كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قالب الموشحات في الموسيقا العربية

  رامي حاج حسن -فينكس 

 أصل الموشح 

يعتقد أن كلمة "الموشحة" تعود إلى اللفظة السريانية "موشحتا" (ܡܘܫܚܬܐ) أي بمعنى "إيقاع" أو "ترتيلة من المزامير"، كما يعتقد أن الموشحات ظهرت في المشرق العربي وتأثرت بشدة بالموسيقا الكنسية السريانية حتى أن "الردات" في أقدم الموشحات كانت تحتوي ألفاظاً سريانية.

 في حين يقول رأي آخر أن مخترع الموشحات في "الأندلس" كان شاعراً من شعراء فترة الأمير "عبد الله" اسمه "مقدم بن معافى القبرى".

وقد جاء في بعض نسخ كتاب "الذخيرة" لـ "ابن بسام" أن مخترع الموشحات اسمه "محمد بن محمود"، والمرجح أن مخترع هذا النوع الشعري هو "مقدام بن معافر"، وعلى ذلك أكثر الباحثون على أن "بسام" لم يجزم حين ذكر هذا الأخير، إنما قال: «وأول من صنع هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيما يلقى- "محمد بن محمود القبري الضرير"».

 ولعل كون الشاعرين من "قبرة" جعل "ابن بسام" يضع اسماً مكان اسم، فكأنه قد بلغه أن الشاعر "القبري" فلاناً قد اخترع الموشحات، فذكر "محمد بن محمود" ونسي اسم "مقدم".

 وقد وردت هذه الموشحة منسوبةً إلى هذا الأندلسي في كثير من المصادر الموثوق بها مثل جيش التوشيح لـ "ابن الخطيب"، ويعود أيضاً أصلها من كلمة وشاح الذي تتزين به المرأة ليزيدها جمالاً واتزاناً، كما عرفه "ابن سناء الملك" على أنه «كلام موزون على وزن مخصوص»، وقال آخر «كلام تشهد العين أنه نثر ويشهد الذوق أنه شعر».

وأغراض الموشح الغزل والمدح والرثاء والفخر والزهد، ويسمى الموشح الذي يتكلم في الزهد بـ "المكفر" على شرط أن يكون على وزن موشح آخر معروف.

 نشأة الموشح وازدهاره

نشأت الموشحات في "الأندلس" في القرن 3 الهجري، وشأنه شأن أي فن جديد، لم تكن نشأة الموشحات واضحة المعالم، ونتيجة لهذا الغموض أصبح من الصعب تحديد أول صانع لها أو السنة التي نشأت فيها، فذهب "ابن بسام" إلى أن "محمد بن محمود القبري" هو أول مُبتكر لها، في الوقت الذي ذكر فيه "ابن خلدون" أنّ أول مخترع للموشحات "مقدم بن معافي الفريري"، في فترة حكم الأمير "عبدالله بن محمد المرواني" اتفق مؤرخو الأدب القدامى على أسبقيّة أهل "الأندلس" في استحداث فن الموشحات، وهم مَنْ وضعوا قواعده وأصوله وسهّلوا الطريق لمن بعدهم لنسج الشعر فيه، إذْ أنّ الازدهار الكبير الذي شهده الشعر الأندلسي بكافة فنونه ابتداءً بتقليد شعراء المشرق وإبداعهم المميز في وصف طبيعة بلادهم، الذي نتجت عنه مظاهر مستحدثة، جعلت الشاعر الأندلسي يميل إلى التجديد والتحرر من الأوزان القديمة التي أصبحت عاجزةً عن احتواء عاطفة الشاعر الأندلسي القوية والتعبير عنها، فكان لا بد من فن شعري جديد يعبر عن هذه العاطفة.

والموشح نشأ في "الأندلس"، هو فن ابتكره الأندلسيون، وبرعوا وأكثروا من نظم الشعر فيه، وتميّزوا فيه حتى أصبح علامةً مميزة لتاريخ "الأندلس" الأدبي، وقدّم أصحاب هذا الاتجاه براهين عديدة منها أقوال باحثي الشعر العربي بأن الموشحات فن استقل به شعراء "الأندلس"، كذلك ملاءمة الطبيعة الأندلسية التي ساعدت الشعراء على الإبداع والتميّز في هذا الفن، أيضاً تأثر الشعراء الأندلسيين بالغناء الإسباني الذي كان له الدور الكبير في نشأة فن الموشح في "الأندلس" ووصول الغناء المشرقي إلى "الأندلس" عن طريق "زرياب" وتأثر الشعراء المحليين به.

وهناك عوامل أيضاً ساعدت في انتشار وظهور الموشحات، فتميز "الأندلس" بطبيعة جميلة كان لها الدور الأكبر في نشوء فن الموشح، أضف إلى ذلك الانتشار الواسع الذي حظي به الغناء، واللهو في مجالس الحكام والأمراء والولاة، إضافةً إلى عامة الناس، وهذا الانتشار عكس شخصية الأندلسي التي تتمتع بحسّ فني واستقلاليّة أدبيّة، كما عكست ما كانت تتمتع به البيئة الأندلسية من ترف وتحضر، وقد كان لهذا الازدهار الفني الأثر الهام في الشعر والشعراء خاصةً بعد مجيء "زرياب" ونشره لفنه هناك، ويبدو أن أهل الأندلس شعروا بجمود القصيدة العربية التقليدية تجاه الألحان المتجددة المرنة، ومن هنا أصبحت الحاجة ملحّة لفن شعري مستحدث يمتاز بتنوع الأوزان وتعدد القوافي، ويلائم الموسيقا والغناء في ألحانهما المتعددة والمختلفة، وإضافةً إلى ما ذكر برزت ظاهرة اجتماعية تمثّلت في اختلاط الشعبين الإسباني والعربي نتج عنه شعب جديد، وأدى هذا الامتزاج إلى ازدواجية في اللغة فتشكّلت الموشحات من العربية الفصحى ما عدا الخرجة التي اتخذت من العامية الأندلسية ألفاظها.

الموشح موسيقياً

في أواسط القرن 19 وصلت الموشحات إلى مجموعة من الفنانين الموهوبين لم يقتصروا على حفظ القديم بل جددوا وأضافوا إليه، فظهرت موشحات جديدة خلال القرنين 19 و20 ومن هؤلاء "محمد عثمان" ملحن (ملا الكاسات) الذي ساهمت ألحانه القوية واهتمامه بضبط الأداء مع صوت "عبده الحامولي" الذي وصف بالمعجزة في انتقال الموشحات من الأوساط الشعبية إلى القصور، وأصبح الموشح جزءاً أساسياً من الوصلات الغنائية، واستمر هذا التقليد حتى أوائل القرن 20 حينما ظهرت باقة من الموهوبين أضافت إلى الموشحات مثل "سلامة حجازي" و"داود حسني" و"كامل الخلعي"، حتى وصل إلى "سيد درويش" فأبدع عدة موشحات كانت بمثابة قمة جديدة وصل إليها هذا الفن، لكن المفارقة الكبرى تمثلت في أن "سيد درويش" نفسه كان كخط النهاية، فلم تظهر بعده موشحات تذكر، وتوارى فن الموشح مع بداية القرن 20 وحلول المدرسة التعبيرية التي كان رائدها "سيد درويش" محل المدرسة الزخرفية القديمة، وأصبح فناً تراثياً لا يسمعه أحد، لكنه عاد إلى الساحة مرةً أخرى بعد عدة عقود، حيث أعيد غناء الموشحات في أواخر الستينات من القرن 20 كمادة تراثية عن طريق فرق إحياء التراث، والتي بدأت بفرقتين هما فرقة الموسيقى العربية بقيادة "عبد الحليم نويرة" في "القاهرة" وكورال "سيد درويش" بقيادة "محمد عفيفى" بـ "الإسكندرية"، ثم ظهرت فرق أخرى كثيرة في "مصر"، خاصةً في موجة قوية لاستعادة التراث خلقت جمهوراً جديداً من محبي الموشحات والفن القديم، وتعددت فرق الموشحات إلى حد وجود فرقة في كل مدينة، وظهرت فرق في الجامعات لنفس الغرض، كما غنى الموشحات بعد ذلك مطربون فرادى مثل "صباح فخري" و"فيروز"، وظهرت أجزاء من موشحات كمقدمات لأغاني "عبد الحليم حافظ" و"فايزة أحمد" وآخرين مثل كامل الأوصاف لحن "محمد الموجي" وقدك المياس والعيون الكواحل وغيرها.

أقسام وأجزاء الموشح

يتكون الموشح من عدة أدوار وكل دور يتألف من (المطلع): أبيات شعرية ذات شطرين يسمى كل شطر بـ "السمط" يتميزان بقافية واحدة وروي واحد، (الغصن): أبيات شعرية مختلفة بالقافية والروي بين البيت والآخر حسب الضرورة الشعرية واللحنية (القفل): أبيات شعرية ذات شطرين تشبه المطلع ولكنها تعبر عن خاتمة الموشح وتسمى أحياناً بالخرجة.

ويضم الموشح عادة ثلاثة أقسام، دورين وخانة، كل منها بلحن مختلف والختام بالخانة الأخيرة غالباً ما يكون قمة اللحن من حيث الاتساع والتنويع، كموشح لما بدا يتثنى وموشح ملا الكاسات، وقد لا تختلف الخانة الأخيرة ويظل اللحن نفسه في جميع مقاطعه كما في موشح يا شادي الألحان، وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أكثر من مقطع لكل منها شكل وترتيب، وتتخذ تسميات مثل المذهب والغصن والبيت والبدن والقفل والخرجة، أما "ابن سناء الملك" فيقول: «الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص وهو يتألف في الأكثر من 6 أقفال و5أبيات ويُقال له التام، وفي الأقل من 5 أقفال و5 أبيات ويُقال له الأقرع، فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات».

 كما أن هناك تقسيمات لأنواع الموشحات حسب تعدد إيقاعاتها وأزمنتها، (الكــار) إيقاعٍ كبيــــر، (الكــار الناطق) إيقاع متوسط، (النقــش) من 3 إلى 5 إيقاعات، (الزنجير العربي) 5 إيقاعات، (الزنجير التركي) 5 إيقاعات كبيرة محددة 16/4، 20/4، 24/4، 28/4، 32/4 (الضربان) إيقاعان، (المألوف) إيقاع واحــد.

  

خصائص الموشحات

بالإضافة إلى الجمع بين الفصحى والعامية، تميزت الموشحات بتحرير الوزن والقافية وتوشيح، أي ترصيع، أبياتها بفنون صناعة النظم المختلفة من تقابل وتناظر واستعراض أوزان وقوافي جديدة تكسر ملل القصائد، وتبع ذلك أن تلحينها جاء أيضاً مغايراً لتلحين القصيدة، فاللحن ينطوي على تغيرات الهدف، منها الإكثار من التشكيل والتلوين، ويمكن تلحين الموشح على أي وزن موسيقي، لكن عرفت لها موازين خاصة غير معتادة في القصائد وأشكال الغناء الأخرى.

أهم شعراء الموشحات الأندلسية

"ابن زهر الإشبيلي" (أيها الساقي) "مقدام بن معافر" (أول من ألف وكتب الموشح) "لسان الدين الخطيب" (جادك الغيث) "محي الدين بن عربي" (عندما لاح لعيني المتكا) "أبو حسن علي الضرير" (ليل الصب)، "عبادة ابن ماء السماء".

 أما أهم ملحني الموشحات في الموسيقا العربية

"محمد عثمان" (ملا الكاسات)، و"سيد درويش" (يا شادي الألحان)، “داوود حسني" (رماني بسهم هواه رشا قريب المزار) “سلامة حجازي" (يا غزالاً صاد قلبي)، “عمر البطش" (يمر عجباً حير الأفكار قلت لما غاب عني داعي الهوى قد صاح).