الفنّ التجريديّ.. إشكاليّة العلاقة بينَ الفنّان والمُتلقّي
خير الله علي- خاص فينكس:
هل على الناسِ أن ترتقي إلى مُستوى الفنّ، أم على الفنّ أن ينزِلَ إلى مُستوى الناس؟، سؤالٌ طُرِحَ بصيغ وأشكالَ مُختلفة، منذُ أن سُئِلَ الشاعر العبّاسيّ "أبي تمّام": لماذا تقولُ ما لا يُفهَم؟ فأجابهُم: لماذا لا تفهمونَ ما يُقال؟
هذا السؤال يُعادُ طرحهُ مُجدَّداً وبشكلٍ أكثرَ حِدّة في الحقلِ التشكيليّ السوريّ، لاسيَما بعدَ توجُّهِ كثيرٍ منَ الفنّانينَ السوريّين خلالَ العُقودِ الأخيرة إلى الأعمالِ التجريديّة.
فإذا كانت بداياتُ الحركة التشكيليّة السوريّة بشكلِها المُعاصر تعودُ زمنيّاً إلى النصف الأول منَ القرن العشرين على يدِ مجموعةٍ منَ الفنّانينَ المَوهوبين، من مثل "توفيق طارق" و "محمود جلال" و "سعيد تحسين" و "عبد الوهاب أبو السعود" وآخرين، فإنَّ النصف الثاني منَ القرنِ ذاتّه قد شَهِدَ تطوّراً جديداً ولافِتاً في هذا المَنحى الإبداعيّ، لاسيَما معَ تزايُد حركةِ الفنّانين باتِجاهِ الغرب، وإرسالِ البعثات لدراسةِ الفنّ التشكيليّ في الأكاديميّات الغربيّة، الأمر الذي كانَ لا بُدَّ من أن يتركَ أثرهُ الواضح على مُعظمِ الفنانّينَ وأساليبهم وطريقتهم في التعبيرِ عنِ الموضوعاتِ والأفكار الكثيرة التي تشغلُ أذهانَهُم، وتُحاكي تطلُّعاتهِم على صعيدَي الشكل والمضمون، فظهرتِ المذاهب والأساليب المُختلفة والمَفتوحة الأفق لدى هؤلاءِ الفنّانين كالانطباعيّة والتعبيريّة والرومانسيّة والتجريديّة، بل يُمكنُ القول إنَّ بعضَ الفنّانين تمرّدَ مؤخّراً على كُلِّ هذهِ الأساليب، وراحَ يبحثُ عن بصمتهِ الفريدة ورونقهِ الخاصّ، مُستفيداً من ثقافةٍ عامّة وبصريّة واسعة، ومَن كمٍّ كبيرٍ منَ الألوانِ والخاماتِ المُتوفّرة لديهِ في الرسمِ والنّحتِ والغرافيك وحتى الإعلان.
إلّا أنَّ العُقودَ الأخيرة شهِدَت ما يُشبهُ الانجرافَ غيرَ المدروس من قِبَلِ كثيرٍ منَ الفنانين- لا سيَما الشبابُ منهُم- نحوَ العملِ الفنيّ التجريديّ، حتى بدتِ الصّورة وكأنّها (مُوضة) يُحاول من خلالِها الفنّان تأكيدَ حضوره وتميّزه لمجرّدِ أنّهُ يُقدّم عملاً غامضاً وغيرَ مفهومٍ من قِبَلِ الناس، عِلماً أنَّ الفنَّ التجريديّ كما يعرّفهُ الفنّان التجريديّ الروسيّ "فاسيلي كاندينسكي" بأنّهُ من بينِ جميعِ الفنون، هوَ الفنّ الأصعب، حيثُ إنَّ اللوحة تتطلّبُ منَ الفنّانِ أن يعرفَ كيفَ يرسمُ جيّداً، وأن يمتلكَ حساسيةً شديدة للتكوينِ والألوان، وأن يكونَ شاعراً حقيقيّاً.
الأمرُ يبدو أكثرَ وضوحاً في المعارض حينَ يُلقي الجمهور المُتابع نظرةً عابرة على اللوحات والأعمال النحتيّة التجريديّة، في الوقتِ الذي يمنحُ هذا الجمهور أوقاتاً أطولَ للأعمالِ الأخرى، كالانطباعيّة والواقعيّة والرومانسيّة، بل وسيكونُ مُندهِشاً جداً أمامَ الأعمالِ الكلاسيكية التي تهتمُّ بأدقِّ تفاصيلِ الواقعِ وتمثليها له.
من مُجملِ هذهِ المُعطيات يطرحُ سؤالٌ نفسّه: على ماذا ارتكزَ بعضُ الفنّانينَ السوريّينَ الذينَ توجّهوا إلى التجريد؟، وكيفَ تلقّى الجمهور السوريّ أعمالهُم وتفاعلَ معها ؟، وهل كانت هذهٍ الخطوة مبنيّةً على أسسٍ ومفاهيمَ صحيحة؟ ونتيجةَ صيرورةٍ وسيرورةٍ طبيعيّة لتطوّرِ الحركة التشكيليّة السوريّة، واستجابةً لتطوّرِ مُجتمعٍ أم كانت انسياقاً غيرَ مُكتملِ الأركان خلفَ الفنّ التجريديّ الغربيّ الذي جاءَ كنتيجةٍ طبيعيّة لتطوّرِ الفنّ التشكيليّ عبرَ قرونَ في تلكَ البلاد؟
"التجريد طَرحٌ جماليّ فلسفيّ"
الدكتور "سائد سلّوم" الأستاذ في كليّة الفنون الجميلة في دمشق قالَ لِ "فينكس" إنَّ "الفنَّ التجريديّ ليسَ موضةً أو عباءةً يرتديها الأبله، وإنّما هوَ طرحٌ جماليّ فلسفيّ ثيوصوفيّ تعودُ جذورهُ الأولى إلى الفكرِ الأفلاطونيّ والسُّقراطيّ، ذلكَ لأنَّ القضيّة مَحمولة على الخطّ المُستقيم والخطّ المُنحني، وما ينجمُ عنهُما من تقاطُعاتٍ بوساطةِ الدوائر والمَساطر والزوايا، ولأنَّ هذهِ التقاطُعات جميلة بذاتِها ولذاتِها، وليسَ بالنسبةِ لأيّ أمرٍ آخر". ويُضيف: "ورغمَ صُعوبةِ فَهمها، إلّا أنَّ الفنَّ حَفِظَها".
وعدَّ "سلّوم" أنَّ كلَّ فنّانٍ تعاطى معَ التجريد دونَ فَهمِ جوهرِ هذا الفنّ، حالُهُ كحالِ مَن يرتدي عباءةَ الصوفيّة، وهوَ يتبخترُ بها في المقاهي الليلية، وأماكنِ اللهوِ والقَصف.
"الثقافة العامّة للفنّ التجريديّ شِبهُ مَعدومة.."
"أديب مخزوم" الفنّان والناقد التشكيليّ، والمؤرّخ الموسيقيّ عدَّ هذهِ التساؤلات مطروحةً للنقاشِ والجدلِ الحادّ، في مُجتمعٍ لايزالُ في بدايةِ طريقِ التذوّق الفنّي الحديث والمُعاصر، ولكنّهُ يرى في المُقابل أنّهُ إذا كانَ الفنُّ التجريديّ كارثة، ومُجرَّدَ تقليدٍ وموضة كما يعتقدُ البعض، فإنّهُ يُشكّلُ مصدرَ قوةٍ للذينَ يعرفونَ كيفَ يستفيدونَ من مُعطياتهِ في ترويجِ بضاعتهم، ومن ضمنِها أزياءُ الموضة، والستائر، وورق الجدران، والأكواب، والمِظلَّات، و حينَ يطبعُ على أيَّ وسيلةٍ تدخلُ في استعمالاتنا اليوميّة.
فمُعظمُ أو مُجملُ الذينَ يستبعدونَ اللوحة التجريديّة في بلادِنا ولا يُعيرونها اهتماماً أو لا يعدّونَها ذاتَ قيمةٍ فنّية - على حدِّ قوله - سُرعانَ ما يقعونَ في فخِّ إغراءاتِ الفنّ التجريديّ حينَ يدخلُ في الوسائلِ الاستعماليّة من دونِ أن يعلموا ذلك.
والتجريد وفقَ رأيهِ لا يعني - كما يتبادرُ للبعض - مُجرّدَ سكبٍ أو رشِّ ألوان، أو مًحاولة تقليدِ ما يجري في المُحترفات الأوروبيّة تحتَ شِعار (الجُرأة والعَصَب الانفعالي)، وهذا يعني أنَّ التشكيلَ التجريديّ هوَ الأكثرُ صعوبةً من عمليّاتِ نقلِ ما هوَ مُتوفّرٌ في الصّورة، أو في الواقع، لأنّ الانفلاتَ من إطارِ الرسمِ الجاهز، والوصولَ إلى خصوصيّةٍ أسلوبيّة يشكّلُ الخُطوةَ الأولى في تأكيدِ الموهبةِ والمَقدِرة، واستخدام العفويّة والجُرأة، واللمسة اللونيّة الماهرة والواثقة.
ويُضيف "مخزوم": "إنَّ مُعظمَ التجاربِ الشابّة قد أثبتت فشلَها في إيجادِ حُدودٍ واضحة تفصِلُ وتُفرّقُ بينَ تأثيراتِ اللوحة الأوروبيّة، ومُعطياتِ التراث العربيّ، لأنَّ أكثريّةَ هؤلاء يُنادونَ بالمُغامرة، ويعيشونَ فُصولَ الصّراع العلنيّ بينَ الشرق والغرب، ويستعيدونَ تجاربَ فنّاني الحداثة التشكيليّة السوريّة والعربيّة الذينَ عاشوا المأزقَ ذاتَهُ منذُ أكثَرَ من سبعةِ عُقود، حينَ ظلّت طروحاتهُم مُتقوقعةً في حُدودِ مُعطياتِ اللوحةِ الغربيّة المُعاصرة، دونَ أن تستطيعَ توضيحَ صُوَرِ الاختلافِ في النهج، أو في أساليبِ التعبير بينَ المنطق الشرقيّ والغربيّ، أو دونَ أن تبحثَ عن مُؤشّراتِ الخصوصيّة المحليّة والذاتيّة".
ويُضيف": "هكذا نجد أنَّ المُشكلة في جوهرِها تكمُن في انجرافِ الشباب وراءَ كلِّ ما هوَ مُستهلكٌ وسَهل وبائِد في فُنونِ الغرب؛ أي إنَّ الأزمة إبداعيّة أكثرَ من أن تكونَ تذوقيّة، لأنَّ كلَّ الناس تتذوّقُ الرسمَ التجريديّ حينَ يدخلُ في الاستعمال، وعندما ينظرُ الناسُ عندَنا إلى اللوحةِ التجريديّة كما ينظرونَ إلى الأشياءِ التي تدخلُ في حياتهم اليوميّة، والقائمة في أحيانَ كثيرة على إبداعاتِ الفنانين التشكيليّين، فإنَّ نظرتهُم تجاهَ الفنّ التجريديّ الحديث سوفَ تتفكّكُ وتزول، وسيكتشفونَ أبعادَهُ الجماليّة والروحيّة والتعبيريّة والفكريّة، لذلكَ فالتجريد ضرورةٌ حياتيّة، وليسَ صرعة أو موضة أو مرحلة عابرة".
ويُنهي "مخزوم" كلامهُ بالقول إنَّ الثقافةَ العامّة للفنّ التجريديّ في مُجتمعنا شبهُ معدومة.
"التجريد هوَ الغَوصُ البهيّ وراءَ المعنى"
حولَ هذا الموضوع الإشكاليّ قالت الشاعرة والأديبة "عبير سليمان" إنَّ الفنَّ التجريديّ تحديداً يحتاجُ درجةً عالية منَ الثقافة والإحساس التي لا يحتاجُها بالضرورة الفنُّ الواقعيّ، مُضيفةً أنَّ القُدرةَ على تذوّق جمالِ كائنٍ ما تختلفُ عنِ القُدرة على توغُّلِ عُمقهِ والتماسِ الخُطوطِ الخفيّة في جوهره، وهذا ما يتكفّلُ بهِ الفنّان التجريديّ ويتنصّلُ منه رسّامُ الواقع.
وتابعت "سليمان": "لا يُمكنُني القول إنّني أفهمُ دوماً ما تقولهُ اللوحةُ التجريديّة، لكنَّها بكلّ تأكيد تمنحُني حريّةَ التأويلِ التي تمنحُني إيّاها قصيدة ذاتُ مجازٍ جذّابٍ وغامض، فهيَ بقدرِ ما تعزلُ الكيانَ المرسومَ عن صورتهِ النمطية، فهيَ قادرةٌ على تجريدكَ من انطباعاتِكَ وأفكاركَ المُسبَقة حيالَه"، مُتسائلةَ: ما الفنّ ما لم يكُن هذا الغوصُ البهيّ وراءَ المعنى؟!
والعملُ الفنيّ التجريديّ وفقَ "سليمان" هوَ الإلهامُ الذي يجعلُ مَن يتأمّلونهُ يكتبونَ عنِ اللونِ نفسِه والخُطوطِ نفسِها عدّةَ قصائدَ مُختلفة في الوقتِ نفسِه.
من جانبهِ قال الأديب والكاتب "علي صقر" إنَّ "التجريد كانَ موضةُ في بدايته ، ثمَّ أصبحَ ركيزةً لأكثرِ الفنانين، ربّما لأنّهم قد وجدوا فيهِ ما يُشبعُ مُخيّلتهم المُكتظّة بآلافِ الصُّورِ والحالات، فقد أضحى التجريدُ ملجأً لعدمِ قُدرةِ الفنّان على البوحِ بما في داخلهِ من رُسومٍ واضحة تؤدّي إلى مُساءَلتِه".
ومن هُنا نُلاحظ تراجُعَ "فنَّ الكاريكاتير" لوضوحِ الفِكرة مُقابلَ انتعاشِ اللوحةِ التجريديّة، كانتعاشِ الفنّ القصصيّ من بعدِ انتشارِ كتاب (كليلة ودمنة) "لابن المُقفّع"..
وأكّدَ "صقر" أنَّ الفنَّ ينمو ويزدهر في البُلدانِ المُتطوّرة ، فتطوّرُ الفنّ مُرتبطٌ بتطوّرِ المُجتمع، ورغمَ ذلك، وعلى الرغمِ من كلِّ هذا العماء، فإنَّنا نجدُ لوحاتٍ هُنا وأُغنياتٍ هُناك، مُضيفاً أنَّ الفنَّ ينفخُ الروحَ في أجسادِ السوريّينَ المٌنهَكة.
أخيراً، مسألة التجريد في الفن تحيلنا إلى النقاش الذي لم ينتهِ حول تبني التيارات الفنية و الأدبية الواردة من الغرب غالباً بشكل متأخر إلى درجة أن الغرب قد يكون قد تجاوزها منذ زمن.