كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العدالة لا تُبنى على أساس المظلومية

أنس جودة

العدالة لا تُبنى على أساس المظلومية، حتى وإن كانت المظلومية حقيقية. فالمظلومية تفسّر الحاجة إلى العدالة، لكنها لا تصلح أن تكون معياراً لبنائها.
قواعد العدالة لا تُوضع انطلاقاً من تصور من نحن، ولا من افتراض على من ستُطبَّق في المدى القريب، بل تُصاغ بأقصى قدر ممكن من التجرد عن المواقع والهويات وموازين القوة الآنية. هذا لاينفي حاجة العدالة أحياناً-كاستثناء مؤقت ومحدّد-إلى تمييز إيجابي يصحّح اختلالات بنيوية تاريخية، لكن هذا التمييز نفسه يجب أن يُصاغ بمنطق عدالة كلية، لا بمنطق غلبة سياسية.
أي قاعدة تُكتب مع معرفة الموقع، أو باسم جماعة بعينها—ضحية كانت أم منتصرة—هي قاعدة سياسية مقنّعة، لا قاعدة عدالة.
ميزان العدالة الحقيقي يُقاس من موقع الضعف لا من موقع القوة.
العدالة هي ما تقبل أن يُطبَّق عليك حين تفقد النفوذ، لا ما تطالب به وأنت في المركز.
العدالة ليست اجراءً أو قانوناً واحداً، بل نظامٌ متكامل يضمن ألا يصل أي ضعف —فردياً أو جماعياً- إلى نقطة انهيار كلي. القاعدة العادلة هي التي تمنع تراكم المظلوميات والقهر، لا تلك التي لا تتدخل إلا بعد السقوط.
العدالة في التعليم تعني أن تقبل بالحد الأدنى من التعليم الذي قد يتلقاه أولادك في أقصى مدرسة ريفية، وأن تُعامل شكواك حول تلك المدرسة كما تُعامل شكاوى الأهالي في المركز.
العدالة في الصحة لا تُقاس بمستوى المشافي المتقدمة، بل بقدرتك على القبول بالعلاج في أبعد مستوصف عام، من دون امتياز ولا وساطة.
أما العدالة الانتقالية، فهي الامتحان الأخطر:
أن تقبل بالنظام القانوني ذاته، وبآليات المحاسبة نفسها، وبالضمانات نفسها، حين تكون خارج السلطة وفي أضعف حالاتك السياسية والاجتماعية.
أي تصور للعدالة لا يجتاز هذا الاختبار هو عدالة سلطة، لا عدالة مجتمع.
العدالة ليست عدالة من ينتصر اليوم، ولا من يقف في المركز الآن، ولا من يملك القوة حالياً فهذه مواقع مؤقتة، وكل قاعدة تُبنى عليها ستنقلب يوماً على من وضعها.
العدالة هي عدالة الضعيف، وعدالة الأطراف، وعدالة من يمكن أن يكون مغلوباً اليوم أو غداً.
قد يبدو هذا التصور للعدالة ترفاً أخلاقياً في لحظات الانتصار أو الغضب، لكنها في الحقيقة شرط الاستمرارية الوحيد. ليس لأنها تضمن الاستقرار، بل لأنها تحوّل الصراع من دورات انتقام لا نهائية إلى خلاف قابل للتدبير ضمن قواعد مشتركة.
أما عدالة الغلبة، فليست سوى دورة عنف مؤجلة، يطبّقها كل من يصل إلى السلطة ضد من سبقه.
كل نظام عدالة يُكتب باسم «المظلومية التاريخية» أو «خصوصية الحالة» سيصبح غداً سابقة تُستخدم ضد من كتبوه. والعدالة الانتقالية التي لا تتجاوز منطق الانتقال نفسه، تظل محاصرة بمنطق الثأر، حتى وإن اكتست ثوب القانون.
وفي السياسة، لا يوجد أبد.
لا حكم يدوم، ولا قوة تستمر إلى يوم القيامة.
الأبد الوحيد الذي سنواجهه هو استمرار دورات المظلومية والقتل، إذا لم تُكسر بقواعد عدالة عامة تصلح للجميع—بما فيهم من لم يولدوا بعد.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي:
أن نبني نظاماً لا نعرف فيه—حين نضع قواعده—أين سنكون غداً.
أن نؤسس لعدالة تحمينا حتى من أنفسنا المستقبلية، حين قد ننسى، أو نغضب، أو نُغرى بالسلطة.
هذه ليس مثالية، بل شرط بقاء.
فالتاريخ لا يرحم من يظنون أن قوتهم أبدية.
 
بيتر بروغل الأب
The Triumph of Death (c. 1562)
انتصار الموت
ليست هذه اللوحة ليست تصويراً مباشراً للعدالة، لكنها تكشف ما يحدث حين تُستبدل بالانتقام. الموت هنا يعمّ الجميع بلا تمييز، في إشارة إلى أن عدالة الغلبة لا تُنهي الصراع، بل تعمّمه حتى يبتلع المجتمع بأكمله. حين يغيب الميزان، لا ينجو أحد.