كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فهد بلان وأصدقاؤه في سهرةٍ فنية

عماد بلان

..الحكاية التالية تنطوي على مفارقة نادرة و ذات مغزى أتمنى أن ينال رضاكم، الحكاية لا تروي سهرة فنية فحسب، بل تكشف لنا كيف كان العمل الفني يُولد من المعاناة والصبر والجهد والإحساس. وتبين الفرق بين فن الأمس و«إنتاج» اليوم..
..فتفضلوا وتابعوني:
..في غرفته الخاصة، التي كان يسميها «الصومعة»، اعتاد الملحن والفنان السوري الكبير سهيل عرفة – رحمه الله – أن يعتكف بعيداً عن ضجيج الدنيا، ليستولد ألحانه وأنغامه من رحم الصمت والتأمل.
..وفي إحدى الأمسيات، اجتمع في «الصومعة» مع صديقه الحميم ورفيق دربه فهد بلان، ومعهما الشاعر الراحل عمر الحلبي، لإنجاز قصيدة كان مطلعها:
..بالأمس كانت تهوى وجودي..
..واليوم صارت تنسى وعودي..
..يا ويلها.. ماذا بها..
..أتظنني عبداً لها..؟!
..وكانت القصيدة آنذاك مشروع أغنية مقررة ليؤديها الفهد في فيلمه مع الفنانة مريم فخر الدين، وكان اسم الفيلم «أين حبي».
..وبرفقة العود، وكلمات القصيدة، بدأ الأصدقاء الثلاثة عملهم عند الساعة السابعة مساءً..
..شاعرٌ يبحث عن الكلمة التي تليق باللحن، وملحنٌ يفتش عن الجملة الموسيقية التي تحتضن الكلمة، ومطربٌ يضع صوته وإحساسه بينهما..
..وهكذا انطلقوا في رحلة البحث عن أغنية تليق بالفهد..
..وبعد ساعات قليلة، دخلت عليهم السيدة «أم عادل»، زوجة سهيل عرفة، تحمل لهم الشاي، ثم تركتهم وعادت إلى غرفتها، بينما ظل الثلاثة غارقين في عالمهم الخاص.
..مضت ساعة.. ثم ساعات..
..والليل يمضي، وهم لا يشعرون..
..كانت الكلمات تتوالد، والنغمات تتشكل، والعود يجيب على الشعر، والشعر يحاول أن يجد له مكاناً في اللحن..
..ثلاثة فنانين اجتمعوا على طاولة واحدة، لكن كل واحد منهم كان يعيش الأغنية بطريقته؛ فالفهد يريدها بصوته وإحساسه، وعمر الحلبي يريدها بكلماته، وسهيل عرفة يريد أن يمنحها روحاً موسيقية تبقى في الذاكرة..
..حتى دخلت عليهم السيدة أم عادل مرة ثانية، بالتزامن مع صوت أذانٍ انطلق من أحد مساجد دمشق القريبة..!
..رفع سهيل رأسه، وتثاءب قليلاً، ثم قال:
..«إيييه.. أذّن الفجر يا شباب.. ونحنا بعدنا عم نشتغل، وما شعرنا بالوقت..!!»
..فضحكت زوجته وقالت:
..«وإنت الصادق يا سهيل.. هاد أذان الظهر، مو الفجر.. يعني صارلكن سبعتعش ساعة معتكفين مع الأغنية.. الله يقويكم..!!»
..سبع عشرة ساعة..!
..سبع عشرة ساعة وهم يلاحقون أغنية واحدة، كلمةً ونغمةً وإحساساً.. ومع ذلك، لم تكن الأغنية قد اكتملت بعد..!
..حدث ذلك قبل نحو خمسين عاماً..
..هكذا كان الفن يومها..
..لم يكن استعجالاً، ولا سباقاً مع الزمن، ولا بحثاً عن أسرع طريقة لإنتاج أغنية..
..كان الفنان يضع من روحه في العمل بقدر ما يضع من وقته..
..وكان اللحن يُصنع كما تُصنع الأشياء الثمينة: بصبرٍ طويل، وإحساسٍ عميق، وقلقٍ جميل من ألا تكون النتيجة على قدر ما يتمنى صاحبها.
..أما في أيامنا هذه، فما شاء الله.. خلال ساعات قليلة، قد تُفرَّخ ألبومات غنائية كاملة، بواسطة «فقّاسات» الفن الآلي..!
..قمةٌ في التقنية.. وقُمامةٌ في الذوق..!
..ولا عيب في التقنية؛ فالتقنية أداة عظيمة حين تكون في يد الفنان..
..لكن المصيبة حين تتحول الأداة إلى بديل عن الفنان، ويصبح اختصار الوقت أهم من قيمة العمل، ويُقاس النجاح بعدد الأغنيات المنتجة لا بمدى بقائها في القلب والذاكرة..
..بالأمس، احتاج ثلاثة فنانين إلى سبع عشرة ساعة كي يبحثوا عن أغنية واحدة..
..واليوم قد نحتاج إلى سبع عشرة أغنية كي نعثر، بينها، على جملة موسيقية واحدة تستحق أن نتذكرها..!
..رحم الله فهد بلان، و رحم سهيل عرفة، ورحم عمر الحلبي..
..ورحم الله زمناً كان فيه الفن يُعاش أولاً.. ثم يُغنّى،
..وكان الفنان لا يسأل: كم أغنية أنجزت اليوم؟
..بل كان يسأل نفسه:
..«هل صنعتُ أغنيةً ستبقى بعد أن ينتهي صوتي..؟!»