الظلام القادم من الضوء
2025.10.31
المحامي منيب هائل اليوسفي
كأن الحكومة وجدت متعة في اختبار صبر الناس كل حين.. وكأنها تتعامل مع الشعب كآلة تتحمل الشحن.. وليس كبشر أنهكهم الفقر والتعب والانقطاع الطويل بين أمل وأمل..
رفعوا سعر الكهرباء، وكأنهم رفعوا الغطاء عن وجع جديد.
كأنهم قالوا للناس: عيشوا في النور إن استطعتم...أو عودوا إلى الظلام الذي تعرفونه جيدا.
منذ بضعة أشهر.. خرج السوري من تحت الركام جائعا إلى الخبز.. وإلى الأمان، وإلى ضوء يبقى مشتعلا في آخر الليل.. خرج وهو يحلم أن تكون الكهرباء أول بشائر الحياة.. فإذا بها تتحول إلى كابوس جديد يزاحم أحلامه على الفاتورة.
الأسلاك ذاتها، الأعمدة ذاتها، المحولات ذاتها.. وحدها الأرقام تغيرت على الورق.
كل واط صار جرحا مؤلم في الجيب.. وكل لمبة تضيء باتت كأنها تشعل نارا في الفاتورة.
في بيت الموظف، صار الضوء ترفاً.. في بيت العجوز.. المدفأة تذكرها بشتاء لن يأتي أبدا وفي بيت الطفل انطفأت الرسوم المتحرّكة قبل أن ينام.
الكهرباء ليست طاقة فقط، إنها حياة.. حين ترتفع.. ترتفع معها أسعار الخبز، والماء، والدواء، وحتى الحلم الصغير بقطعة ثلج في كأس صيفي.
الفقر لم يعد في الجيوب فقط.. صار في العيون التي تخاف النظر إلى العداد.
أعلموا جميعا أن الإجرام ليس دوما طعنة سكين أو طلقة رصاص... أحياناً يكون توقيعا على قرار يطفئ قلوب الناس وهم أحياء.
أن تجبر أسرة على النوم في العتمة لأن الراتب لا يحتمل فاتورة النور، فذلك جريمة من نوع آخر، لا تكتب في سجل العدالة غير انها تكتب في ذاكرة الألم والوجع.
الاعتراف بالخطأ فضيلة وايضا والرجوع عنه فضيلة أكبر.
ورفع سعر الكهرباء.. وإن كان له مبررات اقتصادية على الورق.. إلا أن توقيته اليوم أقرب إلى خطأ في الإحساس لا في الحساب.
فالشعب الذي خرج لتوه من حرب أنهكته، لا يحتمل حرباً جديدة مع الفواتير.
كان الأجدر أن تمنح الناس هدنة وليست صدمة... وأن يعطوا بصيص أمل قبل أن يطفأ ما تبقى من ضوء في قلوبهم.
كل قرار اقتصادي لا يرحم الفقراء هو نوع من القتل البطيء، يختلف السلاح وتبقى النتيجة واحدة.
وكل حكومة تنسى أن الشعب هو مصدر النور الحقيقي، محكوم عليها بالعيش في ظلام أبدي، مهما أضاءت محطّاتها.
قال تعالى في محكم تنزيله، بسم الله الرحمن الرحيم: واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون
صدق الله العظيم