كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

وضاح السيّد وطقـوس «مونـادا» القصيـدة

علي الرّاعي-فينكس

من الفنانين السوريين الذين فارقوا المُحترف المُتماثل في المشهد التشكيلي السوري، واكتسبت أعمالهم خصوصيتها وعلامتها المُفارقة، وابتعدت عن سرب التشابه؛ كان ما اشتغل عليه الفنان "وضاح السيّد" (1969)، الذي بقي يُقدّم أعماله الفنية على حواف القصيدة، بل كثيراً ما اشتبكت ألوانه مع النص الشعري، وكثيراً أيضاً، ما كنت نصوص شاعرين على وجه التحديد؛ هما الأقرب لأن يُقارب قصائدهما لونيّاً، وأقصد بذلك والده الشاعر "محمود السيّد"، والشاعر "نزار قباني".. ومن بعض سمات لوحته أيضاً، والتي شكلت غوايته اللونية في (نص اللوحة)؛ كانت المرأة؛ المرأة كحامل جمال أثير لدى "وضاح السيّد"؛ لدرجة إن ثمة من النقاد؛ سحب مُصطلح (شاعر المرأة) من الشاعر "نزار قباني"، وكحالة مُعادلة تشكيلية لـ "وضاح السيّد"؛ لينعتوه بـ (فنان المرأة)..

مسيرة فنية بدأت بفوزه بالمركز الأول لأفضل لوحة على مستوى سوريا، وكان ذلك بعمر (11) سنة، في تجربة لا تمل الوقوف على عالم الرومانسية الحالمة الموشاة بالروحانية... ومنذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1999، والفنان "وضاح السيّد"، يحرص أن تمشي لوحته في طريقٍ عبدّه ليكون لها مسارها الخاص، وذلك من خلال محاولته لإيجاد (نقاط علاّم)، تمنحُ لوحته المُفارقة.. ولعلّ أهم ما أعطى لهذه التجربة بصمتها؛ تلك الشاعرية التي اتشحت بها مختلف تنويعات التجربة وانعطافاتها، شاعرية توحي؛ وكأنّ هذا الفنان يرسم لوحته شعراً، ويكتب قصيدته اللونية على مدى الخامة البيضاء، وتمثّل ذلك في هذا الثراء اللوني الذي يُفعم به لوحته، ثراء..

بدأ ذلك منذ أولى خطواته الأولى التي كانت تجريدية، لكن سمتها أنها كانت زاخرة باللون، وإذا ما بحثنا خلف هذا الزخم اللوني الشاعري في لوحة "وضاح السيّد"؛ فجذورها تعود لصاحب «مونادا دمشق»، وأقصد الشاعر والصحافي الراحل "محمود السيّد"، تلك القصيدة التي أدهشت المشهد الشعري حين نشرها لأول مرة،‏ والتي سيكون لها وقعها وإيقاعها في تلوينات «الابن»، فيكون لكلّ من الأب والابن «موناداه»، وإن صاغها كل منهما بإبداعٍ مختلف.‏.‏ وما يُميز لوحة السيّد، إضافة لشاعريتها اللونية، في هذا الإصرار لديه على «أدبية اللوحة»، وهو المأخوذ بالكتابة والتأليف لزمن ليس بالقصير..

الحالة التجريدية التي بدأ بها "السيّد"، لن تستمر طويلاً، حتى ينعطف بعدها صوب المدى الخارجي، الذي يلتمس منه أجمله، «أنثاه وزهوره» حتى كادت المرأة أن تكون «المكوّن» الأبرز للوحة "وضاح السيّد"، في النتاجات اللاحقة، لكنه في تجسيده للمرأة سيبتعد عن أمرين درجا في مثل هكذا لوحات أنثوية، أولها الجسد العاري رغم كل حمولات هذا التشكيل الجمالي، والأمر الآخر هو "لوحة الحريم الشرقي"، التي اجتهدت لوحات المستشرقين على تصويرها، وإنما كانت اللوحة هي "امرأة وضاح السيّد".. هي المرأة المُفعمة بالشاعرية، المرأة الخارجة من توشيحات وستائر البنفسجي، والزهري، والكحلي، والأصفر.. المرأة المُحاطة بالطيور، والفراشات، لوحة مشغولة بالمدى البصري حتى النهاية، اللوحة التي تصير ملء العين، سواء بالصياغة الحركية، أو ببناء التكوين، وكأن المتلقي يتأمل قصيدة حب ملونة على كامل البياض..

في تنويعاته التالية سيبحث عن "اللوحة في بيتها" - كما أطلق على أحد معارضه- ولكن دون أن يتخلى عن "الشعرية والشاعرية" اللونية، وحتى في الصياغة التكوينية، التي أخذت موقعها الجمالي في لوحته التشكيلية، ويهدف "السيّد" من وراء هذا الاختلاف في عرض اللوحة؛ دعوة المشاهد للخروج من الحالة النمطية في رؤيته وقراءته للوحة الفنية، يُقدّم اللوحة بحالةٍ طقسية.. أي التأكيد على (إنسانية) اللوحة، وقد أصابها الكثير من التغريب..

في شغله التشكيلي هذا، سعى "السيّد"، لأن يوجه العمل الفني صوب "الشعبوية" ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهو ما فعله الشاعر نزار قباني؛ عندما أنزل القصيدة من أعلى نخبويتها إلى أن تقرأها سيدة المنزل في مطبخها، وهي تعمل وجبات الطعام لزوجها وأولادها، وهي– القصيدة– التي عاشت دهوراً في أحفورات القواميس البادرة بمفرداتها الجزلة، والمقعرة والمندثرة، وخلالها استحقّ "نزار قباني" أن يكون (شاعر اللغة) دون منافس منذ عقود، الشاعر الذي أنزل اللغة حتى يستمتع بها الجميع، أي أنزلها، وهي بكامل الشعرية من مجاز وبلاغة ساحرة من النخبوية إلى الشعبوية..

والحقيقة إنّ ما فعله "وضاح السيّد" في العمل التشكيلي؛ كان مُعادلاً لما فعله قباني في الشعر، وذلك من خلال تقديم لوحة توفر المتعة لكلّ متلقٍ يُقيمُ معها حواره الخاص، وقد أقام أكثر من معرض بإيحاء من قصائد نزار قباني، منها معرضان في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ واحد بعنوان (ورق وأغاني)، وآخر (بعيون نزار)، وخلاله، حاول أن يُجسد برؤية ملوّنة قصائد الشاعر قباني، والتي يعتبرها السيّد إنها كانت شرارة الإبداع التي شكلت الأساس لبناء عمارته اللونية، وهي التي اكسبتها علامتها الفارقة.. شعرية قباني التي أفرد لها "السيّد" مساحات لونية بلوحات أقرب إلى الجداريات، إذ تجاوز أصغرها حجماً المتر ونصف المتر، وكانت اوسعها حجماً اللوحة التي تحمل اسم "دمشقة" مقاسها ثلاثة أمتار بمترين، هذه اللوحات التي تساوقت أو حملت أسماء قصائد الشاعر "نزار" نفسها مثل: (عيناك، بيروتيّة، جانين، طوق الياسمين، شجرة، دمشق، نزاريات، فاطمة وليليتا...)..

يقول عن علاقته الأثيرة بـ "نزار قباني" وبشعره: هي علاقة "تتجاوز شعرية "قباني"، فهو شاعر جامع لذاكرة دمشق وموروثها الجميل، ولا أعرف متى وكيف تسلل إلى حياتي، ليصبح جزءاً منها.."، ويُضيف: ربما تبلورت فكرة أن أقيم معرض مستمد من قصائد الشاعر "قباني" في ذهني سنة 2007، بعد جلساتي الشعرية مع مجموعة من الأصدقاء التي كان الحضور الأكبر فيها لقصائد "القباني".. وفي إحدى الجلسات تساءلت، ترى كيف تترجم قصيدته في لوحة؟!! وهكذا بدأت رحلتي مع أشعاره..

ليس من الصعوبة أن يكتشف المُتابع مرجعيات لوحة "وضاح السيّد"، والتي تُشكل الأرضية التي يبني من خلالها لوحته الفنية، تلك الأرضيات أو الأساسات التي تظهر في فضاء اللوحة، وهي غالباً من حضارات قديمة: الصينية، والهندية، وعصر النهضة في أوروبا وصولاً إلى حضارات سوريا العتيقة: الفينيقية والتدمرية، وغيرها، يسعى من خلال ذلك لما اسماه بـ (إنسانية اللوحة) التي يصر عليها، والتي تتمثل جمالياتها بمزجها بالتجربة الشخصية البصرية كفنان معاصر، الأمر الذي يعطي قوة للوحة، وللعمل التشكيلي، وليس الاشتغال على رمال رخوة، كما أنها تعطي للوحة بعداً كونياً تماماً كقطعة موسيقية، يضيف السيّد إلى كل ذلك البناء؛ وما تمثله من اشتغاله على القصيدة لونياً لفترة طويلة، للوصول إلى الصدق الفني في اللوحة، وهذا ما تبيّن من الأسماء التي أطلقها على اللوحات، فالاسم هنا ليس بالضرورة أن يكون مُعبّراً عن مضمون اللوحة، بل أقرب لما يعمد إليه بعض الآباء في إطلاق التسميات على أبنائهم تيمناً، أو عسى أن يحملوا بعضاً من صفات الاسم، فكانت أسماء مثل: مونادا، ميرا، ليليت، دنان، البنفسج، مرجان، منار، وغيرها.‏‏.

و"السيّد" رغم إصراره على (إنسانية اللوحة)، ورغم تعدد مرجعياتها، لكنها دائماً بهوى سوري، لا تُخفى نسائمه، فدائماً ثمة (مُفردة)، تأتي كملمح هوية للوحة، تقول، أو تُذكّر بالشام، (ذاكرة الياسمين)، هذه المُفردة التي تُحيل إلى دمشق.. الياسمين الذي كان شاهداً حيّاً على تفاصيل حكايته، ويبدأ من حديقة منزله بعريشة مذهلة، يقول عنها بما يُشبه الشعر ومن عبقها القديم أخذ أسماءً للوحاته مثل: "اورنينا، عشتار، آدد، سميراميس، شآم، ولوزية..".

والمرأة التي ينوّع على تكويناتها في اللوحة؛ تأتي بمثابة النافذة أو الصفحات البيضاء لكتابة المدونات وطرح الأفكار، حالة من التسامي التي لا تنقصها الأناقة، وهذا بدا واضحاً في مختلف أعمال السيّد، وفي تنويعاتها كافة، حالة من التسامي الصوفي على وجه التحديد، وكثرة مفردات الجنة والخلق والاتحاد مع الكائن الكلي القدرة، نفذها بطبقات اللون التي تتجه صعوداً كإشارة لصيرورة الإنسان التي يراها جميلة في كل الأحوال..‏‏

أمرٌ آخر لافت في شغل "وضاح السيد: وهو: اعتناؤه الشديد بضوء اللوحة وهوائها، وذلك بإضاءة الأشكال عبر أرضيات خافتة، أو مُعتمة، يأتي الضوء تماماً كشلالات أو أنهار من الضوء تُقدّم للوحة هواءها، وهذا ما يُوفره تأسيس اللوحة بالأسود، وليس بالأبيض كما درجت عليه عادة الفنانين التشكيليين في التأسيس، ولولا السواد لما بدت مثل هذه الإضاءة، وهنا يُمارس الفنان أقصى طاقته لنتاج تعبيرية عالية؛ فيها الكثير من روحانية الشرق، لكنها القائمة على تقنيات الفنون المعاصرة، يُعالجها بلمسات لا تنقصها الجرأة ومُقدماً صياغات فنية خارجة إلى حدٍّ كبير من ضيق المقاسات والشروط، لكنها دائماً المفعمة بالصور الشاعرية المرتبطة بحبال مع «الرومانتيكية» التي يصرّ على تواجد ملامحها في مختلف تلويناته..‏‏

في كل ما يُقدمه "السيّد"؛ كان له غاية جمالية هامة؛ وهي الإصرار على إدخالنا في مناخاته النفسية، تلك المناخات الحالمة، التي تمسك بيد المُتعبين، وتدخلهم في أجواء الجمال والرومانسية الحالمة والعالية، وكأن الإنسان خُلق ليستمتع بالجمال، مُبتعداً قدر الإمكان أن يُقدّم عملاً فنياً؛ يُمكن أن يُعطي طاقات سلبية، ففي هذا العالم ما يكفي ويزيد لأن يعيش المرء في مناحة لا نهاية لـ (كربلائيتها) الطويلة.