كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشاعر سليم بركات واللغة العربية

منصور المنصور

في ظل هذا الانحطاط المريع، كان لا بد من الحديث عن الشاعر والروائي الكردي السوري العظيم سليم بركات. نظرة مختصرة تعلق باللغة العربية فقط
..نزار قباني كتب له ذات مرة في رسالة: "مولانا.. إرفع يدك عن الشعر!".
يقول بول شاوول:
سليم بركات هو أكثر من حالم، هو صانع أحلام، وأكثر من لغوي، هو صانع لغات".
أما محمود درويش يقول: "بذلت جهدًا حتى لا أتأثر بسليم بركات"
بينما أدونيس في وصفه سليم بركات: "اللغة العربية في جيب هذا الشاعر الكردي".
سليم بركات يقول عن نفسه:
"كأيّ كرديّ أبصرتُ وعشتُ ولا أزال، ضحيَّة قمعٍ واستبدادٍ سلطويّ سوري، وكثيراً ما كان شخصٌ مفردٌ يعيد إليّ رونَق أن أكون كرديَّاً".
سليم بركات ثروة وطنية كبيرة، فرط بها القوميون العنصريون منذ ايام البعث وحتى الان. قدم للغة العربية ما لم يقدم اي اديب عربي. لم يتعامل مع اللغة العربية بوصفها أداة كتابة او تواصل فحسب، بل اتخذها ميدانًا للخلق والاختبار وإعادة الاكتشاف. على الرغم من كونه كرديًا، اختار العربية لغةً لمشروعه الأدبي، لكنه لم يستخدمها كما غيره من الكتاب، بل أعاد تشكيلها، ودفعها إلى مناطق لم تكن مطروقة في السرد والشعر العربيين من قبل. في نصوصه تبدو العربية كائن حيّ يتنفس وينمو، ويكبر. كائن قابل للتمدّد والانثناء، لغة تقوم على توليد المعنى، حتى إن القارئ يشعر أحيانًا أنه يتعلّم لغة جديدة داخل اللغة نفسها.
يأخذ الكلمات المألوفة ويعيد صياغتها دلاليًا بالانزياح والتركيب غير المتوقع. المفردة عنده لا تستقر على معنى واحد، بل تتغير بحسب السياق، فتنتج طبقات متعددة من الدلالة تجعل القراءة فعل كشف لا استهلاك. بهذا المعنى تصبح اللغة شريكة في السرد لا خادمة له.
اللغة العربية عند سليم بركات مشبعة بالأسئلة الوجودية المرتبطة بالهوية والمنفى والغياب. العربية عنده مأوى ومنفى في آنٍ واحد. تخيل ايها العنصري العربي، البعد الانساني عند سليم بركات، يكتب باللغة العربية عن الكردي، لكن هذه اللغة نفسها تصبح مكان اغترابه، ومساحة اختباره للانتماء والاقتلاع. وهكذا يصبح النص، نثري او شعري، سجلًّا شعوريًا لتجربة العيش بين لغتين وذاكرتين وتاريخين.
أن ثراء مفردات سليم بركات، واستدعاءه للغة التراث والأسطورة والمخيال الشرقي يمنح نصوصه عمقا لغويا مدهشا، تجعل القارئ أمام عالم لغوي مكتمل. وبهذا الأسلوب يمكن القول إن سليم بركات لم يكتب بالعربية فحسب، بل وسّع حدودها التعبيرية، وابتكر داخلها لغة أخرى، لغة تُشبهه، وتمنح الأدب العربي نبرة جديدة، أكثر توتّرًا، وأكثر شعرية، وأكثر جرأة في مساءلة الهوية والمعنى.