كان "ينبغي" أن تستشهد يا سيّد!
2026.02.17
(في ١٣ شباط ٢٠٢٥: كتبتُ وأستعيدها)
عبد الغني طليس
———————
كان "ينبغي"في هذه الحرب أن تستشهد يا سيّد. هذه الحرب تحديداً التي لها عنوان واحد هو فلسطين. هو القدس. هو الكرامة العربية التي .. أُهينَت فور انتهائها أضعافاً مضاعَفة عما أُهينَت من قبل. فاستشهادُك في حرب من أجل لبنان كان يمكن أن يحصل في السابق، أيِّ وقت سابق وأنت رأسُ المطلوبين للولايات المتحدة وإسرائيل. لكنّ ربّك قرر أنّ استشهادك ينبغي أن يكون لهدف آخر يتجاوز الكيانية اللبنانية إلى الكليّة العربية والإسلامية: القدس، ذاك الذي كان هدفَ العرب والمسلمين كلهم قبل أن يضربهم وهْم "حل الدولتين" ويناموا على حريره ليكتشفوا، من ساسِهم إلى رأسهم أنه الحل الذي كذبَت به أميركا وإسرائيل عليهم لتضعَهم في محور اعتدال مُطْمَئِن ومُعتمَد عليه كونه محطّ ثقة، ريثما تنتهي من محور الممانعة الذي يواجهها، وقد صُوِّر هذا المحور شيطاناً رجيماً صَدّقت شعوب عربية وإسلامية كثيرة أنه هكذا فعلاً وتعاملَت معه على هذا الأساس. وحين تيقّنَت أميركا وإسرائيل أن محور الممانعة ضَعُف وتلقى ضربات تحتاج وقتاً للقيامة منها، وعلى الحامي، كشّرَتا عن أنيابهما وأعلنتا من دون سؤال أحد، لا دولة ولا زعيم ولا شعب ولا أمم متحدة، أن الحل للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الترحيل من غزّة والضفة الغربية/ أرضهم المحتلة، إلى مصر أو الأردن أو السعودية . صدمة خرافية أشعلت الشرق الأوسط من جديد في أوسخ مشروع أميركي إسرائيلي منذ النكبة .
المنطقة العربية يا سيّد حسَن تُستعيد اليوم حرفياً خيانة الدول الكبرى في الحرب العالمية الأولى عندما وعدَت بريطانيا وفرنسا الشريف حسين بالحرية إذا وقفَ مع الحلفاء وانتصروا ضد العثمانيين، وحين انتصروا، عاجلوه بتقسيم المنطقة والتنكّر لوعودهم. هو نفسه الأمر، يحصل اليوم !
كان "ينبغي" أن تستشهد يا سيّد، وفي غرفة عملياتك تحت سابع أرض، فالأمة التي تنتظر عدوّها ليُصنّف رجالها، ويُعرّفها مَنْ منهم عليه أن يعيش ومَن عليه أن يموت، وهي تصفق له مستمتعةً، هي أمّة لا تستفيق إلا حين يصل المخرز إلى عينها بعدما عرّت نفسها من أي قوة تتمكن بها من رفع رأسها أو النظر في عيون تاجر بذهنية وحش بشري اسمه ترامب، أو مُخَرِّب يهودي فاجر اسمه نتنياهو.
ويا سيد، كان "ينبغي" أن تستشهد حتى لا تقرأ عن وزير خارجية عربي حديث النعمة والوعي أن "حل ترامب هو الوحيد الذي بين أيدينا" في موافقة موارِبة على تشريد الفلسطينيين مجدّداً، وفي تجاوز لأبسط مستوى تضامن فطري مطلوب اليوم مع إخوانهم في فلسطين ومصر والأردن والسعودية. وحتى لا ترى يا سيّد حسَن بقية البلدان العربية، وعلى رأسها سوريا التي دفعتَ أربعة آلاف من شبابك الصناديد في سبيل نظامها، تركَها النظام خاليةً في ليلٍ والتحق بالهاربين من شعوبهم، وقد احتل نتنياهو أرضاً جديدة فيها ، فوق الجولان، ودمّر كل مقومات جيشها ومقدّراته عن بكرة أبيها، والسلام بين نظامها الجديد وإسرائيل مسألة أيامٍ لا بدّ أن تعقب حفلة التعاون التي كانت قائمة أيام "الثورة".
وكان "ينبغي"أن تستشهد يا سيّد قبل أن ترى إيران، إيرانك بالتحديد القوية المقتدرة التي أقنعْتَنا بصدقها في مشروعها المقاوِم غير القابل للانكسار، وكان يصدح صوتك بناءً على صوتها بوحدة الساحات ..كيف تخلّت عن ساحتك أنت أولاً، وكيف لملمَت "وَعد الصواريخ" على إسرائيل الذي سُحِبَت "الألِف لام" منه فانقلب "صواريخ" معدودة لم تغير شيئاً في الدولة العِبرية، في حين تلقّت هي من الضربات الصهيونية في الداخل، وفي الخارج المُساند لها، ما جعلَها تُخفضُ الصوت بخيبة مريرة وترضى بموقف المتفرّج على تداعيات حرب نتنياهو ،والآن حرب ترامب ونتنياهو على العالم العربي بعيونٍ .. تشعر بأنه جاء دورها للشماتة بشعوب وأنظمة لطالما شمتت بها وشنّعَت عليها، وكم تمنت تقويضها !
وكان "ينبغي"أن تستشهد يا سيّد، قبل أن ترى في لبنان ما نتحسّسه بعد عدوان إسرائيل الأخير، من استفراد للمقاوَمة سياسياً وعسكرياً واجتماعياً ومالياً ( للإعمار)بشكل فظّ، وتلك علائم صراع أهلي أخذَت تتصاعدُ وتيرتُه من يوم إلى يوم ، وربّما تزَكّيه أميركا وإسرائيل ( ولمَ لا تفجّرانه؟) من أجل رفعِ ضباب دموي يسرق الأنظار عما قد يحدث بين إسرائيل (وخلفها أميركا) وبعض بلاد العرب من اهتزازات وتوترات انطلاقاً من المشاريع الجديدة لخنق الفلسطينيين بالأيدي العربية .. إن بحروبٍ مجلجلة أو بحروب صامتة وهذا أدهَى .
كان "ينبغي" أن تستشهد يا سيّد رأفةً بوعيك وشجاعتك وحضورك المهيمن الذي أوقف أميركا وإسرائيل أكثر من رُبع قرن على قدَم واحدة ، وقد انتهى ذلك الزمن العابق بالشهادة والتصميم والإرادة على البقاء الكريم.. وضَناً بأخلاقك وكرامتك وحنانك وعزة نفسك ومحبتك وروحك الطيبة ورباطك الوثيق بالناس أشرفِهم وأطهرهِم وأعزّهِم كما كنت تقول .
لكنْ، ما كان ينبغي يا سيّد أن تستشهد، على الأقل، قبل أن تُلقي بنا خطاباً تقول فيه إلى أين نحن ذاهبون. إلى أين يا سيّد؟ إلى أين المقاوَمة ولبنان والمواقف المعلَنة تشير إلى سَلْبَطَة إسرائيلية مُمهورة بالتوقيع الأميركي تحتل لبنان بالطائرات، وبالسياسة ومرتزقَتِها في الداخل، والحِمْل الجنوبي والوطني على كتفي حبيبك ورفيقك نبيه برّي اليوم يوزِنُ جبالاً، وأجيالاً، وعَينُه بمائة عَين على ما يجري، ومع ذلك كاد يقع من طُولِه حين تسلّم الدعوة لتشييعك يا سيّد … وأخصامه (لمَ لا أعداؤه!)يتمنون أن …يعطس ليفرحوا؟
لقد ودّعت جمهورك في آخر خطاب لك، ولم ينتبه أحد أنك تودّع. قلتَ "إلى اللقاء في الشهادة، في جوار الأحِبة" فإذا بها جُملة ما ورائية غيبيّة تامة وناجزة. ولا أتجاوَز عهدي بمعرفتك عن بُعْد، إذا قلتُ إنك شممتَ رائحة خيانةٍ قاطعةٍ حولك، مِمّن لا يُظَنُّ بهم، فأدركتَ أنك شهيد، ولم تُصَدِّق ما كان يقوله قلبُك ويَصْدق …
( مضمون المقال ينبغي أن يُربَط بوقت كتابته ونشره قبل عام/ أي بعد الحرب على لبنان).