كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في رسالة يوم المسرح العربي د. مهران المسرح هو ابنٌ لعصره.. فعل نقدي يقاوم المسلمات

أمينة عباس - فينكس

ألقى د. سامح مهران رسالة يوم المسرح العربي منذ قليل في افتتاح مهرجان المسرح العربي في القاهرة الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية خلال الفترة من 10 إلى 16 كانون لثاني 2026، وقد اختارت الهيئة لهذا العام د. سامح مهران من مصر ليكون صاحب رسالة اليوم العربي للمسرح لعام 2026، تقديراً لمكانته الرفيعة في المشهد المسرحي العربي ولما يمثله من موقع معرفي مرجعي، ولدوره الفاعل في صياغة المشهد المسرحي مصرياً وعربياً قيمة معرفية وإبداعية.
نص رسالة اليوم العربي للمسرح لعام 2026
يقول د. سامح مهران في رسالته:
السيدات والسادة ضيوف المهرجان العربي أهلاً وسهلاً بكم في مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشر.
إن المسرح دائمًا هو ابنٌ لعصره، ومن ثم فعلاقته بالسلطة والمعرفة والسياقات الاجتماعية لا شك فيها. فالعملية المسرحية من جانب مهم منها، عبارة عن تفكيك للخطابات والمعاني السائدة، وكشف لبنى السلطة المنتجة لما نعتبره معرفة. كذلك يشبه المسرح بالفلسفة، بما أنه فعل نقدي يقاوم المسلمات، ويزعزع البديهيات. فعندما تتمكن الذوات من معرفة نفسها، تستطيع ممارسة حريتها حتى ضمن أي شرط قسري.
نحن نعيش في ظروف بالغة التعقيد في عالمنا المعاصر، فقد تم إنتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، وأصبح مستوحدًا أمام تقنيات الاتصال الحديثة، وما تفرضه من عوالم إفتراضيه تؤكد هذا الاستلاب الجماعي، وتفرض أسوارًا عازلة تمنعه من التفاعل الإيجابي من أجل التغيير. كذلك هناك ثورة بيوتكنولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، قد تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية، فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحول التدريجي للإنسان إلى شي آخر فوق بشريPost Human. مما له آثار جسيمة في تغيير الطبيعة الإنسانية أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا. فمثل هذا التحول سيؤدي إلى مجتمعات طبقية بيولوجيًا. فهناك أدوية مثل "بروزاك وريتالين" تغير من المزاج أو الأداء العقلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حرية الانسان عندما يخضع لأدوية تعيد تشكيل وعيه. كذلك تعمل التقنيات الحديثة على التحكم العقلي والسلوكي بواسطة الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي المتكامل مع الجهاز العصبي، ليس فقط على تحسين الوظائف الجسدية، بل لضبط الفكر والإرادة. فالإنسان قد يتحول ليصبح كائنًا إلكترونيًا، خاضعًا ومدارًا عن بعد من قبل شبكات رقمية مركزية، يفقد فيها وبها حريته الداخلية.
إن التقدم العلمي والتكنولوجي أدى إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته، فالأفراط في التنظيم والسيطرة يحمل مخاطر تؤدي إلى مجتمعات تفتقر إلى الإبداع والمرونة. وأيضًا أدت وفرة المعلومات وسرعة تداولها إلى تشتيت الانتباه، وتراجع التفكير النقدي، وسيطرة العواطف، والمحتويات السطحية، علاوةً على انتشار المعتقدات الخاطئة. لقد تسبب الفضاء الرقمي في أزمة إدراكية Cognitive apocalyps تهدد القدرات الجماعية على التمييز بين الحق والباطل، فمثل هذه الفوضى العقلية، على المسرح أن يتناولها بالتحليل الدقيق، فما يتوجب الالتفات إليه جيدًا، هو أن أي تقدم علمي يجب أن يضبط معايير أخلاقية، وليس بواسطة آليات السوق أو العلم المجرد وحده. نحن أيضًا في منطقة صراع ينبغي حله، صراع بين ساحات العقل الحداثية، والموروث الذي يسكن الوجدان. فهل نحن جسور لهذا الإرث، أم مبدعون في ضوء معطيات العصر؟
لقد تمت أدلجة الموروث، فغدا لتأطير السياسي والثقافي، يسيطر بها على الفكر والأدب والفن. لذا لا يجب علينا أن نعيد صراعات الماضي، بينما نحن قادرون على تنويع الهويات والجمع بينها. لقد أصبح التعدد بمثابة خيار وجودي، يتيح لنا الإبقاء على ذواتنا، ومواكبة العصر في نفس الوقت. ولذلك لابد من إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم وبموروثاتنا دون أن نفقد ألق الانتماء إلى أيهما، بل نمنح الهوية فرصة لأن تكون مرنة وحرة وقادرة على الحوار والتفاوض. إن المسرح ساحة مليئة بالتوترات التي ينبغي التعامل معها بصدق وأمانة، توتر بين الذاكرة النموذجية، التي تستخدم لفهم الشر ومنعه، والذاكرة الحرفية التي يتم استغلالها لأغراض أيدولوجية، أو للانتقام. وتوتر بين الوجود المسبق والوجود المكتسب من التجربة في الواقع المعيش، وتوتر بين الذات السردية التي لا يلحق بها التغيير، الذات الأسلوبية التي دائمًا تعيد تقديم نفسها إلى العالم عبر آليات الاختيار والانتخاب والتفكير النقدي. وتوتر بين شعريات الامتثال التي تقدم عالمًا مبنيًا، يفرض على الجمهور كيفية التفكير والسلوك، وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والارتجال والزمن الممتد (حيث لا بداية ولا نهاية) والابتكار والتفكيك والتفاعل مع المتفرجين، ذلك التفاعل الذي يجعل من الحدث المسرحي، حدثًا ديناميًا متغيرًا. وتوترًا بين الخصوصيات المحلية، وما تفرضه العولمة من قيم التماثل، فقد أعادت العولمة تشكيل مفاهيم الثقافة، مهددة الهويات المحلية عبر اقتصاد السوق، كما أعادت تعريف المواطنين كمستهلكين دائمين للقروض، وملتزمين بتسديد الديون، وخاضعين لمراقبة مالية وسلوكية. وأخيرًا توتر بين العدالة والقانون، إذ لا يعتمد القانون على منطق أو عدالة، بل على سلطة مؤسسية غير قابلة للتبرير العقلي الكامل، وهو ما يجعل من العدالة مطلبًا أخلاقيًا غير منجز.
إن القوة الأخلاقية للمسرح تكمن بالأساس في العلاقة التي تنشأ بين ما يفعله العمل المسرحي بنا، وما نفعله به. فالتساؤل المستمر عن أنماط حياتنا وطرق تفكيرنا، لا يستهدف فقط ازدهار الفرد، بل يستهدف الاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا. فما نصبح عليه يؤثر في علاقتنا مع الآخرين ومجتمعاتنا، وبيئتنا، وأنماط حياتنا المشتركة، فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن، القابل دائمًا لإعادة التعريف. الشكر العميق للهيئة العربية للمسرح، ومجلس أمنائها الموقر على اختياري لإلقاء كلمة المسرح العربي في الدورة السادسة عشر لمهرجانها.
د. سامح مهران
يُذكر أن د. سامح مهران ولد في القاهرة عام 1954 ونال درجة الدكتوراه عام 1989 عن أطروحته "مفهوم الحرب في المسرح العربي" ولعب وهو أستاذ الدراما وعلوم المسرح دوراً بارزاً في المشهد المسرحي المصري والعربي والدولي من خلال نتاجه المعرفي والمهمات التي تولى إدارتها وتنفيذها، وهو رئيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لعدة دورات، شغل منصب رئيس قسم الإعلام التربوي في كلية التربية النوعية جامعة القاهرة، وكان مستشاراً لرئيس جامعة القاهرة للفنون، تولى إدارة مسرح الغد والمركز القومي للمسرح والموسيقا والفنون الشعبية، رأس أكاديمية الفنون في القاهرة، ترأس لجنة المسرح في المجلس الأعلى للثقافة، ألف عشرات النصوص المسرحية والدراسات والأبحاث والكتب المهمة، إضافة لترجمته العديد من المصادر المعرفية الهامة، نال العديد من الجوائز، ينضم سامح مهران باختياره لكتابة كلمة يوم المسرح العربي إلى كوكبة من المسرحيين المؤثرين الذين كتبوا الرسائل على مدار الأعوام من 2008 حتى 2025 والذين سطروا صحائف من نور المعرفة ونار التجربة واستشراف المستقبل بوعي الحاضر والاشتباك مع أسئلته.
 
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (14 و15)
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (12 و13)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (10و 11)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (9)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح(8)
مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (6)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح (4)
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان- ح (2) و(3)
"أكاديمية دار الثقافة" تطلق اليوم الفيلم الوثائقي "الهدف" في مخيم مار إلياس
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(1).. مع البدايات
مختارات من ذكريات فـهــد بــلان.. ح(7).. وكانت البداية من حلب الشهباء
فواز الساجر و"ثلاثية نكون أو لا نكون"
مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق
9 كتب جديدة ضمن إصدارات الهيئة العربية للمسرح
بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر