كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التقوقع لا القطيعة.. نجاة شعب يبحث عن اسمه

ريتا خيربك

هذا النص كُتب بعد نقاشات طويلة، ورسائل كثيرة، ودموع، وفكرة ظلّت تذهب وتأتي في رأسي مثل ظلٍ لا يريد أن يستقر.
كتب لي أحدهم منذ أيام، باختصار موجع:
غادرتُ دمشق بلا ندم. مشيت في شوارع شبابي، دخلت إلى الأماكن التي كانت تحمل وجهي وحياتي، فلم أشعر بشيء: لا حنين، لا شوق، ولا ألم حتى. المدينة التي لم تدافع عنّي لم تعد تستحق حزني.
ثم التقى صدفةً شاباً لا يعرفه، عرف فقط أنه “من الساحل، من أهلنا”. في تلك اللحظة، كما كتب: “دبّت الروح في قلبي”. ضحكته خرجت من أعماقه. شعر أنه التقى أهله لا لأنه يعرف هذا الإنسان، بل لأنه من نفس الجرح، من نفس الأرض المهددة.
هذه الرسالة ليست قصة فرد واحد. إنها مرآة لحالة شعب كامل اكتشف متأخراً أن انتماءه الحقيقي لم يكن طوال الوقت للمدينة، ولا للحزب، ولا للشعارات، بل لأولئك الذين دُفعوا معه إلى حافة الإبادة: يحملون الاسم نفسه، والخوف نفسه، والذاكرة المهددة ذاتها.
ولهذا أقول: التقوقع الذي نراه اليوم ليس ترفاً فكرياً، ولا تعصباً طائفياً، ولا كرهاً للعالم.
التقوقع، كما أفهمه، أسلوب نجاة.
لأن الإبادة لا تبدأ بالرصاصة. تبدأ بالكلمة:
“هؤلاء ليسوا بشراً”،
“أقلية نجسة”،
“طائفة مجرمة”.
ثم تتحول الكلمة إلى ممارسة: قتل، خطف، اغتصاب، تهجير، تجويع، ومحوٌ للذاكرة.
وحين يتحول اسمك نفسه إلى تهمة، يصبح الانسحاب المؤقت إلى الداخل غريزة بقاء، لا “عيباً أخلاقياً”.
لكن انتبهوا: ما ادعو إليه ليس قطيعة مع العالم.
نحن لا نبني سوراً كي نكره الآخرين.
نحن نبحث عن سقفٍ كي لا ننكسر.
التقوقع هنا ليس انسحاباً من الحياة، بل انسحابٌ من دورٍ فُرض علينا: دور الوقود والديكور والشاهد الصامت.
أن نخطو خطوة إلى الداخل كي لا نُقتل مرة أخرى ونحن نرفع شعارات لا تشبهنا، وكي لا نتورّط في صمت جديد يشبه التواطؤ ضد أنفسنا.
لسنوات طويلة، لم يتكلم العلويون مع بعضهم عن أنفسهم.
ذابوا في لغة الدولة وشكل الدولة.
كنّا “جيشاً”، “شعباً”، “رعية”، وقلّما كنّا شعباً له اسم ورواية عن نفسه.
لم نسأل بجدية: من نحن قبل الأسد؟ من نحن بعده؟
ماذا نريد كعلويين كي نستطيع أن نعيش مع الآخرين من دون أن نُساق مرة أخرى إلى المذبح باسم الوطن، أو الثورة، أو أي شعار جديد؟
واليوم، بعد التهديدات والتحريض ورفع الرايات التي تنادي علناً بذبحنا، صار التقوقع البسيط، لا التعصب، بل الانكماش الواعي، ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خياراً سياسياً.
نحن شعب يتحمّل تعدد التيارات واختلاف الآراء والجدل الحاد، لكنه لم يعد يحتمل فكرة واحدة مجنونة تأخذه إلى المجهول مرة أخرى: زعيم جديد، (حل تاريخي) جديد، ووعد جديد تدفع فاتورته من دم أولادنا.
لذلك، التقوقع الذي أدعو إليه هو:
أن نلتفت لبعضنا أولاً.
أن نعطي أنفسنا حق الحوار (العلوي العلوي) عن الهوية.
أن نستعيد الماضي الذي سبق الدولة والزعيم.
أن نجمع الذاكرة المبعثرة قبل أن تُسرق مرة أخرى ويعاد تدويرها في صفقات الآخرين.
السابع من آذار وما تلاه كان بالنسبة لكثيرين لحظة فهم قاسية:
إن الوطن الذي لا يتّسع لاسمك لن يتّسع لحقوقك لاحقاً.
وأن من لا يستطيع حتى أن يعترف بأنك شعب، لن يتردد في أن يعامل دمك كـ “تفصيل جانبي” في معركته الكبرى.
من هنا يبدأ الوعي السياسي الحقيقي: أن تعطي لوجودك قيمة غير قابلة للمساومة، وأن تعرف أن أول شرط للعيش مع الآخرين هو ألا تختفي أنت.
أحبائي العلويين والعلويات،
التقوقع الذي أكتبه لكم الآن ليس دعوة للكره، بل دعوة للإنقاذ.
أن نجلس مع بعضنا، في الساحل، في دمشق، في المنفى، ونبدأ من الأسئلة المؤلمة التي هربنا منها طويلاً:
من نحن؟ ماذا نريد؟ ماذا نكون؟ وكيف نكون مع الآخرين من دون أن نُمحى نحن؟
كل رسالة تقول: (غادرت دمشق بلا ندم) كل ابتسامة يتبادلها علوي مع علوي لا يعرفه،
كل دمعة على مقبرة جماعية في الساحل،
هي جزء من ولادة لغة جديدة لشعبٍ يحاول، بعد محاولة إبادة، أن يمسك باسمه من جديد… وألا يسلّمه لأحد بعد اليوم.