسلّم القرار. وحده فهم أن هذه الحرب لم تكن من أجل الكويت، بل من أجل إعادة رسم خريطة العرب بحبرٍ أمريكي.
لم يصفّق للتدخل، ولم يُمجّد صدام. لم يتورّط، ولم يُساوم. خرج من الحرب وقد حجز مقعداً نادراً: زعيم عربي في قلب المعركة... دون أن يتلطّخ بالهزيمة ولا بالعمالة.
حافظ الأسد لم يكن رجلاً يكتفي بالوقوف في طابور الزعماء. كان يصنع الطابور، ويختار من يقف فيه. أسّس نظاماً يشبهه: شديداً، صبوراً، غامضاً، لا يُؤخذ بالتهديد ولا بالإغراء. نظاماً صمد، وواجه، وتحمل، وحافظ على جوهر الدولة في زمن التآكل.
وحين دخل جنيف، دخلها لا كمندوب عن دولة من العالم الثالث، بل كطرفٍ إقليمي لا يمكن تجاوزه. لم يطلب ودّ أحد، ولم يعرض نفسه للبيع في بازار التسويات. لم يُوقّع، لم يُساوم، ولم ينكسر.
---
اليوم، بعد رحيله، يعيد العالم قراءة ملامحه كما تُقرأ رموز الدول العميقة. خصومه قبل أنصاره يعترفون: لم يكن الرجل سهلاً، ولا طارئاً. كان صانع موازين، لا تابعاً لها.
لقد أرعب العالم لأنه رفض أن يكون رقماً في دفتر الإملاءات، فصار معادلةً تُحسب لها الحساب. لم يكن مجرد رئيس... بل كان الحد الفاصل بين زمنين: زمن التبعية، وزمن القرار.
حافظ الأسد لم يمت. فالرجل الذي أرعب العالم... لا يموت.
صفحة صفوك الشيخ