كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في ذكرى اغتياله ناجي العلي.. معنا.. وبيننا

أمينة عباس- فينكس

عقد الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطيني – فرع سورية – مؤخراً وبمناسبة مرور تسعة وثلاثين عاماً على اغتيال ناجي العلي ندوة حملت عنوان "ناجي العلي.. معنا.. وبيننا"، بمشاركة د. نجلاء الخضراء، والفنان التشكيلي فتحي صالح، والإعلامي عمر جمعة، فيما أدار اللقاء القاص رسلان عودة الذي قدم للندوة قائلاً: "نحن اليوم في لقائنا هذا لا نحتفِي بذكرى موت، بل نستضيف بيننا من رحلوا، فبعض المبدعين فكرة، والفكرة لا تموت.

تسعة وثلاثون عاماً عاشها الشهيد ناجي العلي بعد النكبة، وتسعة وثلاثون عاماً مرت على اغتياله، وما كان للناجي من اسمه نصيب وهو الذي أطلق أربعين ألف طلقة ريشة بالأبيض والأسود في خاصرة الوعي الوطني: فلسطينياً وعربياً ودولياً".

فلسطين الهاجس الأول في رسوماته

وفي مشاركتها الموسعة، توقفت د. نجلاء الخضراء عند تفاصيل سيرة ومسيرة ناجي العلي الإنسان والفنان والمبدع، الذي صنفته صحيفة "أساهي شامبون" اليابانية واحداً من أشهر عشرة رسامين كاريكاتير في العالم. مشيرة الخضراء إلى أنه قدم خلال نصف قرن أربعين ألف لوحة مبدعة، رفعت اسم فلسطين، ونددت باحتلالها، ووقفت مع الشعوب البائسة، وناصرت قضاياهم، وكشفت حقائق، وعرّت أشخاصاً، وباحت بأسرار.

وكانت رسوماته سبباً لاعتقالات متعددة تعرض لها. وقد كانت فلسطين الهاجس الأول في رسوماته بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو الذي عرف قيمة التاريخ واعتمد عليه ووظفه لإيصال رسائله، فرسم الكوفية، واعتمد على الأمثال الشعبية، ووثق مطالع الأغاني الشعبية، وتحدث بلسان الفلاح الفلسطيني ووجعه ولهجته وولعه بأرضه وعمله، مؤكدة الخضراء أن استمرار ناجي في رسم لوحاته، وقراءته المستمرة للتاريخ القديم وربطه بواقعه وما يجري حوله، وتطور رسومه وشخوصه، وما حملته لوحاته من تصورات ورؤى وعمق الفكرة والدلالة، جعل لوحاته ترتقي من الحديث عن الواقع إلى الحديث عن المستقبل، فباتت تتنبأ بما سينتج عن القرارات وبما ستكون عليه الأحوال معتمدة البساطة في خطوطه والوضوح في تعبيراته ليصل إلى عامة الشعب ويحاكي البسطاء، فيشاركهم همومهم، ويناقش أحلامهم، ويسخر من واقعهم، وينتقد أحوالهم، مما أعطى لوحاته قوة خطابية وسرعة انتشار لتملأ الصحف بصرخاتها الصامتة المنادية بالوحدة والتحرر والثأر والصمود.

ولأنه لا يمكن الحديث عن ناجي العلي دون التطرق إلى شخصية حنظلة، الذي أصبح توقيعاً خاصاً له، ورمزاً لهويته الشخصية، وشعاراً لمدرسته الفنية، تقول الخضراء: "ابتكرها عام 1969 من مرارة الحرب وصفار وجه أطفال المخيم، وفداءً لفلسطين، وكانت أولى اطلالاته في صحيفة السياسة الكويتية، عرف عن نفسه وعمره وشخصيته وانتمائه، وهو الذي بقي متجهاً لفلسطين، يدير ظهره للعالم، شاهداً على العصر والواقع.

ولأن ناجي عرف باكراً أن من يكتب لفلسطين ميت، ومن يرسم لها ميت، علّم حنظلة الرسم وسلمه مهمة إكمال المسيرة، وتعلم منه الصمود وعدم الرضوخ والاستسلام والتسليم، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".

صوت المقهورين

ورأى الإعلامي عمر جمعة في مشاركته أن حالة القهر والإحباط والخذلان التي واجهت الشعب الفلسطيني في معركة الحفاظ على وجوده وهويته وشخصيته، ومحاولات محوها وطمسها والتنكر لها، كانت دافعاً لأن يلجأ العلي إلى الرسم على الجدران ليعبر عما يشعر به، وهو الذي عاش القهر منذ ولادته عام 1937 في قرية الشجرة بين طبرية والناصرة: "لذلك ظل عبر رسوماته الناقدة وعباراته المتهكمة ينتصر لأولئك المقهورين الذين آثر أن ينحاز لهم ويموت من أجل الدفاع عن حلمهم بالعودة إلى الوطن المنكوب"، مذكراً جمعة ما كان يقوله العلي من إنه ليس حيادياً، بل هو مع أولئك الفقراء البسطاء الذين يكونون دائماً عند خط الواجب الأول، والذين يسكنون تحت سقف الفقر الواطئ، لكنهم يقفون عند خط المعركة العالي. وإنه منحاز لطبقته وللفقراء، الذين هم الذين يموتون، وهم الذين يسجنون. وأن الصورة عنه في لوحاته هي عناصر الكادحين والمقهورين والمطحونين، لأنهم هم الذين يدفعون كل شيء ثمناً لحياتهم. "كل شيء قاسٍ يحاصرهم ويقهرهم، لكنهم يناضلون من أجل حياتهم ويموتون في ريعان الشباب، في قبور بلا أكفان. هم دائماً في موقع دفاع مستمر لكي تستمر بهم الحياة. أنا في الخندق معهم، أراقبهم وأحس نبضهم ودماءهم في عروقهم. ليس لي سلطة أن أوقف نزفهم أو أحمل عنهم ثقل همومهم، لكن سلاحي هو التعبير عنهم بالكاريكاتير، وتلك هي أنبل مهمة للكاريكاتير الملتزم".. ومن هنا، شكّلت تجربته – برأي جمعة – حقلاً خصباً لعدد من الكتاب والمؤرخين والصحفيين الذين بحثوا واستقرأوا مواضيع لوحاته والأثر الذي تركه، ولا سيما في الرسوم التي عاينت الواقع السياسي والعربي، جنباً إلى جنب مع حياته وشخصيته وحكاياته الإشكالية مع الصحف والمجلات التي عمل فيها أو نشرت صفحاتها رسوماته، وتنقله بين البلدان ليصل صوت الفلسطيني المقهور إلى كل الأرجاء.