كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التشكيلية ريما سلمون تبني "مواربتها" الجمالية من غنى اللون المحايد

علي الرّاعي- خاص فينكس:

أول ما يُلفت الانتباه في أعمال الفنانة التشكيلية السورية ريما سلمون (1963)- سواء في أعمال البدايات، أم في انعطافتها الأخيرة- أنّ مُجمل أعمالها متقشفة، أو توحي بالاقتصاد اللوني، فأعمال البدايات ركزت فيها على اللون البني، فيما التجارب الأخيرة اقتصرتّها على اللون الأسود، بمعنى أنّ سلمون لا تتقصد البهرجة والتزيين لمشاغلة عين المتلقي، وما تطمح إليه أن تُبقي عينه على محتوى الانفعال والفكر في لوحتها. رغم ذلك تقول:"يعبق البياض في لوحتي بأرواح الأشكال الغائبة، أراهم في هذا البياض قادمين لزمان ليس لهم. وأشعر بأنفاسهم تتردد في صدى هذا البياض، أنا أراهم وما أفعله فقط هو أن أرسمَهم."ريما الراعي- فنانة تشكيلية

ومن اختيارها لعنوان الـ«شاهد» لأحد معارضها وكان في صالة "أيام" بدمشق، ستنحاز الفنانة سلمون إلى اتجاه "المواربة" سبيلاً لقولها الجمالي، وحتى البحثي في لوحتها التشكيلية المواربة التي ستقدم الحالات التي ستزدحم بها لوحتها- ربما- بأكثر من رؤية، وبذلك تفتح الباب هذه المرة على مصراعيه للتأويل، ولا تتركه موارباً، أي إنها تزيح فعل المواربة هنا إلى نقيضه، وتنطلق من فعل "المواربة" لآفاقٍ أوسع مما تتيحه المجالات المواربة المتعارفة، وذلك عندما تشتغل عليها من بابها الواسع، بحيث نجد خلف الباب أكثر بكثير مما هو واضح ومكشوف مما تتيحه المجالات المفتوحة. فمفردة "شاهد" ستقع هي الأخرى في مجال هذا "الباب الموارب" فهل هذه المفردة فعل أمر تُطالب به المتلقي للوحتها أن يرى، أم هي تقدم شهادتها الجمالية لما حدث، ثم ما يتفرع عن هذه المفردة من رؤية بصرية وقلبية، وصولاً إلى الاستشهاد، والتضحية.

ثمة من قال ذات مرة، إن أجمل ما يقدمه الفن، والإبداع بشكلٍ عام، هو الحالة "الخنثوية" الجمالية التي يتحصل عليها في نهاية المطاف، هذه الحالة الجمالية التي تتجاوز تحديد الجنس، أو اللاجنسية، وهي هنا حالة تشتغل عليها "سلمون" وتنضوي تحت سحر فعل "المواربة"، وإذا ما انتقلنا من العنوان، إلى الألوان، فللوهلة الأولى ستُعطي متلقي لوحتها إحساساً بالاقتصاد اللوني، والتقشف، بل والاقتصار على لون وحيد، هو اللون البني، لكن الفنانة هنا، استطاعت أن تفجر الطاقات الكامنة في هذا اللون، وتخلق من تدريجاته ألواناً متعددة متناسبة، أو معادلة للحالات الانفعالية، والتعبيرية لتكوينات اللوحة، وأفكارها، فالبني هنا، بما يحمله من "ترابية" ثم اتجاهه بين "تضادين"- على الأقل كما هو متعارف عليه، مع أن لا تضاد بين الألوان- وهي هنا في لوحة "سلمون" صوب الأبيض مرة، وصوب الأسود مرة أخرى، ثم ما بينهما من بيج، وذهبي، وغير ذلك، بحيث نكتشف، أو نتحصل على لوحة لا تفتقر إلى اللون رغم إيهام الاقتصاد، ألوان وكأنها تنسل أو تتسرب إليها من التصاق أقدام هذه الكائنات المصورة بالأرض التي تتمسك بها بكل ما أعطيت من تشبث، تدرجات تنوس باتجاه التكثيف كثقل يجثم على الصدر، وقد تشف باتجاه التوشيح توسلاً لنور روحانية ما، قد يزيد في مساحة هذا الضيق، ولاسيما في التكوينات التي تستهدف تشخيصات متكورة.

في كل شغلها؛ تقوم أعمال "سلمون" على تجسيدات إنسانية، غالباً تأتي بالحركة من وضعيات بعيداً عن الوقوف، فهي أما جالسة، أو متكورة، أو تختصرها بوجوهها المشبوبة بالتطلع لجهةٍ ما، وأحياناً بذات الوجه، والفارق يكمن في الإستدارة، التي تقول شيئاً ما، أو تنتظر أمراً ما..! ‏لوحة تشكيلية- ريما الراعي

عن أسبابها في هذا الانجذاب صوب البني في المرحلة الأولى تقول:"هذا اللون من أصعب الألوان وهو حدّي وحيادي ولا يقبل المواربة، وهو ما يناسب طريقتي في التعبير مما يمنح هذا اللون جديةً وحرارةَ الحضور وفاعليةَ الخروج من الحياد. كل الألوان تغدو حيادية إن لم تُفعّل بطاقة مناسبة، ومن هنا تنطلق فلسفتي عبر حاملها- اللون، ومحمولها- الموضوع في مشتركيهما الذاتي والجمعي. يستطيع اللون البني من أفتح درجاته وحتى اقترابه من السواد فعلَ ذلك، فهو أقل تضاداً وأكثر ليونة وهو ما يتفق تماماً مع شكل محتوى هم إنساني وتوجهي تعبيري.

أما لجهة تكوينات اللوحة، فإن سلمون، تقوم في بنائها، على شاكلة النحت، أو تعطي حضوراً للنحت، يبرزه إحساس بالبعد الثالث، الذي يأتي من قوة الخطوط، وهذا الإحساس الذي يعطي القوة في كل مدماك في عمارة اللوحة، التي تأخذ من مواضيع "الضعف" أفكاراً لها، وهذا تأكيد آخر على فعل المواربة الذي كان هاجسها في كل مفاصل هذا البناء، مداميك لوحة يُمكن تكثيفها في ثلاثة: العيون، ثم حركة اليدين، وأخيراً نزولاً على "تشبث" القدمين، ذلك أن الفنانة في شغلها الفني تقوم على تناول الوجوه، ومن ثم تجسيدات إنسانية بحجومها الكاملة، هذه التجسيدات تزحمها في لوحة تُعطي شعوراً أنها تضيق بها، أو بمعاناتها، وهذه التكوينات التي ينز الحزن، أو التوهان من عيونها، ومن حركة الأيدي، تتناقض مع القوة في صلابة القدمين، مع أن القوة تكمن في بنيان اللوحة بشكلٍ عام، وكأن كائناتها "تشد أو تأخذ من الضعف قوة".. وإذا ما تأمل المرء تلك التفاصيل، فسيعود إلى لعبة المواربة ذاتها، فالقوة التي تبرز قي القدمين، قد لا تعدو ذلك أكثر من خوف، ذلك عندما تكرر الفنانة ذات الحركة في القدمين في كل مرة. ‏

تكوينات قد تبدو تكراراً لحالة واحدة من تناول الأفكار، أو حتى بالاشتغال على التقنية، لكن هنا فإن لعبة التكرار تأتي لتأكيد إيقاع طويل على حالة تبدو دهرية، التكرار هنا ينطوي أيضاً على فعل تحريضي، صورة إثر صورة، ووجهاً إثر وجه، تماماً كتكرار قافية في قصيدة موزونة، أو تكرار لازمة في قصيدة معاصرة، وتأتي الإضافات التي تقدم اختلافاً في اللوحة كبحث واشتغال على ذات المواضيع، لكن بتلوينات متعددة، أو من زوايا رؤيا ليست مختلفة، وإنما كثيرة، كل ذلك في سبيل تقديم الصورة الإدهاشية والتحريضية بمفرداتها المأخوذة من واقعها المعاصر الممتد بعيداً باتجاه الماضي، وربما باتجاه المستقبل أيضاً.. ‏الوجوه أقرب إلى وجوه النساء المتشحات بالحزن، في حين تحضر القدمين الأقرب لـ"فحولة" ذكورية، إذاً هي نحن رجالاً ونساء، هي دواخلنا، التي تظهر في حركات العيون والأيدي، والشفاه الفضّاحة، أو التي تظهرنا متلبيسن بارتباكنا..

في انعطافتها التالية، ومن خيطٍ، سنرى له استطالاته المُختلفة؛ تنسجُ "سلمون" لوحاتها التي احتفت بها جدران صالة "جورج كامل" بدمشق في أحد معارضها، خيط لا مدى لطوله حتى وفّر للفنانة سلمون كل هذا النتاج الذي وصلت لوحاته لما يفوق المئة وخمس وعشرين لوحة تشكيلية اختلفت أحجامها من اللوحة الصغيرة وحتى أبعاد اللوحة المُتعارف عليها. غير أنّ ما يجمع في هذا النتاج الثّر للفنانة "سلمون"؛ إنها اشتغلت من ذات الخيط، أو نسجت من الخيط عينه مختلف شواغل لوحتها التي كثفتّها بأكثر من ملمح سواء على صعيد تكنيك اللوحة، وحتى على صعيد همومها وشواغلها.لوحة تشكيلية- ريما الراعي 2

وسواء كان المعرض في شغل الفنانة "سلمون" الذي أطلقت عليه "تلاشي تلاشي".. هنا راهنت في تقديمها على "الغرافيك" بمعنى اقتصارها على الأسود وبديهي على الأبيض ليُشكلان الغواية اللونية التي ستكون إحدى النوافذ التي تطلّ من خلالها على متلقي اعتاد الغنائية اللونية والزخرفة والحالة البصرية المُفعمة. وزادت "ريما" في ما يُشبه المراهنة والتحدي ليس على الأبيض والأسود فقط؛ بل وعلى ما أطلق عليه في النقد التشكيلي "جمالية القبح" ذلك أن الفنانة التي يبدو للوهلة الأولى أنها اشتغلت على الوجوه وحسب، غير أن المتأمل لتلك الوجوه سيجد فيها نوافذ تطلّ لداخل الكائن وليس لخارجه، بمعنى جعلت الفنانة من تلك الوجوه حوامل لكلّ الخراب الذي كان يعتمل داخل الكائن.

من هنا لن تستطيع في قراءتك لتلك الوجوه معرفة جنس الوجه إن كان لرجلٍ أم لامرأة، ولكنه بكل تأكيد كائن بشري، وعندما نقول "بشري" أي هو الكائن الذي لم يتأنسن بعد. بل ذلك الكائن الذي أبقى على مُعادله الحيواني يقعي بداخله، ومن ثم كان هذا القبح والتشوه اللذين يعليان الوجوه. في تأملٍ قريب لتلك التكوينات التي تشتغل عليها "سلمون"، تبدو وكأنها تنسج أو تستخدم السنارة في حياكة تكويناتها- البورتريه، وليس الريشة والأحبار والألوان، ومن ثمّ كان استخدام مفردة الخيط الذي يتدلى حيناً من فم، أو يلتف حول رقبة، أو قد يتشابك، وغيره الكثير من الحالات التي نوّعت عليها الفنانة ليؤكد حالة الحياكة والنسج. غير أنّ الفنانة حمّلت ذلك الخيط حمولات رمزية تعدّت ذلك. فقد أشارت من خلاله إلى- ربما- الأمل، غير أن هذا الأمل؛ بدا هو الآخر موارباً ومُخاتلاً وحتى مُلتبساً، فهو مرةً يأتي كخلاص، لكنها مرات قليلة، وتارة تبدو الفنانة وكأنها تُناكفُ مقولة الراحل المسرحي سعد الله ونوس "محكومون بالأمل" فقد أخذت المقطع الأول من التركيب لسعد الله، أي "المحكومون" ومن هنا كانت إشاراتها في قتل هذا الأمل لصاحبه؛ الأمل الذي أمسى كحبل مشنقة.