كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكريات سياحية فريدة تفاصيلها الذهبية قابعة في عالم الخيال

 سليمان حسين- خاص فينكس:
 
المكان هو كورنيش الدريكيش، أما الزمان فهو طفولتنا التي بدأت تنسج خيوط الشيب وتحفر تجاعيد رسمت معالم كِبر السن فاتحة طريق الكهولة، ذاكرة حاضرة لا تُنسى لنزهات ومشاوير مسائية برفقة جوقة من كبارنا الشباب واليافعين، حيث كانت قبضاتهم تعصر أكفّنا حتى المعصم كي لا نتوه في عالم ذلك الكورنيش المتخم بالضيوف، أما نحن فكنّا نلهو بتعداد أرصفته المربعة المتناسقة الجديدة في عالم تلك الطفولة، هم كانوا يعلمون أين وجهتهم كونهم كباراً، ونحن ما علينا سوى الانسياق والانجرار بين تلك المجموعات الغريبة من الوجوه والسحنات الشقراء المنتشرة على حافة ذلك الكورنيش.
فقط كنا نسمع كلماتهم الخرساء، أعينهم الزرقاء ترنو إلينا يشوبها ابتسامة عابرة، هم لا يكترثون بذلك المقعد المبني من الإسمنت في ذلك الزمن، أغلبهم كان يفترش الرصيف حيث يتدلى ذلك الجلد الأبيض المغطى بالقليل من الثياب التي تشبه الشِباك، كنّا نسمع من مرافقينا الكبار أن هؤلاء مصطافون أجانب، طليان وفرنسيين وإسبان وغيرهم، أعدادهم كبيرة جداً تضاهي أبناء وأهل ذلك الكورنيش.
فُضولنا الطفولي كان يدفعنا بالسؤال المهم، لماذا يأتوا إلى هنا؟ والجواب الحاضر المختصر كان يتلخّص بجملة (حتى يشربوا من مياه ينابيع الدريكيش كونها مفيدة) وفعلاً كلٌ منهم يقبض على عبوة مياه جميلة كنا نسميها (مطرة) تدل على أنهم قد مرّوا بجانب تلك الينابيع المعدنية المتواضعة المنتشرة على جنبات وأزقة شوارع المدينة، حيث مياهها المتدفّقة العذبة النقيّة تأخذ طريقها إلى الوديان لتسقي مزروعات تقاسمت الشهرة مع تلك المياه المعدنية ، أما هؤلاء المصطافون كانوا على علم بما تخفيه تلك المياه من فوائد كبيرة لصحة أبدانهم، بالإضافة إلى جلوسهم على كتف ذلك الكورنيش المفعم بالهواء النقي العليل الخارج من طبيعة ساحرة.
هؤلاء الأجانب يعرفون مقصدهم ومبتغاهم هم قاموا بسياحة روحية - طبية - نفسية في عالم يخلو من التصنّع، بعيدين عن أدخنة سياراتهم ومصانعهم، هم أتوا إلى طبيعة بِكر ومدينة نظيفة من مسببات التلوّث وأهمها ندرة السيارات في ذلك الحين، حيث أعدادها لا تتجاوز أصابع الكفين، علماً أن الترويج السياحي في تلك الأيام كان صفراً وغير موجود، حتى السياحة نفسها كانت عشوائية باستثناء بعض القادمين لرؤية آثار الرومان والفينيقيين وكنعانيي المنطقة، أمّا مُبلِغهم الصادق فهو الاستعمار الفرنسي الذي مكث في مدينة الدريكيش لسنين طوال، و ما زالت آثار حاميتهم ومراكز قياداتهم موجودة إلى الآن، بالإضافة إلى ربط تلك المناطق بجسور متينة قائمة حتى اليوم وهي قيد الاستخدام ، فكان هو المرشد والدليل على كنوزنا وما تختزن طبيعتنا من سياحة وجمال.دريكيش 3
الغريب العُجاب في تلك الأيام وهي سبعينات القرن الماضي كان وجود سينما بكل ما تعنيه الكلمة، وهي مقصدنا في مدينة صغيرة ليالي أزقّتها مظلمة كبيوت الأشباح، وهذه السينما بحدّ ذاتها أداة سياحية ومطلب جماهيري لأيام كانت الطاقة الكهربائية شبه معدومة ولم تشرّفنا بنورها البهي بعد، فهذه عدة تفاصيل ومكونات لخامات أساسية من صناعة سياحية وُلدت عفو الخاطر بدون تدخلات، وهي الآن مطلبنا الرئيسي لترويج مطارحنا المتنوعة وأهمها عودة مياه الدريكيش المعدنية لشهرتها وعالميتها والتركيز على الآثار الشاهدة على عظمة وقيمة تلك الجغرافية، وعودة كورنيشها الذي كان مرتعاً مخلصاً لسياحة حقيقية زاده قليل من الفستق والبوظة وعرانيس الذرة المسلوقة والمشوية على حطب السنديان وبزر الميال المحمّص وبعض الحلويات المنزلية.
الأكثر أهمية هو الاعتناء بضفاف نهر قيس ذي الجمال الأسطوري الذي أعطى نكهة أخرى لسياحة مكتملة وريف نظيف يشبه قلوب ساكنيه الذين يقدّرون قيمة الضيف ويحسنون استقباله بعفوية وابتسامة، فهل يعود زمن الدريكيش الجميل أم أن الغربة السياحية ستبقى الحكم والفصل لمدينة كانت منذ أربعون عاماً قطعة ومنحوتة أوروبية خالصة.